أصداءأقلام الكتاب

الديمقـراطـية الأمـريكـية فـي قلـب الخطـر !!..

الكاتـب/ د . محمـد السعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

الديمقـراطـية الأمـريكـية فـي قلـب الخطـر !!..

 

كشفت دراسة أوروبية حديثة حقيقة الأزمة التى تتهدد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى بدأت رسمياً أمس الثلاثاء (3 نوفمبر 2020)، والتى بدأت فى الواقع قبل أكثر من أسبوعين سواء عبر التصويت المبكر أو عبر البريد الإلكترونى.

الدراسة إستقصائية أجراها باحثون ألمان من مؤسسة برتسلمان ستيفتونج فى سبتمبر الفائت وشملت 13 ألفاً و 808 شخصاً من جميع دول الاتحاد الأوروبى.

من أبرز النتائج التى توصلت إليها هذه الدراسة ثلاثة نتائج :

تقول الأولى : إنه إذا كان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يواجه إنتخابات فى أوروبا فلن تكون لديه أي فرصة تقريباً وسيحصل على 17% فقط من الأصوات، بينما سيحصل منافسه جون بايدن على حوالى 45% من الأصوات.

أما النتيجة الثانية فتقول : إن نحو 38% من مواطني الإتحاد الأوروبي لن يصوتوا لأي من المُرَشَّحَيْن إذا كانوا هم من سيصوتون فى هذه الإنتخابات الأمريكية، ما يعني أنهم يرون أنه ليس أياً من المُرَشَّحَيْن جدير بالفوز رئيساً للولايات المتحدة.

وتقول النتيجة الثالثة : إن 51% ممن شملتهم الدراسة في أنحاء أوروبا، يعتقدون أن هناك فشلاً ديمقراطياً في الولايات المتحدة.

المعنى المباشر لهذه النتائج أن الديمقراطية الأمريكية باتت في أزمة حقيقية، وأن المجتمع الأمريكي وليس فقط النظام السياسي الحاكم يعاني من انقسامات حادة في الرؤى والأهداف والمصالح سواء على المستوى الطبقي (أغنياء وفقراء وطبقة وسطى) أو على المستوى العرقي (البيض والملونون من أصول أفريقية أو لاتينية أو آسيوية)، أو على المستوى الديني (المسيحيون والمسلمون) أو على المستوى الطائفي (كاثوليكي مسيحي أو بروتستانتي مسيحي).

وما توصلت إليه الدراسة الأمريكية هي مجرد قراءة لعناوين هذه الإنقسامات التي يمكن أن تنفجر بعنف في حال تنفيذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بأنه “لن يسلم السلطة في حال خسارته للإنتخابات”، وإعلانه أنه “لن يخسر الإنتخابات إلا في حال وقوع تزوير واسع النطاق”، ثم تشكيكه في نزاهة التصويت عبر البريد الإلكترونى وإعلانه بعدها أن “زيادة التصويت عبر البريد ستؤدي إلى زيادة التزوير”، وأخيراً تلويحه “باللجوء إلى القضاء، والمحكمة الإتحادية العليا على وجه التحديد، لحسم أي خلاف فعلي أو مفتعل يمكن أن تشهده الانتخابات”.\

الملاحظ أن ترامب لم يلجأ إلى هذا التهديد الأخير باللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا إلا بعد نجاحه في تمرير مرشحته لعضوية هذه المحكمة إيمي كوني باريت بالكونجرس، فالأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ دعمت هذا الاختيار وكسرت كل التقاليد المتعارف عليها بعدم تعيين أي قاضٍ جديد بالمحكمة الاتحادية العليا خلال سنة إنتخابات ديمقراطية.

كان الديمقراطيون يطالبون بتأجيل بت مجلس الشيوخ فى هذا التعيين لحين الإنتهاء من الإنتخابات الرئاسية وانتخابات الكونجرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب، التي تتزامن مع الإنتخابات الرئاسية على أمل أن يفوز مرشحهم للرئاسة جون بايدن ويلغي قرار ترامب بترشيح هذه القاضية للمحكمة العليا، وعلى أمل الحصول على الأغلبية في مجلس الشيوخ ومن ثم التمكن من ترشيح قاضية أخرى بديلة تنتمي إلى التيار الليبرالي خلفاً لعضوية القاضية الليبرالية الراحلة روث بيدر جينسبرج، خصوصاً وأن نجاح ترامب في تثبيت عضوية مرشحته إيمي كوني باريت سيعطى أغلبية 6 – 3 للجمهوريين في هذه المحكمة على حساب الديمقراطيين.

نجاح ترامب في تثبيت تعيين هذه القاضية إعتماداً على الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ يعني أنه يعد نفسه من الآن للطعن فى نتيجة الإنتخابات إذا لم تكن لصالحه ، وأنه سيعتمد على المحكمة الاتحادية العليا التي سيحال إليها الطعن في دعم موقفه، قبل أن يلجأ إلى آخر أسلحته وبالتحديد التحريض على إفشال نتائج الإنتخابات عبر تفجير أعمال شغب دامية من شأنها أن تفشل الإنتخابات حسب تصوره.

القلق حول ما سيحدث عقب الإنتهاء من عملية الإنتخابات والبدء في إحصاء النتائج، وسط مؤشرات تؤكد فوزاً محققاً للمرشح الديمقراطي وخسارة مؤكدة للرئيس ترامب، وصل إلى درجة تحذير الخبراء ليس فقط من حدوث صدامات، حتماً ستكون دامية، ولكن أيضاً من تطور هذه الصدامات إلى مستوى “الحرب الأهلية”، من هؤلاء، على سبيل المثال، برايان ميخائيل جينكينز كبير مستشاري “مؤسسة راند” البحثية، في مساهمته بالتقرير الذي أعدته هذه المؤسسة، بمشاركة جمع من الخبراء والباحثين، حول “المخاطر التي تتهدد الولايات المتحدة في ظل تحديات الإنتخابات”.

فقد أكد جينكينز أن “الولايات المتحدة تعاني من انقسام عميق فى الوقت الحالي، وأن النظام السياسي فى حالة استقطاب” وأشار إلى أن “جهوداً تبذل، عبر الرسائل، بهدف نزع شرعية الإنتخابات من أبرزها رفض الرئيس ترامب إعلان إلتزامه بقبول نتائج الانتخابات”، كما أشار إلى حديث أحد المسئولين، عبر التواصل الاجتماعي، عن شراء ذخيرة والإستعداد للعنف” واختتم هذه المداخلة بالتحذير من خطر نشوب “حرب أهلية”.

هذا الحديث عن الحرب الأهلية أخذ يتصاعد باقتراب موعد الإنتخابات، وربما يتحول إلى واقع مؤلم خلال الأيام والأسابيع القادمة، وسط تحذيرات من اشتباكات مسلحة قد تتطور إلى ما هو أسوأ كمحصلة صراع موازين القوى الراهنة بين طرفي الإنتخابات الرئاسية، وامتدادهما في المؤسسة الحاكمة بكل تشعباتها، وفي ظل حالة استقطاب حاد تهز أركان النظام السياسي برمته، وسط أنباء تؤكد إنخراط الحزبَيْن الجمهورى والديمقراطى فى تهيئة الإستعدادات للتوجه إلى المحكمة العليا كل من وجهة نظره، جنباً إلى جنب مع انخراط أطراف بعينها في شراء الذخيرة وتخزينها “إستعداداً لأعمال عنف” تعقب الإعلان عن النتائج.

يفاقم من هذا الخطر إنتشار واسع ومنظم لمجموعات مدربة ومسلحة، بعضها بأسلحة ميدانية مدرعة، وهي تكنّ عداءً سافراً للمؤسسة الحاكمة، وتتسلح بحقها الدستورى فب اقتناء السلاح المرخص، خصوصاً في ظل البيانات الرسمية العالمية التي تشير إلى كثافة مرعبة لحيازة الأمريكيين أسلحة فردية، بمعدل “120 قطعة سلاح لكل 100 فرد”.

المخاطر تتفاقم أكثر في ظل وجود إجماع لدى الأطراف المتنافسة على عدم قدرة أي طرف “التحكم” بتصرف أنصاره يوم الانتخابات مرجحة إندلاع “احتجاجات غاضبة عفوية”، وخصوصاً عند شعور أي منهما بحرمانه من حق التصويت.

هل يمكن أن تكون هذه الإنتخابات بأحداثها المؤلمة الدامية المتوقعة مدخلاً للتساؤل عن ماذا بقي من الديمقراطية الأمريكية ؟؟ وتجديد طرح تساؤلات مهمة حول مدى رجاحة نظام “الديمقراطية النيابية” عبر “آلية الإنتخابات” للتعبير، أو بالأدق، لتحقيق المقاصد الحقيقية للديمقراطية ؟؟.

ربما يتجاوز الخطر مثل هذه الأسئلة النظرية إذا تطورت الأحداث إلى حرب أهلية تطرح خيار التفكيك والتقسيم للولايات المتحدة التي باتت تطارد بأشباح نبوءات الفيلسوف الأمريكى “إليفين توفلر” بخصوص وجود فرص لحدوث تفكك للولايات المتحدة على النحو الذي سبق أن حدث في الاتحاد السوفيتي !!..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق