أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

التغير المناخي خطر وجودي عالمي!!..

وافـي الـجـرادي

صحفي ومحلّل استراتيجي يمني

 

التغير المناخي خطر وجودي عالمي!!..

 

يبدو أن التغير المناخي وبما يُشكّله من مخاطر وتداعيات قاتمه على البشرية أخطر مشكلة وتهديد يواجهها العالم اليوم ، وتنذر بمستقبل مجهول لا يعلم خفاياه سوى الله.

في اعتقادي لم تمر البشرية بمخاطر وتهديدات جمّه كما هي عليه في وقتنا الحاضر، ولم تعد قضايانا ومشاكلنا محدودة وسهلة الحصر والنقاش كما نتصوره ونعتقده، وليس بالأمر السهل غض الطرف عن تهديد وجودي حالك وربما قاتم؛ إن لم تستوعب كل بلدان العالم الخطر وتعمل على التخفيف من تبعاته، أو تتساعد فيما بينها لبلورة خطط التكيف والمواجهة، وصولاً الى الحيلولة دون وقوع الكثير من الضحايا لا سمح الله.

التغير المناخي ليس عامل مهدد للإنسان فحسب، بل مهدد لكل الكائنات الحيّة وللأرض، ولنا أن نتخيل ماذا لو طمَّت الفيضانات المدن الساحلية وبصورة مفاجئه، لرأينا المدن وبمبانيها الشاهقه مجرد سراب، والمخزون البشري مجرد كانوا هنا….، نفس الحدث وإن أتى نتيجة أعاصير … بكل أسف نحن البشر وما نتصرف ونقوم به ونمارسه من استخدام متزايد للغازات الدفيئة، ومن تراكم للأدوات والمستلزمات والمخلفات، وإهدار البيئة وعدم الاهتمام بها وبنظافتها، وعدم تقنين استخدام الطاقة ساعدنا وبشكل رئيسي في إيصال وجودنا وحياتنا للخطر، نحن السبب الرئيسي في أزمة التغير المناخي التي هي الآن تؤرّقنا، ونتأثر بها، ومصدر تهديد مباشر على الجميع وكلٍ بحسب قدراته وإمكاناته.

في مشهد عالمي يسوده التفكك والانقسام، وتتنامى فيه الصراعات والأزمات؛ من الصعب القول : إن هذه المشكلة ستكون محل توافق وإجماع الساسة ومؤسسات القرار، علينا الإقرار بأن الأزمة لربما تُتخذ شعاراً ظاهره الرحمة وباطنه العذاب؛ خاصةً وأن اقتصادات كبرى الدول في العالم؛ كالاقتصاد الألماني والأمريكي تتوجه للاعتماد أكبر على الوقود الأحفوري؛ في وقت يجب التقليل منه وبصوره عاجلة، نظراً لما ينجم عنه من تزايد للانبعاثات الغازية وتراكمها في الغلاف الجوي؛ الأمر الذي يضاعف من مخاطر التغيرات المناخية كزيادة ارتفاع درجة الحرارة والفيضانات والتصحر، وندرة المياه، واتساع نطاق المجاعة؛ نعم تزايد اعتماد هذه الدول ومعها الاقتصادات الغربية على الوقود والطاقة غير النظيفة، وما تجنيه من مكاسب وعوائد ضخمة يجعل منها تقاوم تداعيات التغير المناخي، وتلحق بها خسائر ضئيلة مقارنةً بالخسائر والانتكاسات الاقتصادية والاجتماعية في بلدان العالم الثالث، أي أن هؤلاء يتمتعون بالعيش والثراء والازدهار على حساب أفواه شعوب الدول الفقيرة والأقل فقراً، ويعرضونهم للإنقراض أو الموت جوعاً، واسلوب كهذا دليل فاضح عن انتهاك صارخ لحقوق الإنسان الداعية لأن يتمتع كل شخص بالعيش والحرية والتنمية.

تسببت الحرب الروسية الأوكرانية وما نجم عنها من أزمة طاقة عالمية في اندفاع الكثير من البلدان في ضخ وتمويل مشروعات جديده للوقود الأحفوري ما ينذر هذا التوجه بوقوع العالم ضحية لتغيرات مناخية من الصعب تداركها أو التخفيف من تبعاتها المدمرة، هذا التوجه يأتي في ظل تعهدات دولية لخفض انبعاثات الغازات الناجمة عن الوقود الأحفوري وهو ما التزمت به قرابة 165 دولة في قمة المناخ 26 التي عقدت العام الماضي في غلاسكو الاسكتلندية.

وفي الحقيقة لم تكن مستويات تخفيف دعم الوقود الأحفوري من قبل الكثير من دول العالم بالمقبولة ووفق ما تم التعهد به في قمة المناخ، فقرابة 5 ترليون دولار خلال الـ 10 سنوات الأخيرة ذهبت لدعم الوقود الأحفوري، وزادت حجم الانبعاثات الغازية أكبر من ذي قبل، وإنما الحديث عن تحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن الحالي قد يكون أمراً من الصعب تحقّقه في ظل عدم الوفاء بتعهدات خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، ومساعدة البلدان النامية والفقيره بالتمويل المناخي الكافي للتكيف مع المناخ والتخفيف من حدّة المخاطر.

عل كل حال قد تدفع الاقتصادات النامية والمنخفضة الدخل الثمن نفسه في الحالتين إن لم تستوعب المرحلة وتولي اهتماماً لما يجب أن تقوم به.

فالعمل على إنهاء دعم الوقود الأحفوري بالنسبة لهذه الدول سيكون مكلفاً وصعباً عليها؛ خاصة الدول التي لازالت تواجه فقراً في الطاقة؛ فتخفيض إنتاج النفط والفحم والغاز يجعل منها تدفع فاتورة عالية للحصول على احتياجاتها من الطاقة، وهذا بدوره يؤثر على معدلات النمو والتنمية ويعيق اقتصاداتها من الانتعاش، وتتأثر أوضاعها الاقتصادية والمعيشية.

بالمقابل زيادة الاستثمارات في الوقود الأحفوري من قبل الاقتصادات المتقدمة يُعرّض هذه الدول لمخاطر التغيرات المناخية وتحديداً في حال زادت درجة الحرارة، وتأكلت المساحات والأراضي الزراعية، وحدثت إشكاليات كالفيضانات والتصحر، والهجرة للسكان؛ ما يجعل من هذه الدول خاصةً إن لم يتم دعمها ومساعدتها عرضة للإضطرابات والأزمات والتفكك.

كل هذا يدفعنا للقول بأن على هذه البلدان أن تنتهج سياسات أكثر نزاهة ومصداقية أكثر من أي وقت مضى؛ فالمخاطر تحيط بها من جميع الاتجاهات والجوانب في عالم يسوده الشتات والتفرقة وقائم على المصالح!!.

بمعنى أن توظِّف هذه الدول مواردها التوظيف الأمثل، وأن تسارع لحشد طاقاتها وإمكاناتها في زيادة مشاريع وفرص التنمية، وخلق فرص عمل ووظائف، وتوسيع نطاق دعم قطاعات الطاقة والمياه والزراعة، آخذة بعين الاعتبار إيجاد قوانين وتشريعات مثلى ومُشجّعة على الاستثمارات الداخلية والأجنبية؛ وصولاً لتحقيق مستويات أفضل في النمو والتقدم.
قد يقول قائل كيف لهذه البلدان أن تحقق كل هذا ومواردها المالية قد لا تكون كافية؟؟!.
نعم قد لاتكون مواردها المالية غير كافية؛ إلا أنها بإمكانها أن تقترض وتوجه القروض صوب مشاريع تنموية حقيقية تُدر دخلاً، وتستوعب عدداً أكبر من القوى العاملة، وتساهم في زيادة معدلات النمو والتنمية.

كما ويجب على هذه الدول في حال استمر دعم الدول المتقدمة للوقود الأحفوري أن تتدارك المخاطر المستقبلية للمناخ، فصحيح هي تستفيد من زيادة الاستثمارات في الوقود الأحفوري في الحصول على احتياجاتها من الطاقة وبكلفة أقل مما هو في حال انخفضت الاستثمارات في الوقود الأحفوري، وهذا يساهم في معدلات نمو أفضل، ويخلق فرص عمل ودخلاً؛ إلا أن الكيفية التي يجب أن يقوموا بها حيال مواجهة المخاطر المناخية؛ تستدعي من هذه البلدان العمل على تعزيز برامج التكيُّف لشعوبها من خلال زيادة نطاق الإعانات الاجتماعية، والتوسع في دعم المشاريع الزراعية والمائية، وإدخال التكنولوجيا المتقدمة، والتوجه صوب مشاريع الطاقة النظيفة والآمانة والأقل كلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى