أصداء وآراء

الدبلـوماسية العُـمانية وبُعـدها الإنسانـي..

الكاتـب/ عـبـدالرحمـن الريانـي

رئيس المركز الدولي للإعلام والعلاقات العامة IMC

 

الدبلـوماسية العُـمانية وبُعـدها الإنسانـي..

 

في عام 1840م أبحرت سفينة عُمانية من بحر عُمان متجهة إلى نيويورك كان على متنها أول سفير عربي إلى الولايات المتحدة الأمريكية الشيخ أحمد بن النعمان الكعبي مبعوثًا من قبل سلطان عُمان في ذلك الحين السلطان سعيد بن سلطان أحد أهم وأقوى سلاطين الإمبراطورية العُمانية التي كانت حدودها في تلك الفترة تمتد من بندر عباس على ضفاف الخليج العربي إلى ميناء زنجبار على الساحل الشرقي لأفريقيا ، بالإضافة إلى بعض الجزر الواقعة في منطقة الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي بما فيها أرخبيل جزر القمر.

دوافع الرحلة كان الصراع بين الامبراطورية العُمانية والوجود البرتغالي في موزمبيق ، أخذت السفينة سلطانة طريقها إلى نيويورك كان مبعوث السلطان يحمل رسالة إلى الرئيس الأمريكي في ذلك الحين تهدف إلى تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة ولشراء الأسلحة التي كان في حاجة إليها أثناء صراعه ضد الوجود البرتغالي في موزمبيق ، هذه الزيارة التاريخية هي التي أسست للعلاقات بين البلدين ، تلك العلاقات التي سيكون لها دورها الاستراتيجي في مراحل وأزمات سياسية تعصف بالعلاقات الدولية ، من ذلك أن سلطنة عُمان التي تتكئ على ماضٍ تليد كواحدة من أعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم ، سيكون لها الدور الهام والمحوري ذاته لقطع فتيل الأزمات السياسية والحروب التي تعصف بالمنطقة والعالم ، من ذلك الدور المحوري الذي لعبته السلطنة في وقف الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات ، فكان لحكمة جلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله باني النهضة العُمانية الحديثة ، وللدبلوماسية العُمانية بقيادة يوسف بن علوي بن عبدالله وزير الدولة للشؤن الخارجية الدور الرئيسي في وقف الحرب الدامية التي خلفت ملايين القتلى من البلدين ، نجح العُمانيون حينها فيما فشل فيه الآخرون من لجان إسلامية وعربية من الرئيس أحمد سيكتوري الرئيس الغيني وحتى الرئيس ضياء الحق رئيس جمهورية باكستان ، الدبلوماسية العُمانية كانت دائمًا تجيد قراءة المشهد أكثر من غيرها ، وتمتلك دبلوماسية  فريدة تجيد فن التموضع بالقدر الذي تجيد فيه فن تقريب وجهات النظر بين المتحاربين ،خلال تاريخها العريق من السلطان سعيد بن سلطان مروراً بجلالة السلطان قابوس رحمه الله وصولاً إلى جلالة السلطان هيثم بن طارق كانت هي المنقذ للمنطقة.

فالدبلوماسية العُمانية استطاعت بحنكة ودراية قبل سنوات إنقاذ المنطقة والعالم من أزمة سياسية كادت أن تهدد السلم الدولي وأعني بذلك نجاحها في حل الملف النووي الإيراني بين إيران والولايات المتحدة ، الدافع لذلك هو أن كِلا طرفي الأزمة كان يثق في الدبلوماسية العمانية ويتعاطى مع عُمان الدولة باحترام وتقدير بالغ ، ويعي جيداً أن سلطنة عُمان تعد بمنزلة حالة التوازن الاستراتيجي في  الشرق  العربي ، كثيرة هي الحالات التي لعبت فيها الدبلوماسية العُمانية دور الوسيط النزيه الناجح وصفة النزاهة من العوامل التي أكسبت تلك الدبلوماسية المصداقية في العالم ، من ذلك دورها في سوريا حيث كان للسلطنة موقفها المتميّز والذي حورب من قبل صُنّاع الأزمات ومبتكريها طوال سنوات ، وفي النهاية اكتشفت تلك الدوائر أن الموقف العُماني الذي رفض عزل ومقاطعة سوريا وإلغاء مقعدها في الجامعة العربية كان هو الموقف الصحيح والسليم ، والذي ينم عن بُعد نظر ورؤية استراتيجية ، الآن تهرول  الأنظمة التي تعاطت مع الملف السوري بتلك الحدة إلى دمشق لفتح قنوات اتصال جديدة مع الدولة السورية.

كما لا ننسى مساعي سلطنة عمان لحل الأزمة العراقية الكويتية عندما غزا العراق الكويت ، وكان جلالة السلطان قابوس بن سعيد رحمة الله عليه حريصاً على حلها عربياً بعيداً عن تدخل القوى الأجنبية التي لا شك في أنها وجدتها فرصة مواتية لتدمير العراق كدولة عربية قوية ، فكان أن استقبل جلالة السلطان قابوس رحمه الله طارق عزيز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية كمبعوث من الرئيس صدام حسين للاستماع إلى النصيحة العمانية والأخذ بمشورتها للخروج من ذلك  المأزق الدولي ، لكن إصرار القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبدفع من بعض الدول العربية والغربية حال دون إعطاء المساعي العمانية فرصتها لحل الأزمة.

وفي ظل نجاحها الدبلوماسي في عدد من الملفات الساخنة فقد تم اختيار سلطنة عمان لعقد المحادثات الليبية ، ولكونها أيضاً وسيطاً يحظى بموافقة كل الأطراف والمنظمات الدولية ذات العلاقة بالأزمة الليبية ، حيث استضافت مدينة صلالة العمانية الاجتماع الذي ضم – إلى جانب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور الليبي – أطرافاً أخرى معنية بالشأن الليبي تُمثّل كلاً من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ، وكانت هذه المحادثات استكمالاً لتشكيل حكومة الوفاق الوطني الليبي.

في المسألة اليمنية تعرّضت الدبلوماسية العُمانية والدور العُماني الوسيط الذي كانت فيه مسقط طوال سنوات محطة مهمة ومحورية لتقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع اليمني تعرّضت لما يمكن وصفه بقنبلة هيدروجينية من التشوية والتضليل.

أذكر أنني كتبت مقالاً عن الدور العُماني في اليمن في 2018م تحت عنوان (ليته كان توقف) وأعني الرئيس عبدربه منصور هادي ليته كان توقف في مسقط عند خروجه من اليمن ، لم يكن يحتاج أكثر من أسابيع أو أشهر قليلة لو أنه وضع الملف اليمني بيد جلالة السلطان قابوس رحمه الله ، ولأخذت الأزمة اليمنية منحًى آخر من الحل التوافقي بين أطراف الصراع في اليمن ، وما يجري هذه الأيام بناءً على الدور الذي تقوم به الدبلوماسية العُمانية لحل الأزمة اليمنية يؤكد أننا كنا على صواب في موقفنا الواثق من حكمة وحنكة القيادة العُمانية ، وقدرة الدبلوماسية العُمانية العريقة في إخماد نيران الحرب ووقف سعيرها المشتعل منذ سبع سنوات.

هذه الجهود التي تبذلها السلطنة سيكتبها التاريخ بأحرف من ذهب وسيخلده في أنصع صفحاته ، فاليمن بفعل تلك الجهود  الخيرّة التي تؤكد تلك الحالة العميقة من العلاقات الأزلية توشك  أن تطوي مرحلة سوداء قاتمةً في تاريخها الحديث عاشت فيها واحدة من أعنف الصراعات الدامية في تاريخها المعاصر ، فكل الشكر والتقدير للأشقّاء في عُمان الخير وعلى رأسهم جلالة السلطان هيثم بن طارق ، هذا القائد العربي الذي استشعر معاناة ملايين المشردين ومئات الآلاف من الثكالى والمحرومين ، والذي أشعر اليمنيّين بأنه مهموم بمأساتهم وبعذاباتهم وآلامهم ، وقرر تضميد الجسد المُنهك الغائر بالجراح من منطلق البعُد العروبي والإنساني الذي يحرك العمل الدبلوماسي وتتحرك من خلاله الدبلوماسية العُمانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى