أصداءأقلام الكتاب

التطـوع عـطاء عابـر للأعمار (1)..

الكاتب/ د. عبدالرحمن بن سالم البلوشي

 

التطـوع عـطاء عابـر للأعمار (1)..

أصبح العمل التطوعي يكتسب أهمية متزايدة يوما بعد يوم، فمن المسلم به أن الحكومات سواء في البلدان المتقدمة أم النامية لا تستطيع سد احتياجات أفرادها ومجتمعاتها، دون مساعدة جهات أخرى تقوم بتكملة دورها في تلبية تلك الاحتياجات، ومن هنا يبرز دور العمل التطوعي.

ويعد الانخراط في العمل التطوعي رمزاً من رموز تقدم الأمم وازدهارها، فالأمة كلما ازدادت في التقدم والرقي، ازداد عطاء وانغماس أفرادها في مجال الأعمال التطوعية، لأنه مطلب من متطلبات الحياة المعاصرة التي أتت بالتنمية والتطور السريع في المجالات كافة، وذلك لإدراك أفراد المجتمع بأن العمل التطوعي واجب إنساني اجتماعي يُقدَّمُ خدمةً منهم، وتأكيدا على انتمائهم له مهما اختلفت أعمارهم.

فالعمل التطوعي ركيزة مهمة في بناء المجتمع لما له من قيمة إنسانية كبيرة، تتمثل في العطاء والبذل بكل أنواعه، فهو سلوك حضاري يهدف إلى نشر التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع ومؤسساته، والعمل التطوعي ممارسة إنسانية ارتبطت ارتباطا وثيقا بكل معاني الخير والعمل الصالح عند كل المجموعات البشرية منذ القدم، ولكنه يختلف من حيث حجمه وشكله واتجاهاته ودوافعه من مجتمع لآخر ومن وقت لآخر.

ويتميز موضوع العمل التطوعي بالتفرد؛ مما جعله من الموضوعات المهمة في حياة أفراد المجتمع؛ إذ يعد حاجة أساسية للمشاركة الاجتماعية، فالشخص المتطوع يساهم بشكل كبير في عملية تنمية روح التعاون والمواطنة وتحمل المسؤوليات في المجتمع خدمة له، بالإضافة إلى أنه يكسب الشخص العديد من القيم النبيلة مثل الولاء والانتماء ومساعدة الآخرين، كما يعمل على مشاركة المواطنين في قضايا مجتمعهم، ويربط بين الجهود الحكومية والأهلية العاملة على تقدم المجتمع، كما أنه من خلال هذا العمل يمكن التأثير الإيجابي في الشباب، وتعليمهم طريقة للحياة قائمة على تحمل المسئولية الاجتماعية، ويؤدي العمل التطوعي على التقليل من أخطار العلل الاجتماعية والسلوك المنحرف داخل المجتمع، عن طريق اشتغال الأفراد في القيام بأعمال من شأنها أن تشعرهم بأنهم مرغوب فيهم، ويضاف إلى ذلك أن هذه المشاركة التطوعية ستؤدي إلى تنمية قدرة المجتمع على مساعدة نفسه، عن طريق الجهود الذاتية التي يمارسها المتطوعون.

ويكتسب الفرد من خلال العمل التطوعي تنمية الذات، واكتساب خبرات جديدة، وتنمية القيم الدينية والاجتماعية على السواء مثل قيمة الانتماء وقيمة الإيثار، والرضا عن الحياة، والشعور بتقدير الذات، كما يساعد في تحقيق الرفاهية والسعادة النفسية الذاتية للفرد.

ورغم أهمية العمل التطوعي في مجالات التنمية، سواء التنمية الاقتصادية أو البشرية، وكونه من الركائز الأساسية في بناء المجتمع المدني واستدامته؛ نتيجة تنوع مجالاته وتعدد صوره، إلا أنه لا يزال محصوراً في أنشطة الجمعيات الأهلية الخيرية التي لازلت محدودة، وتختزل معظمها العمل التطوعي في مجرد جمع المال لصالح الخير والبر، وندرة اندماجها في المجالات التنموية.

وتختلف دوافع العمل التطوعي وفقا للمستوى العلمي والاقتصادي للأفراد والعمر الزمني والحالة الاجتماعية، كما يمكن أن تقسم الدوافع إلى دوافع دينية ونفسية واجتماعية وإنسانية ووطنية.

ولا يعد العمل التطوعي في مجمل البلاد العربية حديث العهد، لارتباطه الوثيق بمبادئ وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وكان يمارس من قبل الأفراد والمجموعات سواء أكان العائلية أو القبيلة، وقد ظهر عظم أمر التطوع في القرآن الكريم في قوله تعالى: “وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ” (سورة البقرة: 158)، وفي قوله تعالى: “وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ” (سورة الأنبياء: 73) ومنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) (صحيح البخاري)، ولذلك لابد أن يخلص المتطوع النية لله تعالى، وتوجد لديه الرغبة والدافعية للعمل، والتحلي بأخلاق عالية، كالإيثار والاحترام والتسامح والأمانة وغيرها من الصفات الحميدة التي حث عليها الإسلام.

ونرى بأن العمل التطوعي الاجتماعي مجالاته كثيرة كونه ظاهرة اجتماعية تحقق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة الإسلامية الذين وصفهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد، وفي كونه عمل خدمي مجالاته متنوعة، ويحقق التعاون والترابط، ويشعر الإنسان بالمسؤولية تجاه الآخرين، وأن عمله هذا خالص لوجه الله.

وفي المجتمع العماني نرى ولله الحمد بأن العمل التطوعي أصيل فيه منذ القدم، سواء أكان على مستوى الفردي أم الجماعي، وقد انخرط في هذا العمل الإنسان العماني بغض النظر عن محافظته وولايته، أو عمره أو جنسه، فالكل ساهم في العطاء اللامحدود، لأن طبيعة المجتمع العماني التماسك والتداخل الاجتماعي العالي.

وقد أخذ العمل التطوعي في المجتمع العماني التوسع في المجالات المختلفة، وعدد الذين يقوم بهذا العمل، وأصبح أكثر تنظيما عن السابق، وقد ظهرت الجمعيات والمؤسسات والفرق التي تنظمه وفق خطط منظمة يتم عملها، بالإضافة للوعي المجتمعي بأهمية العمل التطوعي، وأنه مطلب لسد حاجات فردية وجماعية وأحيانا وطنية تهم الوطن بأكمله، وخاصة وقت الأزمات التي تمر بالمجتمع، كالأنواء المناخية التي أصبحت تتكرر في المجتمع العماني، وجعلت من أفراده ينخرطون في فرق تطوعية تقدم خدمات مفيدة للمجتمع.

وقد تنوعت مجالات العمل التطوعي فلم يقتصر على العمل الخيري فقط؛ رغم إنه المجال الأكثر تنظيما في الوقت الحالي وتشرف عليه وزارة التنمية الاجتماعية عن طريق الفرق الخيرية المنتشرة في جميع ولايات السلطنة، إلا إن هناك فرقا تطوعية في المجالات الأخرى وهذا يعطي قوة له واستمرارية واستغلالا لمهارات وميول المواطنين العمانيين.

وقد طبق العمانيون العمل التطوعي بصورة منظمة في كثير من الأزمات التي مرت عليهم مثل إعصاري “جونو” و”فيت”، وفي وقت الحالي في جائحة فايروس كورونا التي تعصف بالعالم بأسره.

وربما يواجه العمل التطوعي المؤسسي والفردي في السلطنة خصوصا والعالم عموما عقبات تحد من فاعليته، وتعمل على إعاقة استمراريته وتوقفه في كثير من الأحيان :

  • منها ما هو مرتبط بالمتطوع : كالخجل من القيام ببعض الأعمال التطوعية التي يظن المتطوع بأنها لا تليق بمستواه، والخوف من تحمل تبعات المسؤولية القانونية للعمل التطوعي، وتعارض وقت تنفيذ العمل التطوعي مع أوقات العمل أو الدراسة، وتحميل المتطوع أعمالا تفوق طاقته؛ مما يجعله ينفر عن الاشتراك فيها، أضف إلى ذلك مسائل تتعلق ببعد أو قرب المكان من المتطوع مما قد يترتب عليه تبعات مالية لا يستطيع أن يتحملها المتطوع، وكذلك فإن المتطوع بحاجة إلى تحفيز بكافة الأشكال مالياً ومادياً ومعنوياً، وهذا ما لا يتوفر في الجهات أو المؤسسات التي تحتاج إلى متطوعين.
  • ومنها ما هو مرتبط بالمؤسسات والفرق التطوعية مثل : غياب مصادر الدعم الرسمي الحكومي للأعمال التطوعية التي تجعله متعثرا في كثير من أوقاته، كما إنه لا توجد مؤسسات وإدارات خاصة تهتم بالمتطوعين وشؤونهم، بالإضافة إلى ضعف الاهتمام بالجانب الإعلامي لإظهار أعمال المتطوعين وإبرازها للمجتمع والداعمين لهم، وقلة توافر برامج تأهيلية وتدريبية منتظمة للمتطوعين من قبل المؤسسات المشرفة على الأعمال التطوعية، وغياب التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني وفرقه في العمل التطوعي.
  • ومنها ما هو مرتبط بالمجتمع نفسه مثل : قلة فهم المجتمع لطبيعة العمل التطوعي وأهمية الحاجة له، وانشغال أفراد المجتمع في الأعمال الحياتية التي توفر لهم الدخل الدائم، وضعف تقدير المجتمع للجهود المبذولة من قبل المتطوعين، واعتقاد بعض أفراد المجتمع أن التطوع يبعد عنهم أبناءهم ويضعف العلاقة بهم.

وهذه مجموعة من المقترحات لكي نجعل من العمل التطوعي منظما ومستمرا لا ينتهي ونستفيد من آثاره المختلفة على الفرد والمجتمع :

  • ففي مجال التنظيم : ضرورة إيجاد لوائح وتشريعات واسعة وشاملة لكل أنواع العمل التطوعي لدى الجهات الحكومية في السلطنة لتنظمه بصورة أدق مما هي عليه الآن، وصياغة إستراتيجية للعمل التطوعي عامة بها خطوط عريضة يمكن أن تستفيد منها المؤسسات والفرق التطوعية، بالإضافة إلى ضرورة توحيد الجهات الحكومية المشرعة للعمل التطوعي والمشرفة عليه، والأهم من كل ذلك وجود إدارات منتخبة تشرف على عمل المؤسسات والفرق التطوعية بصورة دورية، ولا تكون ثابتة دائمة حتى لا تشيخ ويشيخ معها العمل التطوعي.
  • وفي مجال التمويل : ضرورة توفير الدعم الحكومي للأعمال التطوعية لكي تستمر هذه الفرق في عملها لخدمة المجتمع ، بالإضافة إلى توجيه مؤسسات القطاع الخاص للمساهمة في الأعمال التي تقوم بها المؤسسات والفرق التطوعية وتكون على صورة دعم ثابت ومستمر ، ومساعدة المؤسسات والفرق التطوعية على ايجاد مشاريع استثمارية لها بحيث تحقق لها التوسع في أعمالها وديمومة العطاء ، مع وجود تدقيق حكومي على ميزانيات العمل التطوعي في المؤسسات والفرق التطوعية.
  • وفي مجال التسويق : توفير قاعدة بيانات إلكترونية لجميع الأعمال التطوعية والمتطوعين ، كما ينبغي على المؤسسات والفرق التطوعية استقطاب متخصصون في التسويق ضمن أعضائها حتى يكون العمل ممنهجا ومبنيا وفق أسس علمية ، كما ينبغي أن يكون لدى هذه الفرق التطوعية مواقع وصفحات إلكترونية تعرض فيها أعمالها ومنجزاتها من أجل ترويجها وجذب الانتباه لها لكي تشجع على انخراط أخرين معهم ، وكذلك تساهم في توفير دعم لهذه الأعمال، وعلى المؤسسات والفرق التطوعية تنظيم الندوات والمؤتمرات والمعارض الخاصة بالعمل التطوعي من أجل ترويجه وتسويقه وإظهاره للمجتمع ، كما ينبغي تنظيم احتفالات لتكريم المجيدين في العمل التطوعي من أفراد ومؤسسات وفرق.

الخلاصة : يتحتم على ﻣؤﺳﺳــﺎت اﻟﺗﻧﺷــﺋﺔ اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻳــﺔ اﻟﻣﺧﺗﻠﻔــﺔ ﻛﺎﻷﺳــرة واﻟﻣدرﺳـــﺔ واﻟﻣؤﺳﺳـــﺔ اﻹﻋﻼﻣﻳـــﺔ أن تقوم ﺑـــدور ﻓﺎﻋـــﻝ ﻓـــﻲ ﻏـــرس ﻗـــﻳم اﻟﺗطـــوع واﻟﻌﻣـــﻝ اﻟﺟﻣــﺎﻋﻲ ﻓــﻲ ﻧﻔــوس اﻟﻧﺎﺷــﺋﺔ لكي يدرك اﻟﺷــﺑﺎب أﻫﻣﻳــﺔ اﻟﺗطــوع، وـدورﻩ ﻓــﻲ اﻟﺑﻧــﺎء اﻟــذاﺗﻲ ﻟﻠﻔــرد، وﺑﺄﻫﻣﻳﺗــﻪ ﻓــﻲ ﺗطــوﻳر اﻟﻣﺟﺗﻣــﻊ، مع ضرورة تمكين المرأة في الانخراط في المؤسسات والفرق التطوعية للقيام بدورها الحيوي في خدمة المجتمع.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق