أصداء وآراء

الصراع بين المستحيل والممكن في الخيارات الإسرائيلية..

 

الكاتـب/ د . محمـد السعـيد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

الصراع بين المستحيل والممكن في الخيارات الإسرائيلية..

 

دراسة الصراع الإسرائيلي – الإيراني على مدى العقود الأربع الماضية، وبتحديد أكثر منذ سقوط نظام الشاه فى إيران وانتصار الثورة الإسلامية (فبراير 1979) تكشف عن حقيقة محورية، ضمن حقائق أخرى لا تقل أهمية وهى أنه صراع مزدوج حول “المكانة” والسيطرة الإقليمية من ناحية وصراع حول تثبيت الوجود بالنسبة لكيان الاحتلال الإسرائيلي وفرض شرعيته الإقليمية من ناحية أخرى. حيث يعمل هذا الكيان جاهداً على فرض شرعيته الإقليمية على كل دول الإقليم فى حين تجاهد إيران من أجل زعزعة هذا الوجود وتحجيمه وفرض نفسها قوة إقليمية بديلة.

إسرائيل التي تعتقد أنها حققت ما يمكن تسميته بـ “انتصار نهاية التاريخ” على العرب، أي أنها انتصرت على العرب انتصاراً لم يعد يسمح بظهور أي رفض عربي مستقبلي لشرعية الوجود الإسرائيلي ليس فقط على أرض فلسطين بل وللزعامة الإقليمية الإسرائيلية، تعتقد أنها لم يبق لها من منازع إقليمي غير إيران، في ظل تحييد الطرف التركي، على الأقل ضمن احتوائه في منظومة حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي تمنعه من أن يتحول في أي لحظة، وفي أي ظروف إلى طرف مناوئ ورافض للوجود الإسرائيلي.

من هنا يجئ التطابق في الوعي الإسرائيلي بين هدف تثبيت الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين كهدف يعلو على كل الأهداف مع هدف فرض المكانة والزعامة الإقليمية الإسرائيلية على إقليم الشرق الأوسط، ويجئ أيضاً تركز العمل من أجل تحقيق هذين الهدفين من خلال الصراع ضد إيران.

من هنا يتكشف أن الصراع الإسرائيلي الساخن ضد إيران المتركز حول الحيلولة دون تمكين إيران من صنع سلاح نووى ليس غاية في ذاته أو ليس هو كل الصراع، بل هو مجرد وسيلة ضمن وسائل أخرى للحيلولة دون تمكين إيران من تحقيق ما يعرف في الفكر الإستراتيجي بـ “التوازن المتعادل في القوة” أو “التوازن في الردع” .

فإسرائيل تخوض ضد إيران ما يمكن وصفه بـ “الصراع الشامل” الذى من شأن الانتصار الإسرائيلي فيه أن يوفر للإسرائيليين تحقيق الهدفين الكبيرين: تأمين وتثبيت الوجود وفرض الزعامة والسيطرة الإقليمية المتفردة. ما يعني أن السعي من أجل تحقيق هذين الهدفين يفرض على إسرائيل رفض أي صيغة للأمن والنظام الإقليمي بديلة للنظام أحادي القطبية الذى يجب تقوده وتسيطر عليه إسرائيل. أي أنهم في إسرائيل يرفضون أن يؤسس مستقبلياً، على الأقل من الناحية الافتراضية، نظاماً إقليمياً بهيكلية متعددة الأقطاب أو حتى ثنائية قطبية هي فقط مع نظام شرق أوسطى أحادي القطبية لا ينازعها فيه على الزعامة أحد تقوده هي بأعلى درجة من درجات التسلط والاستبداد، لأن غير ذلك من شأنه أن يزعزع الوجود الإسرائيلي لسبب أساسي وهو أن الإسرائيليين يعيشون هواجس تفكك كيانهم لإدراكهم أن وجود هذا الكيان “وجود استثنائي” وأن الأرض التي يقوم عليها هي أرض لشعب آخر لم ولن يتنازل عنها طال الزمن أم قصر.

من هنا يجئ العداء الإسرائيلي المفرط لإيران، لأن إيران سحبت اعترافها بإسرائيل مع انتصار ثورتها، ولأن إيران في الأيام الأولى لثورتها أسقطت العلم الإسرائيلي من فوق مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران وحولته إلى “سفارة دولة فلسطين”، ولأنها من يتبنى ويدعم تيار الرفض ويرفع شعار المقاومة ضد إسرائيل ويتوعدها بالتدمير، ومن هنا يجئ الإصرار الإسرائيلي على ثلاثة مطالب في صراعها مع إيران

أول هذه المطالب إسقاط الاتفاق النووي الحالي نهائياً وفرض اتفاق آخر بديل يكون من شأنه الحيلولة ونهائياً دون تمكين إيران من امتلاك سلاح نووي في أي وقت من الأوقات. أي اتفاق بدون ثغرات يحول دون تمكين إيران من أن تتحايل عليه مستقبلاً ويغلق ونهائياً أبواب إنتاج القنبلة أمام إيران.

ثاني هذه المطالب تصفية ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية، لنزع هذا السلاح القادر على تحييد القوة الإسرائيلية وخاصة سلاحها الجوي من أيدى إيران، حيث يعتقد الإسرائيليون أن الصواريخ الإيرانية أحدثت انقلاباً جذرياً فى توازن الردع التقليدي حيث نقلت، وللمرة الأولى، الصراع من خارج إسرائيل إلى عمق الكيان الإسرائيلي، ونزعت قرار وقف الحرب من أيدى إسرائيل وجعلته بالمشاركة مع الأطراف الأخرى في الصراع، فضلاً عن أنها جعلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية الهشة في مقدمة من سيدفع الأثمان الباهظة لأى حرب، لكن الأهم أن صواريخ إيران جعلت من إيران “دولة جوار” لكيان الاحتلال، سواء بتمكين “حزب الله” وفصائل المقاومة في غزة من امتلاك صواريخ قادرة على التدمير في العمق الإسرائيلي، أو بتمكين إيران من الوصول مباشرة إلى العمق الإسرائيلي بصواريخها المطورة القادرة على الوصول بكفاءة إلى أي مكان في العمق الإسرائيلي. أما المطلب الثالث فهو إعادة إيران إلى داخل حدودها، وتصفية مشروعها الإقليمي وإنهاء أي وجود لها في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

مشكلة إسرائيل أنها لا تجد من يتوافق معها مع كل هذه المطالب مجتمعة، وأن وجدت فإن من يؤيدها لا يملك القدرة على فرضها ليس فقط لغياب القدرة على ذلك سواء بأدوات عسكرية أو غير عسكرية، بل وأيضاً لتعارض المصالح، أى لوجود شبكة كبيرة من المصالح مع إيران وشركاءها تحول دون تحقيق ذلك، وفوق هذا كله أن إيران بقدراتها تملك القدرة على التحدي وبتحالفاتها الإقليمية وأيضاً بتحالفاتها الدولية تستطيع إفشال أي مسعى من هذه المساعي، وهذا ما يجعل إسرائيل تجدد، بين حين وآخر، طرح شعار “الاعتماد على النفس” لتحقيق الأهداف، والتلويح بالخيار العسكري لتدمير قدرات إيران النووية والعسكرية.

ففي كل مرة اصطدمت فيها تلك المطالب الإسرائيلية، وبالتحديد الدعوة إلى اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران، برفض من الحلفاء وخاصة الحليف الأمريكي كانت إسرائيل تلجأ إلى التلويح بخيار “الاعتماد على النفس” على نحو ما يثرثر هذه الأيام بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية وهو يخوض معركة الانتخابات العامة التي ستجرى يوم الثلاثاء المقبل (23 مارس 2021)، بسبب عدم تجاوب الإدارة الأمريكية مع هذا الخيار العسكري، ولا حتى مع دعوة عدم العودة الأمريكية إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015 مع إيران.

إحباط بنيامين نتنياهو الذي عبر عنه في الاجتماع الإستراتيجي المهم الذى جمع القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية للرد على عدم تجاوب الرئيس الأمريكي جو بايدن مع المطالب الإسرائيلية يوم 22 فبراير الفائت لم ينافسه غير إحباط تساحى هنجبي وزير شئون الاستيطان الإسرائيلي الذى وصل إلى خلاصة مفادها أن “الولايات المتحدة لن تهاجم المنشآت النووية الإيرانية أبداً” وأن على إسرائيل “أن تقرر ما إذا كانت ستشن مثل هذه الضربة بمفردها أم ستتصالح مع جمهورية إسلامية نووية”.

لسوء حظ تساحى هنجبي أن الرد جاء حاسماً بـ “لا” قاطعة، ومن شخصية إسرائيلية مركزية في صنع القرار الإسرائيلي الاستراتيجي وهو “تامير باردو” الرئيس الأسبق للموساد الإسرائيلي الذى صدم تيار التشدد الإسرائيلي عندما أكد، في حوار نشرته صحيفة “هآرتس” (10/3/2021)، أن “الولايات المتحدة وإيران ستعودان إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015 بغض النظر عن معارضة الحكومة الإسرائيلية”، وعندما طالب إسرائيل “أن تتصرف كما ينبغي وفق حجمها” .. لكن الأهم هو النصيحة الغالية التي قدمها لإسرائيل بعدم المغالاة في مطالبها وتجاوز مصالح وإرادة حلفائها الكبار.

فقد طالب إسرائيل “ألا تلعب مع القوى الكبرى نظراً لأن لديها قدرات، لكنها قدرات دولة صغيرة، وهى فى النهاية تحتاج أن تعترف بوضعها” وزاد بقوله “إذا صرح القادة الإسرائيليون بأنهم سيتصرفون بمفردهم ضد الجميع، فلن تحصل إسرائيل على شيء فيما يتعلق بالتأثير على التطورات”.

هل سيعي قادة الكيان الإسرائيلي أن اللهاث من أجل المستحيل يمكن أن يبدد فرص تحقيق الممكن من الأهداف؟

سؤال يعجز قادة هذا الكيان عن تدبر معانيه طمعاً دائماً في تحقيق المستحيل أو على الأقل توظيفه دعائياً في الصراعات السياسية الداخلية على نحو ما يفعل نتنياهو الآن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى