أصداء وآراء

التجريم القانوني للقتل الرحيم.. الجزء الأخيـر..

الكاتـبـة/ رجـاء مـولـيـو

باحثة دكتوراة/ كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة إبن طـفـيـل – المغـرب

 

التجريم القانوني للقتل الرحيم.. الجزء الأخيـر..

 

إن الإعتداء على النفس البشرية يعد جريمة في الأصل العام، وينطلق هذا الأصل من مبدأ حرمة هذه الحياة وحفظها من كل اعتداء يمكن أن يقع عليها لأي سبب من الأسباب، لذلك فإن قتل النفس يعد من أبشع الجرائم المرتكبة. وقد كفلت المواثيق والإعلانات الدولية الحق في الحياة. وهو من أهم الحقوق المرتبطة بالإنسان، وتظهر مكانته من خلال المواثيق والنصوص الدولية ومن أهمها ما يلي :

– الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (لكل فرد الحق في الحياة وسلامة شخصه).

– العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي).

موقف الشريعة المسيحية من القتل الرحيم :

الموت الرحيم يعني السماح للمريض بإنهاء حياته تحت إشراف طبي في حالة رغبته في ذلك بعد إصابته بمرض العضال. لقد حرمت الشريعة المسيحية القتل بدافع الشفقة، فلا شيء يعفي من العقوبة، يؤكد الإنجيل على أن الله يهب الحياة، وهو وحده من يستطيع استردادها.

جاء في إنجيل متى: “يقول يسوع لتلاميذه: «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ 22وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ ».

وفي رسالة القديس بولس الرسول الأولى، رأي مسيحي كتابي واضح في القتل أو العبث بالجسد، جاء في رسالة كورنتوس الأولى: «أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ 20لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ».

وقد حددت الكنيسة قبولها للقتل في حالات هي :

في الحرب العادلة، وفي الدفاع عن النفس، وعند صدور حكم من محكمة عليا، لذلك لا تقبل الكنيسة بالقتل في باقي الحالات – بما فيه القتل الرحيم- بل تنقض كل القوانين التي قد تُشرع مواقف مماثلة، لأنها تعتبر أن الله أولى بالطاعة من الناس.

فالقتل الرحيم في نظر الكنيسة، جريمة وانتهاك لشريعة الله، والإنسان في آخر حياته وما يصاحبه من ساعات الشدة والضيق؛ يحتاج إلى العلاجات والمسكنات، وكذلك إلى مرافقة صادقة وفعالة من أهله وأقاربه والفريق الطبي والأصدقاء أيضا، كي يشعر بالطمأنينة والكرامة والفرح..

ففي عام 1957 كلف البابا بولس الثاني عشر، فريق عمل متخصص للبحث في القتل الرحيم وتطوره، ومما قاله: “القانون الطبي لا يسمح أبداً للطبيب أو المريض أن يمارس القتل الرحيم بصورة مباشرة.. لكن يجوز للطبيب إعطاء المسكنات للمريض المحتضر بعد موافقته بكمية كافية لتخفيف الألم وتعجيلا للموت”.

وقد ترتب عن مؤتمر كنائس المهجر الذي عقد في هولندا منذ شهور، حيث وجهت أسئلة للكهنة والأساقفة وتم التأكيد على حرمانية ذلك وعدم قبول الكنيسة للموت الرحيم بأي شكل من الأشكال.

وفي عام 1984 دعا البابا يوحنا بولس الثاني، المسيحيين ليؤسسوا وجودهم على مفهوم مسيحي أصيل عن الحياة وعن الموت، وإلى ضرورة عدم المساس بالحياة الإنسانية لأنها النتيجية المنطقية للمفهوم المسيحي للحياة، ثم جاء إعلان الفاتيكان لرفضه للقتل الرحيم في 7 يناير 1997 بعد حالتين أقرتهما أستراليا.

وتميز الكنيسة بين القتل الرحيم والمعالجة العنيدة التي تستمر مع أمراض مستعصية لا يمكن شفاؤها وغير قابلة للتحمل، كتوقف الدماغ عن العمل، أو مرض السرطان في مراحله الاخيرة؛ حيث لا تجد الكنيسة أي مانع من توقيف العلاجات التي تعطى لهذا النوع من المرضى، لأنها لا تضيف شيئاً على حياتهم.

وفي الأخير نجد أن مسألة القتل الرحيم هي قضية محرمة تحريما قاطعا ومتفق عليها بين جميع القوانين سواء كانت قوانين تشريعية أو وضعية، لأنها تعد انتهاكا لحقوق الفرد في الحياة والذي خوله الله عز وجل له في هذه الأرض ولا يحق لأحد أن ينتزعه منه، إلا في حالة كون المريض مات دماغه عندها ترفع أجهزة الإنعاش الصناعي ولا يسمى هذا بالقتل الرحيم.

وهكذا فالإنسان معرض للمرض والآلام وهي ابتلاء من عند الله تعالى وكفارة للذنوب ورفعة له في الدنيا والآخرة.

النتائج :

من خلال دراسة موضوع القتل الرحيم توصلنا إلى جملة من النتائج سنذكر منها :

– القتل الرحيم هو تيسير الموت لمريض استعصى علاجه واشتدت آلامه وقاربت نهايته، بحيث يكون على رغبة ملحة منه إلى طبيبه المعالج أو إقرار مسبق مكتوب يؤكد هذه الرغبة.

– الحياة في بعض القوانين حق للإنسان يمكنه التصرف فيها، بينما في الفقه الإسلامي هبة من الرحمان وأمانة مودعة للإنسان مسؤول عنها وعن حفظها في الدنيا والآخرة.

– بررت الدول التي تقول بالقتل الرحيم بغاية الشفقة والرحمة على المريض.

– القتل الرحيم بكل صورة جريمة يعاقب عليها الفقه الإسلامي وأغلب القوانين الوضعية.

– رفع أجهزة الإنعاش الصناعي عن الميت دماغيا لا تدخل في صورة القتل الرحيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى