أصداء وآراءأقلام الكتاب

التلفـزيـون والسلام الاجتـماعي..

الكاتـب/ جـمـال أسـعـد

 

التلفـزيـون والسلام الاجتـماعي..

 

لا يقتصر تعريف الأمن القومي على الموقع الاستراتيجي والقدرة الاقتصادية والمواجهة العسكرية وعلى سياسة خارجية تجيد تسويق الأفكار والإقناع بالحقوق والحصول على مزيد من الأصدقاء والمؤيدين، ولكن لابد من سياسة داخلية تعتمد في المقام الأول على توافق وطني، وحشد شعبي قوامه السلام الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.

واذا كان السلام الاجتماعي بصفة عامة يعنى غياب المظاهر السلبية مثل العنف والحقد والحسد؛ لذا فالمقابل فهناك مظاهر إيجابية مثل الهدوء والاستقرار والصحة …الخ.

كما أن العدالة الاجتماعية تعني أيضا ذلك النظام الاقتصادي والاجتماعي الذى يهدف إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع؛ أي أن تسود العدالة في كافة مجالات المجتمع بدلا من انحصارها في عدالة القانون فقط.

ولذا على مر التاريخ وجدنا أن الصراع الإنساني بشكل عام سواء كان هذا الصراع بين الإنسان والطبيعة لكي يضمن الإنسان الأمن والأمان؛ أو بين الإنسان والإنسان حتى يحقق الإنسان ذاته في ظل صراع طبقي بين غني وفقير وبين قوي وضعيف، وحتى يمكن تهذيب وتقويم هذا الصراع ظهرت النظم والأنظمة السياسية المختلفة التي تحاول التعامل مع كل الطبقات في إطار ما سمي بالسلام الاجتماعي.

ولذلك وجدنا كل نظام سيأسى يحاول الاستفادة من النظم الأخرى بهدف الوصول لذلك السلام؛ فبالرغم من سيطرة النظام الرأسمالي على الساحة الدولية، وبعد ظهور النظم الاشتراكية وما صاحبها من حقوق عمالية وحقوق تؤكد العدالة الاجتماعية؛ كانت هذه الحقوق وتلك العدالة تمثل إكسير الحياة للنظم الرأسمالية بعد تبنيها لهذه الممارسات، وذلك حتى يتم تجاوز الصراع الطبقي بين العمال وصاحب العمل.

نعم العدالة الاجتماعية لا تعني المساواة في المطلق بين من يعمل وبين من لا يعمل، ولكن هي تضمن للجميع فرصة عمل وأن يكون ناتج ذلك الحصول على حياة إنسانية تُسْقِط الحقد والحسد والضغينة الاجتماعية، وهذا يكون ويتحقق في ظل نظام اقتصادي إنتاجي وغير استهلاكي.

فالنظام الاستهلاكي يتبعه إعلام يسوق ويسعى ويجذر القيم والسلوك الاستهلاكي الذى يذهب بالناتج الفردي وبالتالي الناتج القومي أدراج الرياح؛ فما بالك إذا كان الإعلام والإعلان لا حديث ولا عمل لهما غير نشر القيم والعادات الاستهلاكية؛ هنا ماذا سيكون رد الفعل لغير القادر على مسايرة تلك العادات الاستهلاكية ؟ مع العلم أن الطبيعة الإنسانية خاصة لغير القادر هي المحاكاة والتقليد والحلم بالتملك نتيجة الإلحاح المستمر على هذه القيم والسلع الاستهلاكية؛ فهل التلفزيون وهو أهم الوسائل الإعلامية التي لها تأثير مباشر على المشاهد وخاصة في رمضان له تأثير إيجابي أم تأثير سلبي ؟ لاشك فالإعلانات المستفزّة التي تجاوزت كل الحدود سيكون لها رد فعل عكسي ويمثل خطورة حقيقية على السلام الاجتماعي .. فما تأثير الاعلانات عن ما يسمّى (أماكن السكن المغلقة التي تخص خاصة الخاصة) ؟ على ساكن الحواري والعشش وغير القادر على تملك شقة مكونة من حجرة وصالة ؟ ما هو تأثير الإعلانات عن الملابس والأماكن والمأكولات التي لا علاقة للغالبية الغالبة من الشعب بها ؟ حتى برامج الأكل فلا تخلو قناة من مطبخ يسلّم لمطبخ آخر لإعداد أنواع لا علاقة لنا بها ولا حتى بإجادة نطق اسمها !! في الوقت الذى يعتبر فيه الفول والطعمية غاية المنى ؟  هذا وناهيك عن الدراما التي أصبحت كل الأماكن التي يتم التصوير فيها هي الفيلات والسرايات والأثاث الفاخر الذي يتجاوز حتى قدرة الطبقات القادرة على اقتنائه، حتى شقة الموظف العادي نرى فيها ما لاوجود له على أرض الواقع.

كل هذه الاعلانات الاستهلاكية والمستفزة تمثل خطورة حقيقية على سلامة الاقتصاد الوطني، وعلى السلام الاجتماعي الذي نحن في أحوج ما يكون إليه الآن ونحن في ظل ظروف وتحديات داخلية وخارجية تتطلب أن نكون جبهة واحدة متوافقة وطنياً ومتحابة اجتماعياً حتى نسقط كل ما يكرس الحقد والحسد، ويوجِد ضغينة؛ لا، ولن تكون في صالح الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى