أصداء وآراء

الشـمـعـة العاشـرة..

 

السفـيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعـد وزيـر الخارجية المصـري الأسبـق

 

الشـمـعـة العاشـرة..

 

نطفئ شمعة ، ونمسح دمعة .. نتذكر الشهداء ، ونتذكر معاً أن ”الثورة” كأي ثورة في التاريخ البشري ، تشبه إلى حد كبير الزلازل في الطبيعة ، فهي انعكاس حاد لانزلاق طبقات من أعماق الأرض مما يؤدي إلي تحرير طاقة هائلة ، وهناك زلازل مفتعلة أو غير ناضجة مثل التي تترتب علي التفجيرات النووية ، وتؤدي إلى إهتزازات كبيرة ولكنها موقوتة..

وثورة يناير هي زلزال تكونت عناصره علي مدي زمني طويل ، وسبقها بعض الهزات مثل مظاهرات 1968 بعد محاكمات القادة العسكريين بسبب النكسة ، ثم كانت هناك هزة أخرى في 18 و 19 يناير1977 التي أطلق عليها السادات إسم ”إنتفاضة الحرامية” ، وبعد ذلك توالت الهزات الإجتماعية في شكل إضرابات عمالية وحركات اعتراض سياسي مثل حركة 6 إبريل وكفاية .. إلخ..

وليس من طبيعة الزلازل ولا الثورات أن تستمر شهوراً أو سنوات ، ولكن يمكن أن تحدث توابع إذا توافرت الظروف وتهيأت كل العناصر التي تمهد لها..
ولقد كتبت في خريف 2011 مقالاً أوضحت فيه ما أطلقت عليه ”الإرهاق الثوري ” Revolutionary Fatigue ، فهناك مرحلة يمر بها أي مجتمع بعد كل متغير جذري ، يشعر فيها الناس بالملل والحاجة إلي بعض الإستقرار ، خاصة إذا عجزت القيادات الثورية أن تقدم المبررات الكافية لاستمرار الحالة الثورية فترة أخرى..

  • لا يمكن لفعل ثوري أن يُهْزَم ، ولكن يمكن ألا تتحقق بعض نتائجه .. ثورة يناير هي أعظم فعل جماهيري مصري منذ ثورة 1919 .. وأذكر أن ثورة 19 لم تحقق أغلب أهدافها ، بل إن أهم أهدافها في الإستقلال لم يتحقق إلا بعد تحرك الضباط الأحرار ، أي بعد مرور ما يزيد علي ثلاثين عاماً ، ومع ذلك استمرت ثورة 19 في الذاكرة الوطنية كبداية لليقظة الوطنية في مطلع القرن العشرين ، مثلما ستظل ثورة يناير 2011 بداية لوعي جديد مختلف ورؤية إلى الأمام في مطلع القرن الواحد والعشرين..
  • يمكن القول : إن القوى السياسية المصرية نجحت في الوصول إلى قمة الجبل ، ولكنها جلست هناك لا تدري ماذا تفعل بعد ذلك ، والأسباب عديدة ، منها مثلاً أن سنوات طويلة من القمع وتسميم الوعي السياسي أدت إلى تشوّهات هائلة في الجسد السياسي المصري ، والمسألة لا تتوقف عند كيفيه الحكم ، وإنما كيفية إدارة الاختلافات والتقدير الصحيح لكل خطوة .. وأظن أن تلك هي نقطة الضعف الرئيسية في النشاط السياسي المصري ، فبعد تأميم طويل لهذا النشاط تحت قيادة حزب واحد ، مر هذا النشاط عبر تجربة حزبية مريضة أرادها النظام مجرد ديكور يتزين به في مواجهة الخارج ، مع استمرار القبضة القمعية ضد أي تحرك علمي مدروس..
  • ولا أظن أن الغرب بشكل مطلق كان سعيداً باحتمالات تطورات التجربة السياسية في المنطقة ، إن الديمقراطية الحقيقية والحرية تمثل تهديداً جاداً لمصالح الغرب (وإسرائيل) ، لأن ذلك يعني مجتمعات منزوعة من الفساد والمحسوبية تحقق تنمية حقيقية ، وذلك لا يسعد الغرب الذي يهمه استمرار المنطقة كمصدر رخيص للطاقة بغير انقطاع ، وأسواق تعتمد بشكل كبير على منتجات الغرب دون نهوض صناعة أو زراعة أو تطور تكنولوجي .. لذلك ، ربما أبدي الغرب ترحيباً مظهرياً لأنه لم يكن يستطيع أن يعارض حركات تنادي بالديمقراطية والعدل الإجتماعي ، ولكن حقيقة الأمر أنه كان يتمنى العودة للأوضاع المريحة التي اعتاد عليها في التعامل مع الأنظمة الشمولية..
  • المتغيرات في الإقليم متسارعة ، وهناك تعديلات في أوضاع داخلية تؤدي إلى احتمالات تغيرات هامة ، فعلى سبيل المثال لا يمكن إغفال التعديلات التي يحاول ولي العهد السعودي إدخالها في النسيج المجتمعي والاقتصادي في السعودية ، ولا الآثار المترتبة علي تمدد حركة الحوثيّين جنوب المملكة وعلى مدخل باب المندب .. الأوضاع بشكل عام في حالة إنصهار وسيولة ولا يمكن التنبؤ بما سوف تستقر عليه خلال الأعوام القادمة ..

وفيما يتعلق بتنصيب بايدن ، أرى أن المبالغة في الاحتفاء به غير مبررة ، فالرجل وبشكل شخصي يُعَدّ من الجانب المحافظ في الحزب الديمقراطي ، كما أنه في النهاية لن يتخذ قرارات تتعارض مع المصالح الأمريكية كما تحددها مؤسسات الحكم في أمريكا ، ولذلك على سبيل المثال كان بايدن معارضاً لإسقاط نظام مبارك ، ووقف مع هيلاري كلينتون ضد ذلك التوجه ، وكما قال أوباما في مذكراته : إن ذلك هو موقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، حيث يمثل ”الإستقرار” في ظل أوضاع استبدادية خيار مثالي لاستمرار الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة..

كل عام وأنتم بخير..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى