أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

التَّـديُّـن وأزمـة كـورونـا..

رجـاء مـولـيـو

طالبة دكتوراه : تخصص مقارنة الأديان

جامعة ابن طفيل؛ القنيطرة – المغـرب

 

التَّـديُّـن وأزمـة كـورونـا..

 

عندما تفجرت أزمة الجائحة كوفيد-19 ، لم يعرف العالم ما السبيل للوقوف في وجه هذه الجائحة، فكل يفتي بما لديه من علم وقدرات وتأويلات متعددة لم تفي بما كان العالم يتشوق للوصول إليه، ألا وهو الحد من هذه الظاهرة الفتاكة والمهلكة بالفرد وكذا الجماعات البشرية باختلاف أجناسهم وألوانهم وأعرافهم وانتماءاتهم.

حيث تصدى لها رجال السياسة بوضع حدود للأشخاص بالتزامهم المنازل وعدم التجمع. وتصدي رجال الدين والعلم، فنجد من الناحية العلمية تمثل في اجتماع هيئات طبية متخصصة لإيجاد حل أمثل من لقاح أو مصل للحد منها. وتصدى رجال الدين بالبحث عن أصل هذا الداء هل هو رباني أو عقاب من الله للناس على طغيانهم وضلالهم أم هو امتحان للبشرية حتى يعرف المؤمن من غيره. أم هو تصارع بين قوى دولية عالمية قوية ؟.

واجه العالم منذ قرون عدة حروب عالمية كبرى وطاحنة فتكت بالأفراد وغيرت وجهة بل وخريطة العالم. الحربين العالمية الأولى والثانية، بالإضافة إلى الحروب الأهلية أو القبيلة أو حروب باردة في مناطق معينة من العالم.

لكن الذي وقع في هذه الفترة الأخيرة هي أكبر من حروب الأسلحة والدمار والتي تكون ظاهرة للعيان أو متوقعة أن تحصل، بحيث يكون هناك تفكير وترقب على أنها ستحصل. حيث يكون الخصم لخصمه والعدو ضد عدوه ظاهرين.

فنجد من بين الذين تأثروا بأزمة كرونا هم الفقراء وكبار السن لأن لا حولة ولا قوة لهم، إلا قوة الإيمان التي تصدع بقلوبهم وتجبر جروحهم ؛  فالصين رغم ضعفها الديني وكثرة العبدة من الهندوس والبوذيين وكذا إيطاليا مركز المسيحية الكاثوليكية، وأوروبا وأمريكا مركز المسيحية الانجيلية وروسيا مركز الأرثوذكسية في العالم ومصر والسويد مركز الإسلام والدين.

ونجد خطاب البابا فرنسيس ينشر رسالة تحت عنوان (كلنا إخوة) وقد اعتبر أن تجربة الوباء أعطت الأمل في جمع الناس الذين خاطروا بحياتهم للحفاظ على استمرار المجتمع، عمال النظافة عمال السوبر ماركت الأطباء، والممرضات والكهنة قائلاً : “لا أحد ينقذ بمفرده”.

ومن جهة أخرى نرصد واقعة في إحدى الكنائس اللبنانية، حيث أصر الكاهن على عدم أداء طقس مناولة القربان كالمعتاد.

حيث رفض الكاهن وضع قطع القربان في الفم، تنفيذاً لقرار السطلة الكنسية العليا، فمن إجراءات الوقاية من فيروس كرونا كل محاولات في الاقناع كللت بالفشل رغم قيامه بتأنيبهم لعدم طاعة المطران والبطريك.

وكانت أعلى سلطة مسيحية في لبنان أوصت بتدابير وقائية، وطلبت تجنب المصافحة خلال القداديس والاكتفاء بإلقاء السلام، كما طلبت مناولة القربان المقدس باليد، مما خلف ردة فعل عنيفة من قبل بعض الرافضين لقرار المناولة باليد بسبب المكانة الدينية لهذا الفعل.

وفي إيران ظهرت مشاهد لزوار يلعقون الأضرحة المقدسة في مدينتي (قم ومشهد)، في تحد صريح لقرار السلطات، مما جعل السلطات تعتقلهم. مشاهدة لعق أضرحة في قم تحدياً لكرونا لعق الأضرحة في المزارات الدينية معتقدين أنهم يتحدون فيروس كرونا.

يقول أحد الرجال في الفيديو “لا آبه بكرونا يقولون أن هذا الضريح قد ينقل لنا الفيروس بسبب احتمال أن يكون مصاب ما قد لمسه في وقت سابق لكنني لا أكثرت أريد أن أصاب إذاً”.

فالصلاة والطقوس العبادية ستحمينا، من دون شك، من التقاط العدوى، وفي مقابل هذا نجد في دولة الإسلام العالمية مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومرسم العبادة في موسم الحج. حيث علقت السعودية العمرة والحج. مع تقديم رجال الدين المسلمين والدعاة عذراً شرعياً للمتخلفين عن موسم الحج وذلك حماية للناس من تفشي الوباء ، زيادة على منع الجموع عن أداء فريضة الصلاة وذلك لتجنب مرض أعداد كبيرة من المصلين. تحت حكم القول الرباني لله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحيما) وقول القاعدة الفقهية “لا ضرر ولا ضرار” ، “الضرر يزال”.

وقد أكد أحد المراجع الدينية “أن المرض لن يتفشى لو تجمع الناس بشكل كبير في المرافق الدينية، لأنها ستكون حامية لهم، معتبراً أن هذا الفيروس لا يصيب أصحاب الإيمان، أما الشيخ عباس تبريزيان الأستاذ في الحوزة العلمية في قم، والمتخصص بالطب الإسلامي فقال “إن علاج كورونا هو بخلطة الإمام الكاظم من حبة البركة والعسل ؛ لكن الكفار سيموتون”.

ومعركة كورونا جعلت العلم والعلماء يقفون عاجزين لأنها معركة لم تكن في الحسبان.

أدت ظاهرة كرونا إلى العودة القوية إلى المعتقد الديني، فمن الطبيعي أن يتعمق الشعور الديني ويسمو في النفس البشرية، وذلك باعتباره شعوراً يقوم على الإيمان بوجود قوة الاهية خارقة يلجأ إليها الإنسان حين يرجع إلى كينونته الحقيقية ككائن ضعيف مهما وصلت مراتبه العلمية وزاد رصيده المالي. وهذا الشعور بالتدين يزيد حتى عند الغافلين أو المنكرين أو المستهزئين بالدين. ويتجدد ويقوى عند المتدينين.

تقول “رولا تلحوق” الباحثة الأكاديمية المتخصصة بالأنثروبولوجيا وأستاذة العلوم الدينية في الجامعة اليسوعية في بيروت. “في أحيان كثيرة يتمسك الناس بمعتقدات شعبية خاطئة، أكثر من تمسكهم بالعقيدة الدينية الاصلية، وغالباً ما يكون لتلك المعتقدات سلطة على الشعب أقوى من سلطة التعليم الرسمي. وطغيان المعتقدات الشعبية في التعاطي مع الوباء المستجد، ليس صادماً فحتى يومنا هذا نجد أناساً يتعلقون بخرافات متوارثة عن عبادات وثنية قديمة، ولا علاقة لها بالأديان السماوية، مثلا عدم كنس البيت يوم الأربعاء، والقول بالفأل السيء عند فتح المظلة داخل المنزل.

ونجد أكثر العبادة تداولاً في لبنان منذ تفشي فيروس كورونا والتي قالها وزير الصحة اللبناني، “لا داعي للهلع” والتي كانت سبباً في تفشي الوباء، بين اللبنانيين بسبب عدم اتخاذ الإجراءات الفاعلة منذ اليوم الأول. مع السماح لعودة المهاجرين الأصليين من ايران وإيطاليا، دون اخضاعهم لإجراءات السلامة الضرورية للكشف عن حالات الإصابة. واخضاعها للحجر الصحي. وبعكس هذا القرار نجد دولاً التزمت بضرورة الابتعاد الاجتماعي والممانعة من المخالطة والتقبيل والسلام باليد. وتجنب أماكن الازدحام والحث على الصلاة في المنازل بدلاً من المساجد واغلاق المدارس والمطاعم والملاهي، وتأجيل اللقاءات الرياضية، ووقف الرحلات الجوية بين العديد من الدول، فهذه الإجراءات تقلل الحد من انتشار الوباء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى