أصداءأقلام الكتاب

التـيـغـراي وسـدّ النـهـضـة وأردوغـان !!..

* الكاتـب/ عـلـي شـنـدب

 

التـيـغـراي وسـدّ النـهـضـة وأردوغـان !!..

 

على هامش القمة الـ 13 للاتحاد الافريقي، التي عقدت في تموز/ يوليو 2009 في مدينة سرت التي باتت بجهود الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، أشبه بالعاصمة القارية بالنظر لكثافة المؤتمرات وغزارة القمم العربية والاقليمية والافريقية التي شهدتها.

في هذه القمة جرى تحويل مفوضية الإتحاد الافريقي، الى سلطة اتحادية أو حكومة اتحادية فاعلة، إستوجت مصادقة برلمانات الدول الافريقية والمراجع الدستورية المعنية في دول القارة السمراء، كما استدعت إدخال بعض التعديلات على القانون التأسيسي للاتحاد الافريقي. وقد حظيت التوترات الأمنية في السودان والصومال والكونغو الديمقراطية بحيّز واسع من مناقشات القمة التي وضعت آلية خاصة بمعالجة النزاعات داخل البلدان الافريقية.

على هامش القمة سألت الرئيس السوداني السابق عمر البشير عن التوترات المزمنة في إقليم دارفور، وأجاب البشير .. أن قادة التمرد في دارفور يتبعون لذات القبيلة الحاكمة في تشاد، وبدل أن تستخدم تشاد نفوذها القبلي لإيقاف التمرد في دارفور، فإنها استخدمت نفوذها لدعم التمرد في دارفور، رغم إبرامنا عدد من الإتفاقيات مع تشاد لمراقبة الحدود، ودائما كانت تشاد تنكص بها، وعندما أبرمنا اتفاقية طرابلس كان المراقبون من إرتيريا وإثيوبيا، وجرى استقبالهم في الأراضي السودانية، لكن حكومة تشاد منعت مراقبي إرتيريا وإثيوبيا من التواجد في الأراضي التشادية، بحسب البشير.

وللمفارقة فإن إرتيريا كانت لعقود قريبة جزءاً من إثيوبيا، وقد استقلت عنها رسمياً عام 1993 عبر استفتاء برعاية الأمم المتحدة، لكن العلاقة الودية بين الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، ورئيس الوزراء الإثيوبي ميليس زيناوي، لم تمنع إندلاع حرب بين البلدين التوأمين خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا، بسبب نزاع حدودي بينهما، صعّد حالة العداء بين اريتريا واثيوبيا التي فتحت أبواب عاصمتها أديس أبابا لتكون مقراً مركزياً للمعارضة الأريترية ليومنا هذا.

كلام البشير حول ملف الصراع في إقليم دارفور دفعنا لمحاولة جلاء القطب المخفية عبر استصراح أطراف الأزمة والوسطاء العاملين على سكتها، ففيما امتنع الرئيس التشادي إدريس ديبي يومها عن إبداء موقفه بحجة “فتح المجال أمام المساعي الحميدة للوسطاء”، إعتبر الرئيس الارتيري أسياس أفورقي “أن الوقت للعمل وليس للكلام”، لتكون آخر المحاولات بعد استصراحنا أمين الشؤون الافريقية في الخارجية الليبية علي عبد السلام التريكي، مع رئيس الوزراء الاثيوبي ميليس زيناوي الذي اعتبر أن ملف دارفور هو “إشكالية قبلية في الأساس”.

جواب زيناوي فتح شهيتنا لحثه على الإسترسال في شرح إشكالية القبيلة هذه، وبابتسامة وجه عابس أكد زيناوي أن “الكلام سيكون بتوقيت مناسب”، ودعاني لزيارة أديس أبابا التي هي للمناسبة المقر الرسمي للاتحاد الافريقي.

لكن التوقيت المناسب الذي لم يسمح بذلك اللقاء، رجّح قناعتنا بأن “الأساس القبلي” خصوصا كالذي ترعاه أجندات إقليمية ودولية، يقف خلف غالبية نشوء النزاعات على الشرائط الحدودية بين بعض الدول الافريقية وأحيانا داخل الدولة الواحدة في افريقيا وغيرها.

لكن تفجّر الصراع بين الحكومة الاثيوبية وإقليم التيغراي، أعاد تحفيز الشهية، وقد حال دون محاولتنا مقاربتها وقتذاك مياه إقليمية ودولية كثيرة جرت وشكّلت المقدّمات الاستراتيجية لما شهدته وتشهده دول شمال افريقيا والقرن الافريقي.

جغرافياً، يتموضع إقليم التيغراي المتاخم لحدود السودان، في شمال إثيوبيا، ويحده من الشمال إريتريا، ومن الغرب السودان، ومن الشرق اقليم عفر، أما من الجنوب فيحده إقليم أمهرة.

دستورياً، التيغراي هو أحد الأقاليم التسعة في إثيوبيا التي تعتمد نظاماً فيدرالياً يتمتع فيه كل إقليم بحكم ذاتي، لكن أبرز عيوب النظام الفيدرالي الأثيوبي، أن أقاليمه قُسِّمَت على أساس إثني، ما يسهّل إندلاع الحروب فيما بينها.

وعلى غرار نزاعات إقليم دارفور السوداني التي هي في الأصل بين رعاة ومزارعين، نشبت توترات ونزاعات بين إقليم التيغراي الاثيوبي، وولاية القضارف السودانية، تكرّرت فيها اعتداءات وغزوات أبناء التيغراي ضد جيرانهم السودانيّين، ما شكل ضمنا مسّاً بسيادة السودان.

ليس سهلاً على إقليم التيغراي، الذي ينحدر منه رئيس الوزراء الاثيوبي الراحل ميليس زيناوي الذي تزعّم “تحالف شعوب إثيوبيا”، واستطاع السيطرة على التناقضات داخل التحالف، وحكم إثيوبيا وتحكّم بمفاصلها العسكرية والأمنية والاقتصادية، وفرض شوكته على كامل البلاد، بل وتحولت اثيوبيا في ظل حكم التيغراي لنحو 20 عاما، إلى دولة ذات نفوذ قوي متشعب الأسباب داخل أفريقيا وخارجها، ما دفع المنزعجون من سيطرة التيغراي ضمن تحالف شعوب إثيوبيا، لأن يخفوا إنزعاجهم لما بعد وفاة زيناوي وانتخاب “هيلي ديسالين” المنتمي لتحالف “شعوب جنوب إثيوبيا” خلفاً له.

وخلال حكم ديسالين منحت الحكومة بعض أراضي “الأورومو” جنوب أديس أبابا لمستثمرين، ما أطلق شرارة احتجاجات عنيفة إنتهت بإجبار ديسالين على الإستقالة التي دفعت بدورها “جبهة تحرير الأورومو”، الى استبدال رئيسها “لما مغرسا” بجنرال الإستخبارات العسكرية “آبي أحمد”، الذي تحصّل أيضا على دعم “الأمهرو”، رغم معارضة التيغراي الذين صوتوا في المجلس المركزي ضد آبي أحمد، الذي استطاع تقديم نفسه للعالم، كرجل إصلاحي محارب للفساد، وداعم لحرية الصحافة والتعبير، ومطلق للسجناء السياسيّين. وقد أطلق آبي أحمد على 2018 عام المصالحات، ما جعله يستحوذ على جائزة نوبل للسلام.

لكن النقطة التي يقال إنها أفاضت كأس التيغراي من آبي أحمد، هي التغييرات التي أجراها وشملت لأول مرة رئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات.

إنها التغييرات التي قرأها التغراي استهدافاً لهم كإثنية، باعتبار أن رئيس الأركان ومدير جهاز الأمن والمخابرات ومنذ استلام زيناوي دفة الحكم كانوا من عدادهم، إنها الخسائر التي ضاعفت خسارتهم برحيل زيناوي عام 2012.

الصراع بين الحكومة الإثيوبية وبين إقليم التيغراي من جهة، وبين التيغراي وإرتيريا من جهة ثانية، معطوفاً على التوترات بين إقليم التيغراي والسودان من جهة ثالثة، يرسم بعضاً من أوجه الصراع المتفجر في القرن الأفريقي، إنه الصراع المؤسّس والمنطلق من شرائط حدودية متداخلة اجتماعياً واقتصادياً، حيث تنتشر قبيلة واحدة على ضفتي بعض الشرائط الحدودية، مثل قبيلة الزغاوة التشادية المتداخلة مع إقليم دارفور والمتدخلة فيه.

قبيلة التيغراي وبفعل إمساكها بناصية السلطة لنحو 20 عاماً، لعبت أدواراً كبيرة وخطيرة خلال حكم زيناوي، من بينها دورها في المجازر التي استهدفت أبناء إقليم “بني شنقول” الإثيوبي القريب من السودان، إنه الإقليم الذي لأجل بناء “سد النهضة” عليه، نفذت الحكومة الإثيوبية فيه وبَدْءاً من تاريخ البَدْء في إنشائه عام 2011 محاكاة للنهج الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، عبر خطة لتهجير السكان الأصليين من “بني شنقول” العرب، وتوطين أبناء قبيلة التيغراي الحاكمة مكانهم، بهدف تأمين بيئة اجتماعية صديقة للسدّ.

سد النهضة المنتصب على هضبة بني شنقول، هو مسألة حياة أو موت بالنسبة لكل من مصر والسودان. لذلك نجدهما يعملان بلا كلل على استنفاد الجهود القانونية والسياسية والدبلوماسية لوضع اتفاق قانوني ملزم لإثيوبيا في تقاسم مياه النيل بما يضمن المصالح الإستراتيجية المائية لهما من جهة ولا يدفعهما إلى خيار الحرب إلا إذا فرضت نفسها خياراً وحيداً متاحاً.

بدون شك سيكون للحرب التي هدّد آبي أحمد بخوضها ضد التيغراي انعكاساتها وتداعياتها الخطيرة، إنها الحرب التي تستهدف ضرب الإقليم الحاكم لأكثر من 20 عاما، وهي الحرب التي قد تدفع إثيوبيا إلى نوع من التحلل، وهي الحرب التي ستدفع وفق تطوراتها الميدانية أقاليم أخرى، ربما إلى خطوات انفصالية كالتي يهدد إقليم التيغراي باعتمادها بعدما أعلن سحب اعترافه بالحكومة الفدرالية وتمرده عليها والعمل على إسقاطها.

وهي الحرب التي ستنعكس على الأمن الداخلي والقومي لدول الجوار الاثيوبي وخصوصاً إرتيريا والسودان وجيبوتي وغيرها، وربما تنعكس حتى على شكل الخرائط الجغرافية لهذه الدول وفقاً للإستراتيجية الأميركية في أفريقيا، خصوصاً بعد فك أسر السودان من ضغوط العقوبات الأميركية الخانقة مقابل انخراطه في مسار التطبيع مع إسرائيل التي للمناسبة تطوق سفاراتها السودان من كل الدول المجاورة له، وهي الحرب التي قد يكون من ثمارها أيضاً لجم إثيوبيا عن استكمال مشروعها في سد النهضة تحت طائلة التفكك.

لعل هذا ما عناه الرئيس الاميركي دونالد ترامب بموقفه المثير للإهتمام، والسابق لاندلاع الصراع بين الحكومة الإثيوبية وقبيلة التيغراي خلال مكالمته مع رئيس وزراء السودان عبدالله حمدوك وقوله : “إن الوضع خطير للغاية لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة، وسينتهي بهم الأمر بتفجير السد”، وخلال تلك المهاتفة المتلفزة أضاف ترامب “وقد قلتها وأقولها مجددا وبصوت عال وواضح، سوف يفجرون ذلك السد، عليهم أن يفعلوا شيئاً ما”.

مما تقدم يتضح أن مصر لم تفجر سد النهضة رغم امتلاكها صاعق التفجير الذي أشعل ترامب فتيله الأولي، وربما ستجعل تطورات الصراع بين الحكومة الإثيوبية والتيغراي، والتحلّل الذي قد يصيب أثيوبيا بحسب خبراء متابعين، ستجعل من “السد” خبر ماضي ناقص خلافاً لرغبات وضغوط استثمارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القلق على إثيوبيا من إقليم التيغراي..

 

 

 

 

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن “أصــداء” ، بل تعبر عن آراء الكاتب..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق