أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الدول الخليجية وحتمية التوازن المجتمعي..

طـلال بن حمـد الربيـعي

 

الدول الخليجية وحتمية التوازن المجتمعي..

 

استطاعت دول الخليج ان تحقق خلال العقود الاخيرة الماضية تقدما كبيرا في مختلف المجالات المرتبطة بالاقتصاد الاستهلاكي والتشييد والبناء مع ارتفاع دخل الفرد في هذه الدول بشكل ملحوظ ويعزى ذلك الى الثروة النفطية والاستقرار السياسي التي تتمتع به هذه الدول حتى انها تعد بالمفهوم السائد الان ضمن الدول المتقدمة، هذه الصورة تظهر في المجمل وفي الشكل العام ولربما كانت ضرورة مرحلة التأسيس تتطلب القفز على كثير من المفاهيم، ولكن الان و بعد اكثر من خمسة عقود فأننا اذا تعمقنا قليلا في دارسة نمط الحياة والمجتمع في هذه الدول، نجد مباشرة أنها تعرضت لتغيرات هيكلية في مجتمعاتها جاءت على شكل طفرات اقتصادية تشكلت من خلالها بيئة اجتماعية ذات طابع اقتصادي ومجتمع استهلاكي غير مكتمل العناصر، في المقابل ظلت الهوية الخليجية مرتبكة في كيفية تقييم الوضع الاقتصادي الذي حل بها في مقابل علاقته بالمجتمع وتكوينه القيمي.

وبالتالي ابتعدت مجتمعات هذه الدول عن التوازن الضروري المرتبط بالجانب العلمي والاجتماعي وفق السياق التاريخي الطبيعي الذي من المفترض ان تسلكه الدول والمجتمعات لتحقيق الاستقرار والتقدم ، فقد غلبت الطفرة الاقتصادية بقية الجوانب الأخرى فكانت على مستوى أعلى بكثير من مستوى تطور بنيتها العلمية والتكنلوجية والمجتمعية والسياسية، إذ لا تزال الموارد البشرية والمجتمعات المدنية في هذه الدول هشة التكوين مقارنة بكثير من البلدان الأخرى وخاصة التي تمتلك التكنلوجيا والتطور العلمي.

عندما نقول ان مجتمعات دول الخليج مجتمعات هشة فاننا لا نقصد انها متخلفة او اقل تعليما من المجتمعات الأخرى ولكن نقصد انها مجتمعات فتية تتمتع بقدر من الرخاء الاقتصادي وبالتالي فهي مجتمعات سريعة التأثر والتقلب وما زالت في مرحلة التشكل التاريخي.

لذلك فإن التوازن الذي نقصده هو التوازن القيّمي العام (أي التوازن بين ما هو مادي وما هو معنوي)، والتوازن بين فئات المجتمع المختلفة، وداخل الفئات ذاتها.. ولذلك فأن الحاجة ملحة جدا في ان تمتلك هذه الدول وعيٍّ نقديّ متطور، من خلال امتلاك المعارف والعلوم الإنسانيّة الأكثر تقدما في العالم، والشّروع في تأسيس هندسة اجتماعيّة، كما عبر عنها عالم الاجتماع الأمريكي(تالكوت بارسونز)، والذي يعد اساسا لبناء مجتمع قوي متماسك مترابط.

وليس معنى ذلك ان الفكر العقلاني وحده هو القادر على مواجهة الواقع وحل مشكلاته ، بل لابد أن نضع في اعتبارنا ثلاثة شروط مهمة لتحقيق ذلك وهي: (التوازن بين القدرات المادية والمعنوية والروحية) وكذلك إدراك المجتمع بأهمية التوازن الاجتماعي كضرورة من ضرورات تحقيق نهضته وتطوّره، مع وجود إرادة قوية على مستوى الأفراد لجعل هذا التوازن حقيقة قائمة.

وهنا يأتي دور المثقفين والباحثين وأساتذة الجامعات الذين لابد أن يضطلعوا بدورهم الاجتماعي ولا يتركوا الساحة لانتلجنسيا ذات نزعة نرجسية تعيش منفصلة تماما عن الواقع، هذه الانتلجنسيا التي رأيناها تسيّدت المشهد في ما يسمى بالربيع العربي كانت ذات خطاب رجعي، إما بمضامين ليبرالية لا تراعي السياق التاريخي (الدعوة لتحقيق الديمقراطية على الشاكلة الغربية، وهذه الدعوة خالية تماما من الإشارة لعلاقات التبعية البنيوية بالنظام الرأسمالي العالمي وتصدير المفاهيم ذات القوالب الجاهزة)، أو بمضامين دينية سلفية (الدعوة لتحقيق الخلافة الإسلامية على شاكلة ما كان عليه السلف الصالح، وهذا الخطاب الرجعي يتجاوز التغيرات العميقة الاقتصادية والديموغرافية والسياسية التي مرت بها تلك الدول).

كلا هذَيْن الخطابَيْن ساهما بشكل أو بآخر، في قلب التناقضات بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع الخاص بها، فمن إشكالية التقدم والوحدة السياسية والثقافية وبناء اقتصاد وطني مستقل وخلق توازن مجتمعي، تم التحول الى إشكالية زائفة هي إشكالية الحريات الفردية، مع ان الحرية نفسها لا تأتي دون وعي للضرورة كما قال ماركس.

فالضرورة الملحة الآن لدى دول الخليج هي رسم ملامح المجتمع وخط سيره وفق مسار تاريخي يراعي مراحل التطور ولا يحرق هذه المراحل مع أهمية وجود مصالحة حقيقية بين مشروع السلطة ومشروع المجتمع، بحيث يقوم كل طرف بدوره الطبيعي في عملية البناء والعمران؛ أي أنه لا بد من خلق نوع من الانسجام والوئام بين المجتمع والسلطة والذي من شأنه أن يوجد استقراراً حقيقياً وليس مؤقتا يساعد نحو تطور هذه البلدان مع ثبات وعيها بمستقبلها وراهنية استقلال قرارها ووجودها في ظل عالم متغير، فهي تحتاج اليوم إلى جهود داخلية كبيرة وكثيرة لبلوغ التوازن المنشود، وإلا أصبح الكثير من المنجزات التي تحققت أشبه بقصور شُيِّدَت على الرمال.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى