أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

التَّـحـدّي الوجـودي الحـقـيـقـي..

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

التَّـحـدّي الوجـودي الحـقـيـقـي..

 

فى مقالة مهمة لهما فى موقع “N12” استعرض كل من عاموس جلعاد رئيس “معهد السياسات والإستراتيجية” فى جامعة “ريخمان” وميخائيل ميليشتاين رئيس “منتدى الدراسات الفلسطينية” فى مركز “دايان” ثلاثة قضايا كبرى تواجه حالياً كيان الاحتلال الإسرائيلى تتطلب “معالجات استراتيجية” لكنها لا تجد من الزعماء من لديه القدرة على فعل ذلك، حيث أن قدرات الجيل الحالى من قيادات الكيان لا تتجاوز قدراتهم مجرد “إدارة الأزمات” هذه القضايا الكبرى اعتبرها الكاتبان “ثلاث مسائل وجودية” أى ترتبط معالجاتها بالوجود الإسرائيلى نفسه، أى تتعلق بمستقبل وجود وبقاء كيان الاحتلال. وهذه مسألة أو أزمة متفردة تخص هذا الكيان وحده بين أمم ودول العالم. فكل الدول، كبيرة وصغيرة تواجه تحديات، لكنها لا تشعر، فى وجود هذه التحديات، أن وجودها وبقاءها يواجه الخطر.

إسرائيل تكاد تتفرد بذلك بين كل الأمم والشعوب لخصوصيتها المتفردة أيضاً لكونها تجسيد لـ “عملية لصوصية” تم فيها سرقة وطن من شعبه وأرضه وإحلال عصابات ومغامرين من شتى أنحاء العالم للاستيطان واحتلال الأرض بمزاعم توراتية مزيفة تخفى حقيقة هذا الكيان وكونه كيان أنشئ لأداء وظائف خدمية لمن أنشأوه. هذه “المسائل الوجودية” الثلاث التى تحدث عنها الكاتبان ويرون أنها تهدد وجود كيان الاحتلال الإسرائيلى هى على الترتيب: التحدى النووى الإيرانى المتفاقم، وإشكالية الاندماج الإسرائيلى مع الفلسطينيين فى الضفة الغربية، وأخيراً “وضع حركة حماس فى قطاع غزة”. لكن الكاتبين وجدا أنفسيهما أمام تحدٍ رابع، لكنه، من وجهة نظرهما، لا يرقى إلى مستوى كونه يشكل أزمة أو تحدياً وجودياً، لكنه، وحسب وصفهم مجرد “نصف قضية” ويعنون به أزمة العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والمواطنين العرب الفلسطينيين الذين يعيشون داخلها منذ نكبة عام 1948 (تجاوز عددهم الآن مليون وستمائة ألف مواطن عربى).

اضطر الكاتبان للحديث عن “نصف القضية” هذه بناء على التجربة الأليمة لكيان الاحتلال مع هذه الجمهرة الكبيرة من المواطنين العرب أثناء معركة “سيف القدس” (مايو 2021) التى خاضتها المقاومة الفلسطينية بقطاع غزة بكافة مكوناتها دفاعاً عن القدس التى أصرت جماعات الاستيطان على تدنيسها، والاعتداء على المصلين والمعتكفين فى العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك العام الماضى، وتزامناً مع إصرار قادة الكيان على طرد الفلسطينيين سكان حى الشيخ جراح بالقدس من منازلهم وتسليمها إلى مستوطنين يهود.

صُدِمَ الإسرائيليون وقادتهم بتداعي ما اعتبروه “تجربة نموذجية للاندماج القومي” عمرها هو عمر كيان الاحتلال منذ نكبة عام 1948.

فقد هب المواطنون الفلسطينيون داخل مدن وكيان الاحتلال دفاعاً عن هويتهم الوطنية الفلسطينية وانخرطوا فى صراع عنيف مع قوات الاحتلال دفاعاً عن القدس ونصرة لقطاع غزة. بهذه الهبة أو الانتفاضة الوطنية لهؤلاء المواطنين الفسلطينيين أكدوا، بما لا يدع مجالاً للشك، أنهم، طال الزمن أو قصر فلسطينيون وليسوا ولن يكونوا إسرائيليين، وأن الحديث عن “الدولة اليهودية الخالصة” كان وسيبقى وهماً من أوهام الحركة الصهيونية، وأن هذا التحدى يترابط بقوة مع إشكالية المسعى الإسرائيلى لضم واستيطان الضفة الغربية، فهذا سيعنى فرض خيار “الدولة ثنائية القومية” الذى يخشاه الإسرائيليون ويخافون منه لأنه يعنى ببساطة أن الطموح إلى جعل إسرائيل دولة يهودية ليس إلا مجرد أضغاث أحلام.

هذا الإدراك يخشاه عتاة اليمين التوراتى فى إسرائيل أكثر من غيرهم، وحذرهم ومخاوفهم منه يجعل من “نصف الأزمة” أو نصف القضية، على حد اعتقاد الكاتبان : عاموس جلعاد وميخائيل ميلشتاين “القضية الكبرى” والتحدى الوجودى الحقيقى لكيان الاحتلال على نحو ما عبر أنصار بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة السابق، الذى يصارع الآن بضراوة للحفاظ على استمراره السياسى وعدم دخول السجن أو مبادلة السجن بـ “العزل السياسى” حيث أضحى معرضاً للمحاكمة بثلاث تهم فساد.

فالحشد الجماهيرى الكبير الذى استطاع نتنياهو الدفع به للتظاهر ضد غريمه نفتالى بينيت رئيس الحكومة فى شوارع تل أبيب؛ وكان الهدف من التظاهرة أولا : إثبات أن نتنياهو مازال له وجوده القوى.

والهدف ثانياً : هو تجريح والنيل من شخص نفتالى بينيت.

فيما كان الهدف ثالثاً : هو زعزعة الاستقرار الحكومى توطئة لإسقاط الحكومة؛ لذلك جاءت الشعارات التى ترددت على ألسنة ثلاثة آلاف شخص من أنصار نتنياهو لتجسد وتؤكد هذه الأهداف من نوع “بيبى (بنيامين نتنياهو) ملك إسرائيل” و”بينيت رئيس حكومة غير شرعى” و”لتسقط حكومة اللصوص” (يقصدون أن بينيت وغيره من الوزراء والنواب خاضوا الانتخابات الأخيرة باسم اليمين وأفكاره لكنهم أقاموا حكومة مع اليسار ومع الحركة الإسلامية الموحدة فاعتبروا الأمر سرقة أصوات التيارات اليمينية وبيعها لليسار مقابل منصب رئيس الحكومة الذي حظي به نفتالي بينيت).

رغم أهمية هذه الشعارات التى تكشف حقيقة الصراع السياسى الراهن فى إسرائيل، وكيف أن حكومة تحالف الثنائى نفتالي بينيت ويائير لبيد ستبقى مهددة بالسقوط فى ظل ضبابية ما يحدث من تطورات أزمة محاكمة نتنياهو، إلا أن شعارات أخرى ترددت فى هذه التظاهرة التى استمرت لثلاث ساعات كانت أكثر أهمية لأنها مرتبطة بالصراع الوجودى الذى يتهدد إسرائيل الذى يخص الـ “نصف قضية” ونعنى قضية مستقبل يهودية الكيان فى ظل تطورات مواقف المواطنين العرب الفلسطينيين داخل الكيان.

فقد رفعت التظاهرة شعاراً يقول “نريد حكومة يهودية فى الدولة اليهودية” وشعاراً آخر يقول “حكومة بينيت – عباس (يقصدون منصور عباس رئيس الحركة الإسلامية الموحدة التى تحالفت مع نفتالى بينيت ومكنته من رئاسة الحكومة) خطر على إسرائيل”.

هذان الشعاران يقولان أن تيارات اليمين تعتقد أن الحكومة الحالية القائمة على تحالف اليمين ممثلاً فى نتنياهو مع الوسط واليسار ممثلاً فى يائير لبيد وبينى جانتس والمواطنين العرب الفلسطينيين ممثلين بحزب منصور عباس تعمل فى الاتجاه المعاكس لجعل إسرائيل دولة يهودية، وأن بقاء هذه الحكومة يشكل خطراً على مستقبل يهودية الدولة.

وهكذا فإن النصف قضية تعتبر فى جوهر الأمر كل القضية، لأنهم يرونه خطراً على يهودية الدولة ومستقبلها كدولة يهودية، أى أنه التحدى الوجودى الحقيقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى