أصداءأقلام الكتاب

الحراك السياسي الدولي وصفقة القرن

 

خميس بن عبيد القطيطي

كاتب عماني

khamisalqutaiti@gmail.com

رغم عدم إعلانها الرسمي وعدم وضوحها لدى الرأي العام العربي، يبدو أن الحراك الرسمي في المنطقة يتمحور حول هذه الخطة الأميركية التي تتواءم معها سياسات عدد من الدول العربية منذ بدء التمهيد لها من قبل إدارة البيت الأبيض والتي يضطلع بتفاصيلها صهر الرئيس الأميركي وكبير مستشاري البيت الأبيض كوشنير ومبعوثه للسلام في الشرق الأوسط جرينبلات والسفير الأميركي في إسرائيل فريدمان، وهذا الفريق الذي عمل وما زال يعمل على صفقة القرن أو بالأحرى صفقة ترامب لحل قضية الشرق الأوسط لم يألُ جهدا في شرح هذه الصفقة في أكثر من مناسبة. ومع أن مؤتمر السلام والأمن في الشرق الأوسط الذي انعقد في وارسو يرفع عنوان مواجهة إيران، إلا أن الجزء الأهم الذي يفرض نفسه على المؤتمر هو مناقشة واستعراض الخطط السياسية والاقتصادية لتنفيذ صفقة القرن، وذلك بعد توضيحها سلفا لصناع القرار في الدول المعنية بما فيها السلطة الفلسطينية والتي يشار إلى تحفظها تجاه تلك الصفقة، وربما قد يكون تحفظا ظاهريا سيزول بمجرد البدء في الخطوات الأولى لتنفيذها، فهل سيتم فرض هذه الصفقة على المشهد الفلسطيني؟ وهل الواقع السياسي والديموغرافي الفلسطيني سيتيح المجال لتنفيذ هذه الخطة ؟

قبل الحديث عن المحاور السياسية والاقتصادية والأمنية حول هذه الخطة، نوضح ما تسرب من تفاصيل حول صفقة القرن والتي نوقشت بين الطرفين الأميركي والإسرائيلي في الأصل، وبالتالي فهي ليست سوى خطة صهيو ـ أميركية تم الإعداد لها منذ عام 2017م أو قبل ذلك، وتقتصي هذه الخطة حسب ما يشار إليها باحتفاظ الفلسطينيين بجزء من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يراد له أن يتمدد إلى داخل شمال سيناء على ساحل البحر الأبيض المتوسط بمساحة تقدر بـ720 كيلومترا مربعا، وهي تقارب نفس المساحة التي ستقتطعها إسرائيل من الضفة الغربية والقدس المحتلتين على وجه الخصوص، والتي ستوفر على إسرائيل إجلاء سكان المستوطنات الإسرائيلية والذي يصل إلى ربع مليون مستوطن أو أكثر، وبالتالي اعتبار جدار الفصل العنصري الإسرائيلي واقعا ملموسا على المستوى الرسمي الدولي، كذلك تحافظ إسرائيل على سيادتها على المعابر والحدود مراعاة للأمن الإسرائيلي مع بعض التفاصيل الجغرافية والاقتصادية والسياسية الأخرى؛ منها ـ على سبيل المثال ـ تعويض مصر بنفس المساحة من الأرض في صحراء النقب، ووعود بتنشيط الجوانب الاقتصادية من خلال الربط بين ضفتي البحرين الأحمر والأبيض المتوسط الإفريقية والآسيوية، والاستفادة من الدخل الجمركي للدول المطلة على البحر الأحمر، بالإضافة إلى إقامة مطار وميناء لما يسمى بغزة الكبرى في الجزء المصري والذي يتيح للفلسطينيين واجهة أطول على البحر الأبيض المتوسط وحدودا جديدة للمياه الإقليمية، أما مدينة القدس الشريف فهي تعتبر أساس الصفقة من خلال ضم المدينة القديمة وحي سلوان وحي الشيخ جراح وجبل الزيتون للكيان المحتل، مع إبقاء بعض الأحياء القديمة في القدس الشرقية للفلسطينيين، كما يربط المسلمين بالمسجد الأقصى حاجز أو مسار يصل بهم لأداء صلواتهم، وبلا شك أن قضية القدس ـ وهي إحدى قضايا الحل النهائي ـ تسقط من المعادلة السياسية التي راهن عليها العرب والفلسطينيون خلال العهود الماضية، وكذلك إسقاط حق اللاجئين بالعودة إلى أرضهم التي هجروا منها، هذا ما يروج له بشكل عام حول هذه الصفقة، وهذا ما يعني إلغاء للقضية الفلسطينية برمتها والتي ناضل من أجلها الآباء والأجداد ودفعوا فيها مزيدا من التضحيات، ثم يأتي هذا العهد الجديد الذي تتجاوب فيه عواصم عربية ـ كما يبدو ـ للقبول بصفقة القرن، وربما هذا ما سيتم ترجمته بشكل أوضح من خلال مؤتمر السلام والأمن في الشرق الأوسط المنعقد في وارسو حاليا .

ورغم حالة التجاهل والعفاف والبراءة للنظام الرسمي العربي، وتجنب الخوض في الحديث عن هذه الصفقة انتظارا للإعلان الأميركي عنها، إلا أن الغد القريب سيكشف النقاب حيال هذه الفريضة الدينية (صفقة القرن) والتي مارس النظام الرسمي العربي شعائرها قبل نزولها من السماء؟! وستقدم للعرب على أنها تفتح الآفاق لحل القضية الفلسطينية وإنهاء صداعها المزمن، ولكن الحقيقة المرة التي قد يتغافل عنها نظامنا الرسمي العربي أن مسلسل التنازلات الذي بدأ منذ عقود لم يكن ليتوقف، وأن خطط إسرائيل في هذا الصدد لم ولن تتوقف منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل السويسرية، مرورا بوعد بلفور 1917م، وصولا الى إعلان ما يسمى بدولة إسرائيل وجميع الحروب العربية الإسرائيلية التي تلت ذلك، وأخيرا معاهدات السلام الذي اعتمده العرب كخيار استراتيجي للأسف الشديد، ونحن هنا قد نتهم بالنرجسية في مواجهة الواقع البراجماتي الذي يراه نظامنا الرسمي العربي كالقضاء والقدر الذي لا مفر منه، ولكننا نمثل الرأي العام العربي السائد على مساحة الجغرافيا العربية، ونعتقد أن المسلسل الصهيوني لن يتوقف هنا، وما زالت خريطة من الفرات إلى النيل تتصدر مبنى الكنيست الإسرائيلي وهي تمثل العقلية التلمودية الصهيونية في إسرائيل .

التاريخ علمنا وسوابق الأحداث أن التنازلات تقود إلى تنازلات أخرى، وأن المحتل الصهيوني يسير بخطط مرحلية ثابتة لانتزاع كل الحقوق العربية، وهذا لن يتوقف طالما وجد الاحتلال الإسرائيلي، وما وجد على باطل فهو باطل، والكيان المحتل هكذا لا يبني مستقبله ومستقبل أجياله فلا يوجد مستقبل على حساب حقوق الشعوب الأخرى، وإذا كان النظام الدولي المعاصر يبني فرضياته السياسية وفقا للمزاعم التاريخية، فهناك حقوق تاريخية أصيلة لدول وقوى عظمى في قارات ودول أخرى ليست بعيدة عن تاريخنا المعاصر، وعلى الأمم المتحدة أن تتبنى إعادتها لسكانها الأصليين، كذلك لا يوجد في القواميس الإنسانية والدولية على الإطلاق ما يسمى بالدولة الدينية، كما هو الحال في إسرائيل .

إذن نحن اليوم على أعتاب مرحلة خطيرة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني ألغى بشكل تدريجي ما تم تجزئته سابقا لتشمل التجزئة أراضي جديدة أخرى لما يسمى بدولة إسرائيل من خلال صفقة القرن، وستقدم تبريرات واهية مثل حل القضية الفلسطينية وانفتاح اقتصادي للدول المعنية وأمنية، كما يريدها عراب الصفقة، ولا يهم هل المنطق والواقع السياسي يقبل مثل هذه الخطة أم لا؟؟
يعتقد معتنقو هذا المذهب أن البراجماتية السياسية تحتم على العرب القبول بهذه الصفقة خشية فقدان هذا النصيب المتوفر من الحقوق، وبوجود ضمانات أميركية مع تجاهل أن هذه الصفقة تنسف كل الجهود والتضحيات التي قدمت من قبل والقرارات الدولية من مجلس الأمن بدءا من القرار 242 الذي يعتبر مرجعية يتمسك بها العرب في قضيتهم المصيرية .

الآن وفي ظل هذه الصفقة سوف تنقسم فلسطين إلى أكثر من جزء بخلاف المساحة التي أقيمت عليها ما يسمى بإسرائيل، فهناك وفقا لهذه الخطة الجزء المتبقي من الضفة الغربية، بالإضافة إلى قطاع غزة والجزء المخصص من أراضي شمال سيناء المقدرة بـ720 كيلومترا مربعا، وهذه التقسيمات يحكمها الانفصال ولا يربط بينها رابط؛ فالضفة لا ترتبط بغزة بأي منفذ أو معبر على الإطلاق وحركة حماس هي الجناح الفاعل والمسيطر على قطاع غزة، وطالما أنها ترفض هذه الخطة جملة وتفصيلا فكيف سيكون امتداد غزة الديموغرافي في المساحة الجديدة من سيناء؟! وكيف لمصر وشعبها العظيم أن يفرط في جزء أصيل من أراضيه التي ناضل من أجلها طوال العهود الماضية وذلك بمسوغ استبدال أرضه بأرض قاحلة في صحراء النقب مع ضخ بعض الأموال لتشكيل الصورة وتجميل وجه هذه الصفقة؟ وكيف للأردن القبول بمثل هذه الصفقة، وكيف ستقدم هذه الطبخة المالحة بل والمرة أيضا للرأي العام العربي ؟!

إن المصالحة الوطنية الفلسطينية أصبحت اليوم أمرا مهما، وبالتالي فإن توحيد الرؤى والمواقف الفلسطينية تجاه هذه الأحداث الخطيرة أصبح أمرا لا مفر منه، إلا إذا كان أقطاب السلطة في فلسطين لهم رأي آخر بقبول هذه الصفقة، وما تبقى من وقت هو لتهيئة الرأي العام العربي والفلسطيني وإظهار التمنع تجاه الصفقة، أما الحسابات والتفاصيل الحقيقية فقد تم الانتهاء منها، وبالتالي فإن الخيار هنا هو العودة إلى تنسيق الجهود الجماعية الفلسطينية، فهي الكفيلة بتحييد مثل هذه الصفقات، وأملنا ما زال كبيرا لتظل قضية فلسطين التاريخية تحت رهان المقاومة والرباط إلى يوم القيامة .

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق