أصداءأقلام الكتاب

الطَّـفْـوُ والغَـرَق..

السفيـر/ معـصـوم مـرزوق

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

 

الطَّـفْـوُ والغَـرَق..

 

يمكن أن يتحدث المرء في السياسة بلا توقف أو حدود ، لأن بحرها عميق وتجتاحه الأنواء والمتغيرات المتتالية ، وحتى عندما يجف ذلك البحر ، ويتحول إلى مستنقع صغير من المياه الضحلة ، فإنه يظل متاحا للسباحة أو ”البلبطة” ، ويمكن للمتقعّرين طول الوقت أن يجدوا في قوانين الطّفو ما يسمح لهم بالبقاء على السطح يرتفعون كلما ارتفع الموج وينخفضون كلما انخفض ، بل ويمكنهم السكون إذا سكن

لذلك لا يصعب العثور على ”خبراء إستراتيجيّين” على كل لون يرشرشون ماء السياسة أو الحياء في كل اتجاه ، أو يسبحون كالطحالب على سطح السلطة السياسية يفسرون ويبررون، حتى وإن قالوا الشيء وعكسه.

أما بحر الإقتصاد فهو أشد عمقا وغموضا، رغم أنه لم يسلم من بعض ”الإستراتيجيّين” سالفي الذكر ، حيث يمكن أن يتهور أحدهم فيعلن عن أن العمل يجري على قدم وساق لتوليد الكهرباء من حركة ذيول الكلاب والقطط في الشوارع ، أو استخراج البنزين من لحاء بعض الأشجار ..الخ، إلا أن الغالبية العظمى من دهاقنة السياسة يحرصون على تفادي التورط في هذا الموضوع العويص.

وغني عن الذكر مدى الإرتباط اللازب ما بين السياسة والاقتصاد ، وأهمية أن يلم المسئول بقدر وافر منهما كرصيد ابتدائي للعمل العام ، مع أهمية إدراك أن كلاهما عِلْمان ، يحتاجان إلى درس وتحصيل ووعي.

هناك من يتحدث بحماس عن ”الإقتصاد الحر” ثم يطالب بالسيطرة على الأسعار ، دون أن يدرك أن الإقتصاد الحر يعني باختصار تحرير الأسواق من تدخل الدولة ، وإلغاء الدعم ، وكذلك كل البرامج الإجتماعية ، بحيث يتم الإعتماد فقط على يد خفية تعمل على تحقيق التوازن في الأسواق وفي المجتمع.

وهناك من يذهب إلى جانب آخر ، فيطالب بخصخة القطاع العام ، مع الإبقاء على الإقتصاد الإشتراكي في شكل الإبقاء على الدعم ، وضمان كفالة الدولة لبرامج إجتماعية تشمل قطاعات إستراتيجية مثل التعليم والصحة.

وقد حاولت بعض الدول أن تتبنى نظاما ثالثا يجمع بين النظامين السابقين ، على أساس تلافي عيوب كل نظام ، والاستفادة من مميزاته ، بما يمكن أن نطلق عليه إسم ”الإقتصاد المختلط” أو ”الهجين ”Hybrid Economy ، ولكن فاتهم أن الليبرالية الجديدة في نظرية الدولة الحامية لا تقبل بأدنى تدخل للدولة في الإقتصاد ، بينما يؤمن الإشتراكيون بأن الحرية المطلقة لرأس المال تعني مباشرة نشوء أوضاع استغلال تترتب على علاقات الإنتاج نفسها.

أي أن تلك الأفكار والتطبيقات لنظرية الإقتصاد المختلط أو الهجين تشبه في حقيقة الأمر محاولة قيادة حصانين ينطلق كل منهما عكس اتجاه الآخر !!..

ولكي لا تكتفي المجتمعات بقوانين الطفو التي يبشر بها سدنة الفضائيات من الخبراء الإستراتيجيّين ، فمن الضروري التمسك بالعلم حتى تتفادى تلك المجتمعات حتمية الغرق في بحور التيه العميقة..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق