أصداءأقلام الكتاب

الجدل في المسائل الهامة المتعلقة بحقوق الإنسان..

المستشار/ عبدالعزيز بدر القطان

باحث ومفكر وحقوقي – الكويت

الجدل في المسائل الهامة المتعلقة بحقوق الإنسان..

 

من الضروري أن نوضح بإيجاز بعض المسائل الهامة التي يدور حولها الجدل والتي هي مرتكز حقوق الإنسان في الإسلام، حسب رأي رجال الدين ومقولات الباحثين في هذا الخصوص.

الشورى والديمقراطية السياسية..

يشدد كثير من الباحثين على أن حرية الرأي والمشاركة السياسية هي من أبرز حقوق الإنسان الحديثة، وأنها وجدت خير تعبير لها في الشورى التي أقرها الإسلام كنظام للحكم الديمقراطي الإسلامي، إذ أن الشورى لا ترد في قضية ورد فيها نص، لأن النص يغني عنها، وحيث أن الشورى هي مفاوضة في الكلام لإظهار الحق، فإن ذلك يقتضي ألا يكون طالب المشورة إلا صاحب أمر يملك التنفيذ أو عدمه حسبما تقتضي النتائج التي يخرج بها.

ومع ذلك ومع التسليم جدلاً بأن الشورى المطلوبة بالنص من الممكن الإستخلاص منها إشارات حول معالم الديمقراطية وحق الإنسان وحق الإختيار في مسألة (الحكم)، فإن النتيجة أن أدى ذلك إلى العشوائية في الحكم، مع التبرير لذلك دينياً، وعدم وجود بناء تراكمي من الحقوق الإنسانية، حيث قام كل صاحب سلطة بإخضاع الدين لمصالحه وطرق تفكيره التي تكونت مسبقاً، لا بإخضاع رأيه للدين، الذي يزعم بأنه يتبعه.

قاعـدة..

إن قاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان لم تسرِ في التاريخ الإسلامي على مبدأ التغير بإتجاه مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية، وإنما سارت بإتجاه مغاير تماماً، وبقي مبدأ الشورى ككل الاحكام القرآنية العامة الأخرى، دون تحديد لأشكالها أو صياغتها في قوالب محكمة يضفى عليها صفة القانون، وإنما تركت للبيئة الملائمة في كل زمان ومكان، مجرد شعار يفسره الحاكم كما يشاء.

وبالتالي بقي شعار الشورى وتفسيره ينطلق من معطيات مختلفة بإختلاف المفسرين، كما بقي الإلتزام بها ومداها عرضة للجدل والنقاش، ففي حين أوجبها بعض الفقهاء، معتبرين أنها من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام (وأن من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب)، أو (أن على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح… إلخ)، وأنه لا بديل عن الشورى والإلتزام بها حتى وإن كانت خاطئة.

في نفس الوقت، هناك من يقول بخلاف ذلك، حيث أكد بعضهم على أن من يرجع إلى رأي العالم يكون ذلك في صدد الإستدلال على نوعية الحكم الإسلامي، كالماوردي مثلاً، على أن كل تصرف يقوم به الحاكم قاعدة يعتد بها ويمنع الخروج عنها بداعي أنها جائزة قياساً على ما فعل الحاكم السابق ولو كان ذلك لمصلحة شخصية، فليس هنالك ما يمنع توريث السلطة للأبناء والأقارب، دون الأخذ بعين الإعتبار مصلحة الأمة ودون إتاحة الفرصة لمشورة أهل العلم والخبرة والكفاءة.

مقارنة بين الشرق والغرب..

لقد أضفى بوسويه في فرنسا، الشرعية على الملكية المطلقة للويس الرابع عشر، أما الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) أضفى الشرعية على السلطة المطلقة للعباسيين مستبعداً الشورى.

ولقد أكد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أكثر من مناسبة أنه ليس لأحد أن يتفرد بالأمر دون بقية الناس، وأن لا ملكية وراثة ولا توريث، وأكد على أن لا تفريط ولا إضاعة لحقيقة ما هدف إليه الشرع. حيث بقي المثال التاريخي الوحيد عن الشورى والديمقراطية محصوراً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب منذ 14 قرناً، وهذا يأخذنا إلى أن العالم الإسلامي نادى بالشورى لكنها كانت شكلية أكثر منها فعلية (قرارات جاهزة)، وتوارت ولم يعد أحد يسمع عنها إلا عندما ترد في مناسبة ما لدى بعض الفرق الإسلامية المناهضة لنظم الحكم السائدة كل في زمانها.

وبالتالي هذا الأمر لم يجد في تغير مسيرة التاريخ السياسي في البلاد الإسلامية، حيث بقي النظام السياسي وراثياً بشكل أو بآخر، وإنعزلت الشعوب عن فكرة الديمقراطية التي نادى بها الإسلام تحت مسمى (الشورى)، والدليل أن بعض الأنظمة العربية اليوم تحكم تحت شعار الإسلام وتعتبر القرآن الكريم دستورها، لكن السائد التسلط والفساد أكثر من الإهتمام بفتح نوافذ على منطق العصر وعلى حرية المواطن ودوره في تكوين السلطة والمشاركة فيها.

الفقه والشريعة وحقوق الإنسان..

الجميع يعلم أن الشريعة في الدين هي الطريق السامي والمنهج الراقي الذي يريد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين أن يتبعوه ويسيروا فيه لتحقيق الحياة المستقيمة.

خلال حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، كان فيها المشرع والقاضي، حيث وضع حلولاً للمشاكل القانونية التي اعترضت مسير حياة المؤمنين حيث كان يقدم التفسيرات للقواعد العامة التي وردت في القرآن الكريم دون أية تجاوزات (ما أنا إلا بشر مثلكم)، (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر).

ثم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أكملت السنة النبوية النهج، التي أعطت القيمة الصحيحة والمعيارية للأحاديث النبوية لتمييزها عن ما إبتدعه الأشخاص، وهذا ما أصبح يعرف حديث صحيح وآخر ضعيف وتتبع فيه القواعد المعروفة من الراوي إلى علم الرجال والعلل والإسناد وغير ذلك.

أخيراً، لقد كان الإسلام واضحاً في مسألة إعطاء حقوق الناس، وحددها وأورد المسائل الجزائية والمدنية في القرآن الكريم، وجاءت الشورى لتكون بديلاً عن النص في غيابه، على أن تنصف الناس، لا تغلف معيشتهم على أهواء الحاكم والسلطان، وبالتالي، المصلحة الخاصة هي من أبعدت التعاليم الأصيلة وسن أخرى على قياس أهل الحكم لا الشعوب.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق