أصداءأقلام الكتاب

الحـرب المـقـدسـة !!..

السـفـيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

 

الحـرب المـقـدسـة !!..

كانت أوروبا لا تزال في عصورها المظلمة في 25 نوفمبر 1095 ميلادية ، عندما وقف البابا أوربان الثاني ليعلن بداية الحملات الصليبية ، ونادي بحرب مقدسة ضد الإسلام ، مشيراً إلى أن الأتراك السلاجقة ذلك الجنس المتوحش البربري الذي أشهر إسلامه مؤخراً قد زحف إلى إنطاكية واستولى على الأراضي التي تخص الإمبراطورية البيزنطية ، وناشد أمراء أوروبا كي يتوقفوا عن القتال فيما بينهم ، وأن يتحدوا ضد أعداء الرب ، وهتف البابا موضحاً : “أن الأتراك ، جنس ملعون ، لا يعرف الرب ، وأن قتلهم هو واجب مقدس لكل المسيحيين ، وبمجرد تطهير آسيا الصغرى من هذا النجس الإسلامي ، فإن النبلاء يجب أن يستمروا في مهمة أكثر قداسة ، بتحرير مدينة القدس من الكفار ، فمن العار أن يكون قبر المسيح بين أيادي المسلمين”.

وقبل أن يبدأ الحجاج مهمتهم المقدسة في الحملة الصليبية الأولى (وكما فعلوا ذلك في الحملات التالية) ، قاموا بذبح الجماعات اليهودية الموجودة في أوروبا ، بالضبط كما فعلوا عندما دخلوا القدس أول مرة عام 1099 ليذبحوا كل من فيها من المسلمين واليهود ، ومن المثير للدهشة أنهم فعلوا نفس الشيء تقريباً مع المسيحيين المختلفين معهم في المذهب في الإمبراطورية البيزنطية !!.

وفي 17 نوفمبر 1207 ، قام أحد البابوات “إنوسنت” بكتابة خطاب إلى الملك فيليب أغسطس يرجوه فيه أن يقوم بقتل المسيحيين الذين اختلفوا مع الكنيسة الكاثوليكية ، وعندما توجه الجيش لقتل هؤلاء المختلفين ، أبدوا رغبتهم بالتسليم للبابا ، إلا أنه رفض ، وعندما استسلم أهل المدينة المحاصرة تساءل قادة الجند المنتصرين عن كيفية التفريق بين المؤمنين والكفار في الأسرى ، وجاءتهم إجابة قائدهم : “إقتلوهم جميعاً ، والرب سوف يعرف من يختص بهم” .. وبالفعل تم ذبحهم جميعاً ، وكانت تلك بداية الحروب المقدسة التي اشتعلت فيما بعد في أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت .

وفي عام 1227 قام البابا جريجوري التاسع بإصدار مرسوم ينص على أن المسلمين واليهود الذين يعيشون في الدول المسيحية يجب أن يرتدوا ملابسَ تميزهم عن المسيحيين ، كما يجب على المسلمين واليهود أن يلزموا منازلهم في الأعياد المسيحية حتى لا يلوثوا قداسة اليوم ، كما لا يجوز أن يتقلدوا منصباً عاماً ، كما يجب على المسلمين ألا يؤذوا آذان المؤمنين المسيحيين بصوت المؤذن للصلاة.

إلا أن الحرب المقدسة لم تكن ملكية خاصة للكاثوليك فقط ، فقد آمن بها البروتستانت كذلك ، ويكفي هنا أن نشير إلى “لوثر” مؤسس البروتستانتية، كان يرى ضرورة ذبح كل الفلاحين الذين يتمردون ، وبأن البابا هو عدو الله ، وقد اعتبر أن “المحمديين” (المسلمين) يمثلون الشر مثلهم مثل البابا تماماً ، بحيث تكون “روما” هي رأس عدو الله ، بينما المحمديين هم جسد ذلك العدو ، كما كتب تحت عنوان “حول اليهود وأكاذيبهم” : أن اليهود يجب أن يعزلوا تماماً عن المسيحيين ، وتدمر منازلهم ، بحيث يعيشون جميعاً تحت سقف واحد ويكلفون بالأشغال الشاقة ، كما يجب إحراق معابدهم وكتبهم المقدسة.

“كان لدي الرب حلم ، ومهمة إسرائيل هي تفسير هذا الحلم” ، هكذا قال إبراهام هيسكل ، أحد الصهاينة الأمريكيين بعد حرب 1967 ، حيث اعتبر أن نصر إسرائيل هو مثل آخر لاستمرار علاقة الحب بين الرب وبين شعبه ، وتطبيقاً للعهد الإنجيلي ، بينما قال موشيه دايان خلال نفس الفترة ، عندما دخل مدينة القدس القديمة لأول مرة : “لقد عدنا إلى كل ما هو مقدس في أرضنا ، ولن ننفصل عنها مرة أخرى” .. وفي يوم 3 أغسطس1967 ، وعلى جبل الزيتون ، المكان الذي يفضل اليهود أن يدفنوا فيه لأنهم يعتقدون أن المسيح سوف يصل هناك، وسيكون المدفونون في تلك البقعة أول من يبعثون من موتهم لإلقاء التحية عليه ، فوق هذا الجبل وقف ديان ليقول : “يا إخواننا الذين قاتلوا في حرب الإستقلال ، لم نتخل عن أحلامكم ، ولا نسينا الدرس الذي علمتموه لنا .. لقد عدنا إلى الجبل ، مهد تاريخ الأمة ، عدنا إلى أرض أجدادنا ، أرض القضاة ، إلى قلعة أسرة داود ، لقد عدنا إلى الخليل ، ويبت لحم وأريحا .. يا إخواننا ، إننا نحمل دروسكم معنا …”.

بينما قالت سيدة يهودية أمريكية هاجرت حديثاً إلى إسرائيل بعد حرب العبور ، وانضمت لأحد أحزاب اليمين المتطرفة : “في حرب الستة أيام ، وكذلك في حرب يوم كيبور أيضاً ، كان ينبغي علينا ألا نتوقف ، كان يجب أن نستمر حتى نرغمهم على الإستسلام التام ، ندمر عواصمهم ، من يهتم بما يصرخ به الأغيار (الجوييم أي غير اليهود) .. إنها حرب دينية ، حرب مقدسة لهم ولنا ، فهي حرب ضد الإسلام ، وهي حرب ضد كل الأغيار…”.

في سِفْر التكوين ، عقد الرب مع إبراهيم عهداً ، وقال له : “لأبنائك من بعدك ، تكون الأرض من نهر مصر النهر العظيم إلى نهر الفرات ، وأرض الكنعانيين”.

يتعلم الناس في الغرب ، أن “الصليبيين النبلاء قاموا بذبح الكفار أثناء حروبهم المقدسة” ، ويقول التاريخ : إن هؤلاء الصليبيين بدأوا تحت إسم ” الحجاج ” Pilgrims  الذين نقشوا الصليب على ملابسهم أخذاً بأمر المسيح بأن يحملوا صلبانهم ويتبعوه حتى الموت ، وخلال الحملة الصليبية الأولى إتجه بعض الإنجليز إلى فرنسا للإنضمام إلى الجيوش الصليبية ، ولكنهم لم يكونوا يعرفون كلمة فرنسية واحدة تتيح لهم تعريف أنفسهم ، فأشاروا بأصابعهم بعلامة الصليب.

“إلى جوار أنهار بابل ، جلسنا وبكينا عندما تذكرنا صهيون .. لقد قيل لنا : “أنشدوا بعض أناشيد صهيون ، كيف ننشد أناشيد “يهوا” في بلد الكفار .. يا قدس ، إن نسيتك فلتقطع يميني ، وليقطع لساني ، إن نسيتك ولم تعد القدس أغلى أفراحي .. طوبي للذي يعاملك يا بابل كما عاملتنا ، طوبي له الذي يحمل أطفالك ويضرب بهم الصخر” !! .. الإصحاح 137 .

إن روح ” الحروب الصليبية ” لا تزال هائمة حيث تتبدي وتتبدد حيناً بعد حين ، تتقمصها رغبة الدمار حين تتوفر الظروف الملائمة لها كي تظهر برأسها “المقدسة” تخاطب في الإنسان أبشع غرائزه، متخفية وراء أستار من الدين .. إنها هناك في أعماق الأجيال التي ورثت في ثقافتها وجيناتها أكاذيب تاريخية لم تنجح آلاف الكتب في تصحيحها ، وليس من الواضح أن آلاف الندوات والمؤتمرات سوف تمحوها ، فهي جزء أصيل من التكوين الحضاري للغرب رغم مظاهر العلمانية والمعلوماتية.

ربما يمكن نظرياً الفصل بين “الدين” و “السياسة” ، في نصوص دستورية وتطبيقات قانونية مختلفة ، ولكن هل يمكن الفصل بين “الدين” و “الإنسان” ؟!! .. بل هل يمكن سلخ العادات المكتسبة والأساطير الموروثة في الدين عن سلوك أي إنسان ؟!! .. إن التاريخ والواقع يجيبان بالنفي ، فالإنسان – أي إنسان – هو جماع موروثه الثقافي الذي يلعب فيه الدين دوراً كبيراً.

ليس هذا فحسب ، بل إن بعض الأساطير التي تلحق ببعض الأديان تصبح جزءاً لا يتجزأ من التكوين الثقافي للإنسان ، وليس أدل على ذلك من السطور السابقة التي أشارت إلى بعض مظاهر الحروب الصليبية ، ففي أي نص إنجيلي يمكن أن نجد ما يبيح القتل والدمار والوحشية ، ليس فقط ضد غير المسيحيين بل وبين المسيحيين أنفسهم ؟!! ، إن تحـــريم “القتل” هو أحد العوامل المشتركة بين كافة الأديان السماوية ، فكيف نفسر ذلك ؟..

إن ما يسمي بالحرب المقدسة أكبر من أن يحتويه مقال واحد ، وإنما أردت فقط أن ألقي الضوء على بعض مظاهرها كي أوضح أن كل “حرب مقدسة” قد أثارت ضدها “حرباً مقدسة” أخرى ، والتاريخ ممتلئ بصورها الدامية ، وإذا كان “صلاح الدين” قد نجح في شن “حرب مقدسة” كي يطهر القدس من الصليبيين ، فإنه بعد ذلك إستمرت الحروب الصليبية بلا توقف ، بل واستمرت آثارها إلى العصور الحديثة ، وحين أفلتت كلمة “حرب صليبية” من لسان “بوش” ، بدا وكأن الناس قد أصابتهم الصدمة ، رغم أن الرئيس نفسه ذكر غير مرة أنه يتلقي إلهامه من أعلى (من السماء) ، كما أنه حفيد أولئك الطاهرين الذين هربوا من الإضطهاد الديني في أوروبا كي يصنعوا مجتمعاً جديداً في “أرض الميعاد” بأمريكا ، ووجدوا المبرر الديني لقتل أهل الأرض الأصليين وإبادتهم بإسم الرب .. أي أن الرجل لم يخرج عن طبيعته الموروثة.

نفس الأمر ينطبق على الحركة الصهيونية “العلمانية” ، فرغم كل ما قيل عن انفصالها عن الدين ، فإنها وفي العمق منها تستلهم “المقدس” أو تستخدمه لأغراضها السياسية ، وليس هناك من هو أكثر “علمانية” من موشيه دايان ، وقد قرأنا بعض أناشيده على أطلال القدس ، إنها “حرب دينية” مهما بالغ البعض في تلوينها بالتاريخ والسياسة والفلكلور .. إنها حرب لا نهائية طالما استمرت هالات القداسة مرتبطة بالأرض .. فالأرض أشد قداسة من روح الإنسان .. والأساطير تصبح أشد قداسة من نصوص الكتب المقدسة …

وأخيراً ، قيل كثيراً إنه ينبغي على دول الشرق الأوسط أن تنقي مناهجها الدراسية من النصوص التي تحض على الكراهية والعنف .. وأتساءل عن كيفية تنقية بعض النفوس في الغرب وإسرائيل من ميراث دموي إختلطت فيها الأساطير بالنصوص المقدسة ؟!!.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق