أصداء وآراء

الشـخـصـيـة الدولـيـة للفـرد..

 

السفـيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعـد وزيـر الخارجية المصـري الأسبـق

 

 

الشـخـصـيـة الدولـيـة للفـرد..

 

 

إذا كان الفرد قد تنازل عن بعض حريته للمجتمع ، فهو لم يفعل ذلك طواعية إلا للحصول علي حرية أكبر بضمانات محددة ، وتلك هي صيغة العقد الإجتماعي ، وروح هذا العقد لا تنفي خصوصية الفرد كفرد ، أو تلاشيه في كتلة المجموع ، كما أن القدر الذي تنازل عنه من حريته ليس إلا ذلك القدر المحدود الذي يتيح تنظيم الحريات العامة للمجتمع ككل .

فالدولة في النهاية هي جماع مصالح المجتمع ككل ولكل فرد من أفراده ، فما هو الحال إذا أعتدت الدولة أو إحد أجهزتها علي مصلحة قانونية للفرد ؟ ، وإذا افترضنا عجز القوانين المحلية عن استعادة حقوقه أو تعويضه ، فهل يمكن أن يجد الفرد حمايته في القانون الدولي؟ ، أو بمعني آخر هل يمكن للفرد أن يكتسب الشخصية الدولية INTERNATIONAL PERSONALITY التي تتيح له اللجوء إلى واحدة من آليات حل النزاعات الدولية ؟..

يرفض جانب كبير من الفقه الدولي ذلك بشكل قاطع ، علي أساس أنه طالما أن المجتمع الدولي لا يزال يتكون من دول ، فأنها وحدها التي تتمتع بالشخصية الدولية ، وأن القول بغير ذلك يعني سيادة نوع من الفوضى علي المستوي العالمي.

إلا أن الواقع الدولي يكشف أن القانون الدولي يضع علي عاتق الفرد مثل الدولة تماماً العديد من الواجبات والمسئوليات ، ويمكن أن نشير هنا مثلاً إلي محاكمات نورمبرج بعد الحرب العالمية الثانية ، ففيها نشأت المسئولية الدولية لأفراد عن جرائم الحرب باعتبارها خرقاً للقانون الدولي.

ولقد حاول المحامون تبرئة المتهمين بحجة أن الدولة الألمانية هي وحدها – كشخص من أشخاص القانون الدولي – تتحمل تلك المسئولية ، إلا أن المحكمة قررت : “أن الجرائم المرتكبة بالمخالفة للقانون الدولي قد ارتكبت بواسطة أفراد ، وليس بواسطة كيانات مجردة ABSTRACT ENTITIES ، وأنه لوضع قواعد القانون الدولي موضع التنفيذ فلابد من معاقبة هؤلاء الأفراد على جرائمهم…”.

ومن الواضح في المثال السابق ، أن الفرد – شأنه شأن الدولة – يتحمل المسئولية الدولية ، في واجب إحترام قواعد القانون الدولي ، وهو ما رأيناه أيضاً في محاكمات مجرمي الحرب في البوسنة ، وأيضاً في المسئولية الجنائية للأفراد عن خرقهم لقواعد القانون الدولي الخاصة بالقرصنة أو تجارة الرقيق أو جرائم الحرب.

فإذا كان ذلك قد أصبح بمثابة مبدأ من مبادئ القانون الدولي ، ألا يعني ذلك بالقياس إمكانية تمتع الفرد بالحقوق – كشخص دولي – مثل تحمله بالواجبات ؟.

واقع الأمر أن لدينا أمثلة تجيب على ذلك السؤال بالإيجاب ، أبرزها إعلان حقوق الإنسان الصادر من الأمم المتحدة ، وعهد الأمم المتحدة لحقوق الإنسان السياسية والمدنية والثقافية والإقتصادية ، وكذلك الإتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان ، فهذه الوثائق الدولية توفر للفرد مجموعة من الحقوق التي تكسبه باعتراف العالم ثمة شخصية قانونية دولية للمطالبة بهذه الحقوق طبقاً للقانون الدولي.

إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة إكتساب الفرد للشخصية القانونية الدولية ، لأن القانون الدولي قد تأسس علي الاعتراف فقط للدول بتلك الشخصية ، لذلك فقد دأب الفقهاء علي إعتبار الدول هم أشخاص القانون الدولي ، أما الأفراد فهم موضوعه ، فضلاً عن أن مطالبة الفرد بحقوقه يمكنها أن تؤمن من خلال الجهاز القضائي داخل الدولة وطبقاً لقوانينها.

ومع ذلك فإن الانتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان في بعض الدول ، تستلزم فقهاً دولياً جديداً لوضع تكييف جديد للشخصية الدولية ، خاصة وقد تحول العالم بالفعل إلى قرية صغيرة إنحسر فيها مفهوم السيادة إلى حد كبير ، ولم يعد لدولة أن تدّعي عزلتها أو تكابر في حقوقها فيما يتعلق بسياستها الداخلية ، لأن أولى واجبات الدولة هي حماية حقوق الفرد ، ولا ينبغي عليها أن تعترض على قواعد قانونية إتفاقية تضمن للفرد المزيد من الحماية.

ويكفي أن نعيد للذاكرة مصير بعض القادة الذين توهّموا إمكانية الإفلات من العقاب ، فلاحقتهم اللعنة حيثما حلّوا ، ومن ذلك مثلاً ديكتاتور شيلي بينوشيه الذي حاصرته المطالبات القضائية في انجلترا وإسبانيا ، وكل أركان نظامه الذين تمت محاكمتهم رغم أنهم حرصوا على تحصين مواقعهم وأفعالهم بنصوص قانونية ، وهو نفس المصير الذي لاقاه قادة الأرجنتين والبرازيل.

إن صرخة مظلوم واحد في قرية صغيرة معزولة صار يتردد صداها الآن في أرجاء العالم كله ، ولن يجد الظالم ملاذاً يحميه من الملاحقة الدولية الجنائية مهما طال الزمن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى