أصداء وآراء

الشياطـيـن أيضـاً تصـلـي..!!

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي 

 

الشياطـيـن أيضـاً تصـلـي..!!

 

(ولكنني أقول : لقد كان صوفيا .. لكنه كان حاقدا .. كان يحب الزهور ويداعب الأطفال ولكنه كان واسع الحقد .. شديد  الحسد …)!! .. عبداللطيف عقل..

قال لي : لقد ظلمني وتسبب في قطع رزقي..

فقلت له : ولكنه رجل يصلي..

فقال : الشياطين أيضا تصلي !!..

لكل منا تجربة “حسد” لا ينساها أبداً..

مازلت لا أنسى كل الحاسدين الذين اصطدمت بهم في حياتي .. مازلت أتذكر ملامح عيونهم وتجاعيد جباههم .. ورائحة قلوبهم النتنة!!..

هناك بشر اصطدمنا بهم في طرقات الحياة اجبرونا على تغيير وجهتنا التي نحب ونرغب إلى الإتجاه الذي نكره ولا نرغب..

بشر سيئون بشعون أجبرونا على حمل حقائبنا على ظهورنا النحيلة والنزول إلى الشوارع الترابية..

فتعفرت وجوهنا بالغبار وامتلأت صدورنا بالتراب..

وانكسرت قلوبنا من شدة الأوجاع واتخمت أرواحنا بالعذاب..

أن تكون إنسانا بلا هدف بلا غاية بلا وجود خير لك ألف مرة من أن تعيش وترى أبسط أحلامك وأمنياتك يقتلها حاسد ويدفنها حاقد..

في كل مكان تذهب إليه ستجد هناك شيطانا بشريا ينتظرك ليحيل أيامك إلى جحيم ويحرق أحلامك فيقلبها إلى رماد وتراب.. 

كل منا لديه قائمة من الشياطين مسجلين في ذاكرته والذين تسببوا في حرمانه من حلم ما أو من طموح ما وكانوا حجر عثرة في تحقيق أمنية لطالما تمنى تحقيقها واستنزف قسطا ثمينا من عمره من أجلها..

إن ما يحدث حاليا من جرائم تسريح من العمل أو إغلاق الشركات والمؤسسات أبواب التوظيف أمام الشباب أو تشغيلهم بعقد مؤقت أو تحديد راتب هزيل بالكاد يسد الرمق ماهو سوى نوع مميز مننواع “الحسد  الفاخر” الذي يتمتع به مجتمعنا..

لن أتحدث عن نفسي هنا فقصص طموحاتي المغتالة مأساوية للغاية لا تحتمل .. ولكن سأسرد عليكم حكاية أخرى إنها حكاية رجل .. حكاية حسد من فئة “الخمس نجوم” قصة حزينة ..  مأساوية من قصص  الرعب  الحقيقية..

والذي ذكرني بها مقال وصلني قبل أيام  للكاتب الاخ الصديق علي المطاعني والذي ذكر فيه  حكاية شاب قرع بابه ذات مساء  ليحكي له قصة  البنك الذي يحيك مؤامرة دنيئة  لتسريح مجموعة موظفين ضعفاء  ذكرتني هذه القصة بقصة مزعجة  أخرى شبيهة بها لموظف بسيط  في شركة كبيرة  وعريقة  تم تسريحه من عمله تعسفيا فرفع قضيته إلى المحاكم وظل ملف القضية  أكثر من ثلاث  سنوات  يتقاذف  من الدائرة  الابتدائية إلى الاستئناف ثم الدائرة  العليا ثم يعاد من المحكمة العليا  مرة أخرى إلى الدائرة الإبتدائية .. رحلة طويلة شاقة وثقيلة  ومزعجة لملف قضية خفيف وواضح كل الوضوح..

يقول الرجل :  المصيبة أنه لم  يصدر قرار طردي  من عملي من  مسؤول هندي او أجنبي  بل كان صاحب القرار  مسؤولا  عمانيا ابن بلدي  هو  من قرر طردي   ورماني في الشارع في يوم  وليلة  .. ولم يفكر للحظة واحدة في تبعات ذلك القرار ونتائجه على أسرة كاملة تتكون من أب وأم وأربعة أطفال..

فمنذ أن تم تعييني في الشركة وهذا المسؤول العماني كان يتصيد الأخطاء البسيطة للموظفين العمانيين الصغار يراقبهم  ويتجسس عليهم ويسجل كل حركاتهم وسكناتهم ويرسل لهم العسس والعيون والجواسيس ليس حبا وحرصا  وإخلاصا في عمله وإنما  لأن قلبه كان يمتلئ حقدا  وحسدا وظلاما وخسة وكان يحاول إخفاءه وكتمه ولكنه كان  يظهر في عينيه ويتفجر من فمه ويطفو في سلوكه ..

فأصدر قرار تسريحي من العمل بعد  أن جمع مجموعة من الأدلة المزيفة والأكاذيب الباطلة  التي طبخها في عقله الحاقد وانتجتها روحه الحاسدة . 

يقول الرجل بصوت معبأ بالألم والتهشم والقهر  :  ثلاث  سنوات  كاملة   جعت فيها  أنا وأطفالي 

مرت علينا أيام سوداء حالكة قاسية  .. ثلاثة أعياد لم اذبح فيها أضحية لأطفالي ..  ذقت أصناف البؤس والمرارات  كنت اطلب الرز والطحين والسكر والبن والشاي من جيراني  واخذ  مصروفي من أختي وأمي  .. عانيت من القلق والتوتر ومختلف الاضطرابات  النفسية  

تمنيت الموت والزوال تمنيت إلا  استيقظ من نومي أو تسحقني سيارة فتحيلني الى قطعة من اللحم المفروم أو اهوي بسيارتي من شاهق عظيم .

ولولا  إيماني بالله و  مساندة المحامي لي وإصراره على مواصلة القتال في قضيتي وتأكيده لي بأننا سنربح القضية لكنت قد  ارتكبت جريمة بشعة  ..

وبعد ثلاث سنوات ونيف أصدرت المحكمة حكمها بأنني غير مذنب وأن تسريحي من عملي كان تسريحا حاقدا وتعسفيا فعدت إلى عملي بحكم قضائي ..

هذا نموذج واحد فقط لموظف طرد  ظلما وحقدا وحسدا  من عمله  ودفع هو و  أطفاله و أسرته ثمن ذلك الظلم ثلاث سنوات من الألم والعذاب .

وهناك اليوم كما تقول الإحصائيات ما يزيد عن سبعة آلاف قصة ظلم مؤلمة وحكاية حسد مفجعة (7000 أسرة) ولا أحد يحرك لها ساكنا لا هيئة تحميهم ولا جهة حكومية تعينهم أو تسندهم وكأنهم ليسوا أبناء هذا الوطن وشركاء في خيراته وثرواته المتفجرة من باطنه ناهيك عن الصمت المطبق لمجلس فاخر يدّعي بأنه مجلس أسس لأجل حماية حقوق المواطنين وحفظها وحفظ كرامتهم وصيانة مختلف جوانب حياتهم..

مستقبل الموظف أصبح واقعا بين سندان أهواء صاحب العمل وغطرسته وبين مطرقة غياب القانون..

لا نظام يحكم غطرسة أصحاب العمل و جبروتهم ولا قانون يردع أهواءهم وحسدهم وحقدهم..

وكأني أرى مقولة النبي صلى الله عليه وسلم متحققة متجسدة اليوم في واقعنا الحياتي (اللهم لا تسلط عليهم عدوا إلا منهم)..

فالذي نراه اليوم من إيذاء الناس وحرمانهم من الوظائف وإغلاق كل الأبواب في وجوههم وتسريح الكثيرين منهم هو في الحقيقية ليس في قلة موارد تلك الشركات ولا بسبب ضعف مدخولها فالملايين تملأ أرصدتها والمليارات تتكدس في أرصدة خزائنها..

وحسبي الله ونعم الوكيل..

وأختم مقالي..

 أرجوكم كافحوا حسدكم الهائل بالحب الهائل فبالحب وحده ترتقي المجتمعات وترتفع الأوطان .. أقبروا احقادكم وحسدكم فبالحسد والأحقاد تنطفئ الأقمار وتتكسر الهمم وتتهشم كل القمم..

علموا أطفالكم كيف يحبون الآخرين .. كيف يحتوونهم..

إغرسوا في أفئدة صغاركم واحفادكم فضائل الإيثار والتضحية والعطاء..

فالوطن عظيم وكبير وغني ويتسع لإسعاد الجميع..

وصدق الشاعر حين قال (والله ما ضاقت بلاد بأهلها .. ولكن قلوب الرجال تضيق)!!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى