أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الدقم بوابة سلطنة عُـمان لتحقيق رؤية 2040..

وافـي الـجـرادي

صحفي ومحلّل استراتيجي يمـني

 

الدقم بوابة سلطنة عُـمان لتحقيق رؤية 2040..

 

من الأهمية أن نتحدث عن الدقم وما تُمثّله من أهمية ليس على الاقتصاد والمجتمع العماني فحسب؛ بل على خارطة الإقليم والعالم المترامي الأطراف والأبعاد.

وعلى ما يبدو فإن سلطنة عُـمان وما تتميز به من علاقات دبلوماسية وسياسية واعدة مع شتى دول العالم، وما تحظى به من احترام وتقدير وامتنان كل الدول والشعوب قاطبة؛ قُدّرَ لها أن تكون لها بصمة واعدة في الإنتاج والتجارة والصناعة والسياحة العالمية؛ فالقادم يتحدث عن تحوّل استراتيجي بارز سيشيّده العمانيون بإراداتهم وحسن القيادة وبدلاً من أن تنظر دول العالم لسلمية واستقلالية عُمان فحسب، سينظرون إليها من بوابة الانتاج والاستيراد والاستثمار والسياحة أيضاً.

لقد بدأت سلطنة عمان العمل في مشروع المنطقة الاقتصادية وميناء الدقم منذ تأسيسها في ال26/ اكتوبر 2011م، وتقع في محافظة الوسطى وعلى مساحة 2000كم2 ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم شهدت المنطقة استثمارات كبرى منها : مطار الدقم وحوض جاف لصيانة السفن وميناء تجاري ومصفاه للنفط والبتروكيماويات ومصنع للأسمنت، ومصنع لصناعة الحافلات وعدداً من الاستثمارات المحلية والعالمية، فضلاً عن مجموعة من الفنادق الفاخرة، والمجمعات السكنية،وشبكة من الطرق والخدمات المتكاملة…

إن موقع الدقم المتميز على بحر العرب والمحيط الهندي والرابط لخطوط الملاحة الدولية بين أسواق شرق أسيا وأفريقيا والأسواق الخليجية يجعل منها منطقة صناعية ولوجستية وتجارية وسياحية عالمية، ورافداً مهماً للاقتصاد العماني وكفيلة بتحويل سلطنة عمان من مجرد دولة صغيرة تأتي في المرتبة ال70 بالناتج الاجمالي عالمياً إلى واحدة ضمن 15 أقوى اقتصاداً على مستوى العالم خلال العقد القادم.

يأتي توجه السلطنة في تطوير المنطقة الاقتصادية وميناء الدقم لأجل التنويع الاقتصادي، وتخفيف الاعتماد على النفط والوصول بالاقتصاد العماني إلى درجة عالية من النمو، واستغلال الموارد والامكانات المستدامة خاصة وأن عمان واجهت الكثير من الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية إبان انخفاض أسعار النفط في 2014م إلا أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تغيرت وبوتيرة أفضل خلال الخمس سنوات الأخيره، مع تبني السلطنة لخطط إعادة الهيكلة للمؤسسات، وتحديث أجهزة الدولة، وجذب المزيد من الاستثمارات وفي قطاعات مختلفة؛ عزز من توافد المستثمرين للسلطنة مضي السلطنة في الاستفادة من الدقم كمحرك أساسي ومهم في الاقتصاد العماني، وعصب التجارة والاستثمار والصناعة والسياحة في المنطقة، وفي قادم السنوات سيصبح مشروع عالمي له زخمه ودوره في التجاره والصناعة العالمية
حيث إن 16 دولة حول العالم تستثمر في هذا المشروع الضخم، والأكبر في الشرق الأوسط ،كما وأن ميناء صلالة من أكبر الموانئ العالمية، وقدراته لمناولة شحنات المواد السائلة والمعادن هي نفس قدرات المحطات العالمية، وبإمكانه أن يستوعب أكبر سفن الحاويات في العالم؛ حيث إن موقعه على بحر العرب يجعله مركز شحن عالمي بين آسيا وأوربا والشرق الأوسط، ويقدم أوقاتاً للعبور أفضل من حيث السرعة والأمن مقارنة بالموانى المنافسة الأخرى في المحيط الهندي والخليج.

منطقة الدقم الاقتصاذية بموقعها الجغرافي المتميز والرابط بين الشرق والغرب، واستغلاله الاستغلال الأمثل سيجعل منه يلعب دوراً مهماً وبارزاً في أسواق الطاقة، وشحن البضائع، وتوليد الكهرباء، وإمدادات النفط والغاز، وكل هذا يقود للقول بأن المشروع، وفي قادم السنوات سيكون عصب الاقتصاد العماني؛ بما سيوفره من موارد مالية ضخمة قد تصل لعشرات المليارات من الدولارات سنوياًً، إلى جانب عشرات الآلاف من الوظائف للشباب العماني، إلى جانب تعزيزه لتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاعات مختلفة في السلطنة.

بالنظر للأمن والاستقرار، وإلى الحوافز الممنوحة للمستثمرين في منطقة الدقم، إلى جانب ما تتميز به السلطنة من علاقات ودية وطيبة مع كل دول العالم؛ فمن المؤكد أن تتقاطرَ الاستثمارات وبمختلف أنواعها للاستثمار في المنطقة، والاستفادة من الحوافز والاعفاءات الممنوحة في جني الأرباح الضخمة؛ يجب فقط على القادة العمانيين بذل الكثير من الجهود والتضحية وإيجاد بنية تحتية ملائمة ومناسبة لجذب الكثير من الاستثمارات.

السرعة في مناولة الحاويات، وقربها من الأسواق الاستهلاكية، ومن اقتصادات الخليج يجعل من شركات التأمين تمنحها الافضلية على الموانئ الاخرى في المنطقة، كما وأن حياد السلطنة وعلاقاتها الممتازة مع كل دول العالم يوفر لهذه الشركات الأمان للتعامل، ويشجع موانئ أخرى على التعاقد معها والاستفادة من خدماتها.

كما أن الهواجس والمخاوف من مضيق هرمز، وما قد يمكن أن تتعرّض له السفن من هجمات أو إمكانية إغلاقه من قبل إيران في حال نشب تصعيد بينها وبين امريكاء والدول الخليجية؛ فميناء الدقم هو الحل الجذري لإزالة هذه المخاوف فمن خلاله يتم شحن السفن إلى الأسواق الآسيوية والأوربية وبكل سهولة وبلا أي مخاطر.

إن استمرار الصراع والحرب في اليمن، واحتمالية تعرّض منشأت النفط والموانئ في دبي وأبو ظبي للقصف من قبل جماعة الحوثي يجعل الكثير من شركات الشحن تنظر للموانئ العمانية بكونها الأفضل والآمنة وبتالي ستضطر للتعامل معها، وهو ما سيعزز من نشاط المنطقة الاقتصادية الحرة والميناء في الشحن والانتاج وزياده التصدير.

عمان وما تتميز به من موارد طبيعية هائله كطاقة الرياح والطاقة الشمسية مع سهوله الوصول إلى مياه البحر، وتحلية المياه المثبته قادرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر للاسخدام الذاتي وإمداد العديد من دول العالم، إلى جانب الاستفاده منها في بناء الصناعة المرتبط بها في البلاد، وفي هذا الجانب فإن مشروع استراتيجي يتم تطويره وبالشراكة بين مجموعة “أوكيو” ومجموعة “ديمي” البلجيكية وهو ما يسمى بمشروع ” هايبورت الدقم”، كما أن تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر في السلطنة أقل بكثير من انتاجه في دول الاتحاد الأوروبي وآسيا، وهو ما يجعل منها منطقة جذب عالمي للاستثمارات في هذا القطاع الواعد والرامي لتقليل الاعتماد على الطاقة المولّده للانبعاثات والاحتباس الحراري.

شراكات اقتصادية في الدقم..

بحكم العلاقات الصينية العمانية والممتدة لـ 40 عاماً، والتوافق الصيني العماني حول العديد من القضايا الاقليمية والدولية ونظرة السلطنة للصين بأنها قوة مهمة في حماية التوازن والاستقرار العالمي فلا شك ان الرؤية الصينية للسلطنة تكمن في كونها شريك اقتصادي مهم، حيث إن أكبر شريك تجاري للسلطنة هي الصين،
وليس هناك من شك أن تولي الصين اهتماماً أكبر بتعزيز العلاقات الاقتصادية، وهو ما رايناه بالفعل؛ ففي 2016 خصص بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوي مبلغ 265 مليون دولار لدعم برنامج توسيع القدرات في مشروع الدقم، وأيضاً وقّع عدد من المستثمرين الصينيين اتفاقيات بــ 10.7 مليار دولار لبناء المجمع الصناعي الصيني- العماني في الدقم والذي يشمل مصنع للسيارات، ومصنع للميثانول ومصفاه لتكرير النفط، كما وأن موانئ عمان الثلاثة بإمكانها أن تصبح محطات لتصريف المنتجات الصينية إلى الأسواق الآسيوية والأوربية، كما ويتلاءم الدقم مع مبادرة الحزام والطريق الصينية، أي مع بحث بكين عن قاعدة تشغيل يُمكن للشركات الصينية من خلالها تطوير أسواق التصدير في الخليج وشبه القارة الهندية وشرق أفريقيا؛ لهذا من اللازم على قيادة السلطنة ألا تسخّر الجغرافيا وبأي شكل من الاشكال لإبطاء أو حيادية أي توجهات صينية للاستثمارات في الدقم، كما تريدها الولايات المتحدة بدعوى مواجهة الصين؛ ينبغي ان تعزز العلاقات وبشكل يجعل من الشركات والمستثمرين الصينيين يضخون عشرات المليارات في قطاعات مختلفة في السلطنة وبما يسهم في جعل المنطقة الاقتصادية الحره وميناء الدقم يحقق عائدات لاتقل عن 30 مليار دولار سنويا في السنوات العشر القادمة.

اما بالنسبة للمملكة العربية السعودية وبحسب اعتقادي فإنها تنظر للمنطقة الاقتصادية الحرة وميناء الدقم ك خيار استراتيجي مهم، وضمن نطاق سياساتها الرامية لتخفيف امدادتها النفطية عبر مضيق هرمز والذي لطالما ومنذ بدء الحرب في اليمن شكّل مصدر تهديد حيوي لصادراتها النفطية الى اوروبا بحكم اشراف ايران عليه وتهديداتها المتواصلة ب اغلاقة امام حركة الملاحة الدولية نتيجة تصاعد خلافاتها مع الولايات المتحدة الامريكية.

المملكة العربية السعودية تسعى للاستثمار اقتصادياً وامنياً في السلطنة، وهو ما ترجمته الزيارات المستمره للسعوديين الى محافظة الوسطى وتحديداً للمنطقة الاقتصادية الحرة والميناء فعمان بنظر السعوديين آمنة ومستقرة وهم بحاجة لتأمين امدادات النفط، خاصةً بعد تعرّض ناقلات نفط السعودية للهجمات في البحر الأحمر من قبل جماعة الحوثي (حركة أنصار الله)، كما وأن السعودية تنظر للسلطنة كوسيط موثوق من شأنه ان يساهم في وقف الحرب في اليمن وتجنيب الطرفين الكثير من المخاطر، فضلاً عن كون الموانئ العمانية كفيلة بالحد من أي مخاطر تواجه إمدادات النفط في الوقت الحالي وفي المستقبل.

تعززت العلاقات السعودية العمانية بالعمل على مشروع الطريق البري عبر صحراء الربع الخالي بين البلدين، والتي من خلالها سيتم نقل جزء كبير من النفط السعودي الى الأراضي العمانية، ومنها الى بحر العرب والذي تم افتتاحه نهاية العام الماضي، وهذا يضمن الحد من أي مخاطر مستقبلية تعترض إمدادات النفط في حال حدثت حرب في منطقة الخليج.

وأيضاً استثمرت الرياض 210 مليون دولار في المجمع الصناعي في المنطقة الاقتصادية في محافظة الوسطى، وسط حديث متزايد للقادة السعوديين بأهمية الاستثمار والاستفادة من الفرص والامكانات في الدقم ما يؤكد بأن خيارات المملكة أكبر لتعزيز خارطة الاستثمارات في السلطنة، وبشكل يجعل منها تعتمد على عُـمان من حيث الموانئ والخدمات اللوجستية وما تخفيض السعودية لوارداتها من الموانئ الإماراتية وبنسبة 33% في 2018 إلا عن رغبة بأن تكون موانئ السلطنة بديلاً عنها، إلى جانب أنها ستجعل من واردات البضائع تصل وبكلفة أقل وبوقت أقصر؛ لهذا من المتوقع ان تزداد الاستثمارات السعودية في المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم، وان تشهد العلاقات بين البلدين تطوراً أكثر من ذي قبل بعد أن تم افتتاح الطريق البري بين البلدين، إلى جانب ذلك إن أفضت المدة القادمة لوقف الحرب في اليمن، سيعزز هذا من حجم العلاقات السعودية العمانية ويكفل ترسيخها خاصةً وأن الرياض تعوّل كثيراً على مسقط في المساهمة بوقف الحرب وطي صفحتها والدخول في مرحلة من شأنها أن تعزز رؤى البلدين الاقتصادية.

في النهاية لدى السلطنة علاقات متينة مع قوى إقليمية ودولية، ولتوافر دعائم الأمن والاستقرار والتشريعات والقوانين سنلاحض تزايد وتيرة الاستثمارات فيها، وستصبح مركز للتجارة بين الشرق والغرب إن نجحت في تطويع الجغرافيا والسياسة المحايدة لخدمة اقتصادها وموقعها الجغرافي المتميز، وهذا ليس ببعيد عن رُبّان سفينتها الواعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى