أصداءأقلام الكتاب

“الترامبية” وما بعدها..

السفير/ معـصـوم مـرزوق

مساعـد وزيـر الخارجية المصـري الأسبـق

 

 

“الترامبية” وما بعدها..

 

ربما ما يمكن إستخلاصه من مختلف الإدارات الأمريكية خلال النصف قرن الأخير ، هو أن لا أحد يقول الحقيقة، الجمهوريون يكذبون ، والديمقراطيون يتجملون .. وأغلب حكومات العالم تنافقهم.

والتفسير الأقرب للفرحة العارمة في أجزاء كثيرة من العالم لفوز بايدن ، ليس مبعثها أنهم صاروا أمريكيين أكثر من بعض الأمريكيين ، ولا انهم يتوقعون من أمريكا تغيير العالم للأفضل .. وإنما يعكس ذلك شعورا بالإرتياح بأن أمريكا لن تكون أشد قبحاً ، لأن في ذلك تهديد للبشرية !.

وبالنسبة لدول العالم الثالث ، فإن “الترامبية” ليست جديدة ، ويدهشني إدعاء البعض الصدمة بعد سقوط الرجل ، وهم من روجوا وبشروا لهذا التوجه.

لقد كانت تجربة دول جنوب أمريكا اللاتينية ملهمة في الخمسينات من القرن الماضي ، وخاصة في الأرجنتين وأوروجواي ، وكان خوان بيرون قد تحول في الأرجنتين إلي معبود للجماهير بما حققه في سنوات معدودة من قفزات غير مسبوقة أدت إلي نمو إقتصادي ملموس ، وإتساع رقعة الطبقة المتوسطة ، وقد ركز بيرون علي الإستثمار الكثيف للمال العام في مشروعات البنية الأساسية ، فتم شق الطرق والجسور وإقامة المباني ، وتحولت بوينس أيرس إلي مدينة أوروبية ، كذلك اهتم بالتصنيع الثقيل مثل صناعة الحديد وصناعة السيارات ، وقام بدعم صغار المصنعين سواء بشكل مباشر عن طريق قروض ميسرة أو بشكل عير مباشر عن طريق سياسات حمائية مثل زيادة التعريفة الجمركية علي بعض السلع ، ومنع إستيراد بعضها الآخر حماية للمنتج المحلي.

ولم يكن وحوش الرأسمالية الأمريكية سعداء بنمو هذا النوع من الفكر الإشتراكي ، والذي لم يكن شيوعيا كما روجت الدعاية الأمريكية ، وبدأ الإنقضاض علي تجارب أمريكا اللاتينية الناجحة . 

كان الإستغلال خلال الحقبة الإستعمارية يتم بشكل مباشر وبلا مواراة ، وبحجج واهية تشبه غلالات رقيقة كي تخفي بشاعة وقسوة الفكرة الإستعمارية ، فالدول المستعمرة (بكسر الميم) تؤدي واجباً إنسانيا من أجل تحضير الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) ، وهو ما أطلق عليه The Burden of White Man  أو “العبء الذي يحمله الرجل الأبيض” ، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وشحوب الفكرة الإستعمارية وانسحابها مجللة بأذيال العار ، بدأ علي الفور نوع جديد من الإستعمارأقل وقاحة وإن كان أكثر إستغلالا ، فقد تحول إلي ” إستعمار فكري ” ، وبدلاً من القوات المحتلة ، وتكلفة الإحتلال الباهظة ، وعار فضيحة السرقات العلنية لمقدرات الشعوب ، تسللت نفس القوي الغربية كي تحتل نفس الدول المغلوبة علي أمرها ، بأستخدام ” قوات إحتلال وطنية ” ، يقودها ” قادة وطنيون ” ، بحيث تظل تلك الدول مصدراً للمواد الخام الرخيصة ، واليد العاملة الرخيصة ، وسوقاً لمنتجات الدول المتقدمة ، وبينما كانت دول الغرب تعتمد النظرية الكينزية في ” دولة الرفاهية ” التي توفر الحد الأدني من الحياة الكريمة لكل مواطنيها ، وتسيطرعلي حركة الإقتصاد ، وتدير برامج ضخمة للحماية الإجتماعية ، وترفع الأسوار حماية لصناعاتها الوطنية ، وتفرض تعريفة جمركية كبيرة علي الواردات ، فأنها كانت تضغط طول الوقت علي دول العالم الثالث لتحريرأسواقها ، وإلغاء الدعم ، وتفكيك شبكات الأمان الإجتماعي سواء في الصحة أو التعليم ، وفي سبيل ذلك كانت مخابرات الغرب تدبر الإنقلابات والإغتيالات علي القادة الوطنيين الذين يحاولون إتباع سياسات مستقلة ، والأمثلة كثيرة سواء في أمريكا اللاتينية أو في بعض الدول الآسيوية ، وكانت مصر عبد الناصر ابرز مثال تمت محاصرته كي يدخل في الصف ويخضع لشروط الغرب التي تمت صياغتها بشكل أكاديمي في محددات صندوق النقد الدولي فيما يسمى “التكيف الهيكلي “Structural Adjustment ، ولتذليل صعوبات تنفيذ ذلك ، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتوسع في توفير المنح الدراسية لأبناء العالم الثالث ، حيث يتم عمل ” غسيل مخ ” يزرع في عقول تلك النخب ما يسهل إختراق مجتمعاتهم في كافة المجالات ، وخاصة في المجال الإقتصادي ، وقد كان دور تلك المنح الدراسية هو تسليح هذه النخب بالأساس الأكاديمي للدفاع عن “مصالح الإستعمار الفكري الجديد” من خلال الترويج لأفكار “الليبرالية الجديدة” (ما بعد الكينزية) والتي تعتبر أن تدخل الدولة في الإقتصاد خطأ جسيم يصل إلي حد الجريمة ، ويؤثر علي إتزان الأسواق الذي يتحقق بشكل تلقائي عند تحرر السوق من أي تدخل حكومي سواء من خلال الدعم أو بناء قطاع عام أو إتباع سياسة التسعير أو حتي مشروعات مقاومة الفقر .. كل ذلك لابد أن يترك للحافز الفردي الذي يسعي لتحقيق مصلحته بهدف الربح ، وذلك يؤدي تلقائياً إلي منافع تتوزع بشكل متزايد بأسلوب التساقط Trickling down إلي مختلف قطاعات المجتمع ، وأن التدخل من الدولة يؤدي إلي تشوه ذلك النمو الطبيعي ، وكان يضرب المثال أثناء الحرب الباردة بالمزارع التعاونية في روسيا ، فيقال : “عليك مقارنة بقرة التعاونيات الهزيلة المملوكة جماعياً ، ببقرة الفلاح السمينة التي يملكها ويتولي صيانتها .. الدولة تاجر فاشل وصانع غبي ومدير فاسد” !!.

وكان خريجو تلك المنح الأمريكية يعودودن إلى بلادهم ، ويحتلون بسرعة مواقع الصدارة ، واحتل أغلبهم مراكز هامة في عملية صناعة القرار الإقتصادي في بلادهم ، وتولوا عمليات التفاوض مع صندوق النقد الدولي ، بشكل يمكننا تصويره بأنها “مفاوضات تدور بين شخص وصورته في المرآة”، وبالتالي دفعت دول كثيرة ثمن التراجع عن عمليات “الإقتصاد المخطط” التي كانت قد بدأتها في الخمسينات من القرن الماضي والتي حققت درجات نمو غير مسبوقة ، وتم بيع أغلب المصانع التي تم بناؤها بالمال العام كي يشتريها وحوش الرأسمالية الجديدة من الشركات متعددة الجنسيات ، وتم التلاعب بالأسهم في البورصات كي تتماشي مع رغبات الطبقة الجديدة التي صعدت كالطفيليات علي أكتاف تلك السياسات الإنفتاحية ، وأدي كل ذلك إلي إرتفاع الفوارق الطبقية مرة أخري وزيادة مضطردة في نسبة الفقر والمرض والأمية نتيجة لإنسحاب الدولة من دعم برامج الحماية الإجتماعية.

أعراض “الترامبية” التي أزعجت فقط نصف المجتمع الأمريكي تقريبا ، تعاني منها شعوب العالم الثالث منذ ما يزيد علي نصف قرن ، كل ما في الأمر أنها صارت أكثر وحشية وبجاحة !!

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق