أصداء وآراءأقلام الكتاب

العودة للمدارس بين جاهزية بعض المدارس الخاصة وعجز المدارس الحكومية !..

الكاتبـة/ فاطـمة بنت خلـفان المعـمرية

العودة للمدارس بين جاهزية بعض المدارس الخاصة وعجز المدارس الحكومية..

‏‎من المؤمل أن يبدأ أبناؤنا الطلبة والطالبات الانتظام في مقاعد الدراسة للعام الدراسي 2020/2021 في الأول من نوفمبر  القادم في ظل ظروف يكتنفها شيء من الغموض، بسبب ما يجتاح العالم من جائحة كورونا (كوفيد 19)، وما ألقت به هذه الجائحة من ظلال ثقيلة جداً على الحكومات والشعوب والمؤسسات الحكومية والخاصة، وأصبحت معها ترزح بقيود ثقيلة تكاد تشل حركتها، ومن هذه المؤسسات المؤسسة التعليمية التي أُجْبِرَت أكثر من مرة بسبب هذا الوضع إلى تأجيل بَدْء العام الدراسي في جميع بلدان العالم، إحترازاً على فلذات الأكباد، وسعيا نحو استقراء ما ستؤول إليه هذه الجائحة في قادم الأيام من أجل توفير بيئة تعلم آمنة للطلبة، ونحن في سلطنة عمان لسنا بمعزل عن العالم، حيث تعمل الحكومة جاهدة مشكورة بجهود جبارة من أجل تأمين بَدْء العام الدراسي في ظروف صحية آمنة، إلا أن هذا الأمر يتطلب تكاتف جميع المؤسسات الحكومية والخاصة.

بلغ عدد المدارس الحكومية في السلطنة في العام الدراسي (2019م / 2020م) 1166 مدرسة حُكومية حسب ما نُشر في جريدة الوطن بتاريخ 26/8/2019م، أما عدد المدارس الخاصة حسب ما نشرتهُ جريدة الرؤية يوم 18 نوفمبر 2018م 636 مدرسة خاصة، و عدد مدارس التربية الخاصة فهي 3 مدارس.

‏‎إعتمدت رؤية عمان 2040 على ثلاثة محاور رئيسية هي : أولاً الإنسان والمجتمع، ثانياً الإقتصاد والتنمية، ثالثاً الحوكمة والأداء المؤسسي .. ومحور الإنسان والمجتمع قائم على ثلاث ركائز أهمها : ركيزة تطوير الكفاءات والقدرات الوطنية .. وتطوير الكفاءات والقدرات الوطنية لابد أن يقوم على أُسس قوية وربما المدارس هي المرحلة الأولى للقدرات الوطنية لكي تُصقل وتتهيأ للتطوير، فإذا كانت المرحلة الأولى قائمة على المدارس إذن لابد أن تكون تلك المدارس مُهيأةً لصقل تلك الكفاءات بِكل ما تحتويه من مرافق كالفصول الدراسية  والأثاث المدرسي والمُختبرات العلمية والعملية والساحات الرياضية، ومَظلات قوية وحمامات خاصة بالهيئة الإدارية والتدريسية، وأُخرى خاصة بالطلبة والطالبات، ومجهزة بقاعات الحواسيب وأجهزة النسخ والسحب .. أي بشكل عام لابد أن تكون المدرسة معدة ومستعدة لتكون بيئة قادرة على إعداد الطالب إعداداً متكاملاً ليكون مستعدًا لعمليات التطوير والصقل المعرفي.

‏‎ولكن .. الواقع التربوي مختلف عن الصورة الوردية الحاضرة في أذهان جميع من لم يرَ الواقع المدرسي للمدارس الحكومية، نعم نحن لا نُنكر جهود وزارة التربية والتعليم في بناء وتأسيس عدد من المدارس بشكل جميل ونموذجي ليتوافق مع رؤية 2040، ولكن هذا المقال خصصتهُ للمدارس ذات المباني القديمة والمدراس متوسطة القدم ذات الجدران الحزينة والأرضيات المتعبة، وغير ذلك؛ إنها حزينة ومتعبة نظراً لعدم حصولها على الإهتمام والرعاية الكافية من حيث إعادة البناء أو الترميم أو الصيانة، رغم قيام وزارة التربية والتعليم مشكورة بجهود وسعي حثيث في هذا الجانب، إلا أن ذلك الجهد يبقى غير كاف نظراً لقلة المبالغ المخصصة لبنود الصيانة والترميم، كما أن هذه المدارس لا تحصل إلا على حصة كافية من استبدال الأثاث القديم الذي استخدم لسنوات طويلة، رغم جهود الهيئات الإدارية والتدريسية في تحسين أوضاع تلك المدارس إلا أن الأمر في بعض الأحيان يفوق إمكانياتهم المادية، وفي ذات الوقت نجد بأن كثيراً من هذه المدارس لها نصيب الأسد في أعداد الطلبة والطالبات نظرا للكثافة السكانية العالية التي تقع المدارس في نطاق منطقة سكناها، وهناك أمثلة كثيرة لمثل تلك المدارس وربما أنها تُمثل نسبة ليست بالقليلة من إجمالي عدد المدارس الحكومية.

نعم نتمنى بل نرجو عودة الطلاب لمقاعد الدراسة ولكن نتطلع إلى أن نشهد جاهزية متكاملة في المدارس الحكومية أسوة ببعض المدارس الخاصة التي تشهد حركة نشطة جداً في الإستعداد لِبَدْء العام الدراسي من حيث تأمين الإجراءات والتدابير الاحترازية لطلابها والعاملين بها من فايروس كورونا (كوفيد 19)، بالإضافة إلى توفير بيئة مدرسية متكاملة من حيث التجهيزات الضرورية من فصول نظيفة مكيفة، ومكتبات زاخرة بالكتب والمراجع، ومختبرات تتوفر فيها وسائل وأجهزة علمية متطورة، وأنشطة تعليمية وترفيهية داخلية، ومقاهٍ نظيفة وغير ذلك…

ويدور في أذهاننا تساؤل نطرحه ليس فقط على وزارة التربية والتعليم، ولكن على جميع مؤسسات المجتمع المحلي حكومية وخاصة معنية بقطاع التعليم العام : لماذا لا يستطيع طلابنا العودة للمدارس كبقية الدول الأخرى مع أخذ التدابير اللازمة التي من شأنها أن تؤمن عملية التباعد الجسدي بين الطلبة وكذلك العاملين في المدارس الحكومية ؟!

قد يقول قائل : بأن السبب قد يرجع إلى الكثافة الطلابية بالمدارس، فقد يبلغ عدد الطلبة في الصف الواحد أكثر من 35 طالباً وطالبة، مما يجعل اتخاذ هذه الإجراءات الإحترازية أمراً ليس سهلاً على خلاف الوضع في حال وجود عدد بسيط من الطلبة في الصف الواحد، إلا أن هذا الأمر يجب أن يحظى باهتمام أكبر وأوسع ذلك أنه مرتبط بقضية إستراتيجية تنموية بالوطن، ويجب أن يكون ذا أولوية وتُسَخَّرُ له كافة الإمكانيات والسبل من القطاعين الحكومي والخاص.

‏‎هناك الكثير من المدارس الحكومية التي تحتاج إلى إجراء صيانة كاملة أو ترميم شامل، كما أن هناك مدارس تحتاج إلى هدم وإعادة بناء، ناهيك عن ضعف أداء الأجهزة الضرورية كالحواسيب والآلات إلى درجة أن المعلمين والمعلمات يلجأون إلى توفير ما يحتاجونه من خارج الحرم المدرسي، إيمانا منهم برسالتهم التربوية النبيلة التي لا يجب أن يقف شيء في وجه تحقيقها.

من المؤكد بأن المدارس الحكومية قد رفعت إحتياجاتها الأساسية في البناء المدرسي، ولكن الوزارة في ظل الوضع المالي الراهن قد تضطر أحيانا إلى تأجيل الرد لعدم توفر الموازنة المالية الكافية لتلبية هذه الاحتياجات، رغم أن تلك المطالبات جميعها تنصب لمصلحة الطالب، وحرصاً على سلامته.

‏‎تعاني مدارسنا اليوم كثافة عالية وبخاصة في المخططات ذات الكثافة السكانية المرتفعة، مما جعل الوازرة تلجأ الى تشغيل المدارس بفترتين صباحية ومسائية لاستيعاب تلك الأعداد، في الوقت الذي كان التوجه فيه إلى إلغاء مدارس الفترة المسائية وفق خطة زمنية لدى الوزارة، إلا أن الوضع الحالي ومعطياته أجبرت الوزارة إلى إجراءات لا تخدم تحقيق ذلك في الوقت الراهن، وعوداً إلى تشغيل المباني المدرسية فترتين فقد أدى ذلك إلى الضغط على المرافق المدرسية بشكل كبير، فقد تكون المدرسة جديدة ولكن هذا الضغط المتواصل أدى إلى تهالك وضعف تلك المرافق المدرسية.

‏‎ومن جهة أخرى يتم إنشاء مدارس جديدة بكل المرافق المدرسية وعدد لا يحصى من الصفوف الدراسية، بينما الموقع السكاني الذي تم بناء المدرسة فيه ذو كثافة سكانية قليلة جداً، بحيث أنها لا تحتاج إلّا إلى تشغيل عدد بسيط من الصفوف الدراسية وهذا نجده في المناطق البعيدة والجبلية في السلطنة.

نعم نحن مع إنشاء مدرسة ولكن تكون مناسبة مع الكثافة السكانية في تلك المنطقة، لأن الحاجة ماسة وضرورية هناك في مناطق سكانية عالية الكثافة وتفتقر لوجود مدرسة جديدة مجهزة بكافة المرافق المدرسية.

‏‎فكيف تستطيع المدارس الحكومية إستقبال طلابها وهي تعاني من مشاكل أساسية متراكمة من سنوات سابقة، وفي ذات الوقت نجد إدارات المدارس يُطلب منها وبشكل عاجل تهيئة تلك المدارس ذات المشاكل المتراكمة لتكون مهيأة ومناسبة لتفعيل الإجراءات الاحترازية الخاصة بكورونا (كوفيد-19) ؟!!

الحقل التربوي يعاني من واقع مختلف عن الخطط الوردية التي يتم كتابتها في أوراق بيضاء ويتم طباعتها بآلات عالية الجودة.

‏‎ويبقى التساؤل مطروحاً : كيف يمكن الإستفادة من تجارب بعض المدارس الخاصة التي تتمتع بجاهزية جيدة لاستقبال الطلبة، ويقابله ضعف الجاهزية في المدارس الحكومية ؟..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى