أصداء وآراء

الغزو التوراتي المتكرر للبتراء الأردنية : ما الحكاية ؟! وما هو المخطط ؟! وما هي الأهداف ؟!..

 

الكاتـب/ نَـوّاف الـزَّرو

باحـث خبيـر في الصـراع

العربي الإسرائيلي – الأردن

 

 

الغزو التوراتي المتكرر للبتراء الأردنية : ما الحكاية ؟! وما هو المخطط ؟! وما هي الأهداف ؟!..

 

وفقا لتقرير بثته قناة الغد الاردنية مؤخرا، فقد شهد جنوب الاردن أزمة بسبب “دخول مجموعة من المستوطنين الصهاينة لمقام النبي هارون في البتراء وأقاموا طقوسا دينية، وسبق ذلك اعلان بالنص التالي : “إحجز تذكرتك في اكتوبر المقبل إلى مدن الأجداد في إسرائيل الكبرى ، وتمتع بحرية الطقوس الدينية”، وقد تم الترويج للإعلان في الولايات المتحدة لاستقطاب يهود أمريكا.

وقبل ذلك تسبب مستوطنون يهود بـصدمةٍ في الأردن بعد إقامة طُقوس دينيّة يهوديّة في صحن مدينة البتراء : وأجريت تحقيقات بالجُملة في عدّة وزارات ومؤسّسات .. ووزير الأوقاف يقرّر حينها إغلاق مقر “النبي هارون”.

بينما أثار فيلم ”جابر” ضجة كبيرة، فطالبت نقابة الفنانين الأردنيين، من الفنانين عدم المشاركة في فيلم “جابر” الأمريكي، الذي يدّعي أحقية اليهود بمدينة البتراء وجنوب الأردن وفلسطين، ودعتهم للإنسحاب منه حتى تتجلّى الصورة عبر قراءة معتمدة للنص، “القدس العربي 2019-7-28”.

إذن، نحن أمام اقتحامات صهيونية مبيتة للمنطقة، إدعاءات توراتية مزعومة بأن هذه المدينة وغيرها هي مدن الآباء والأجداد عندهم….؟!.

فما الحكاية هنا….؟!.

والى أي مدى سيذهب الصهاينة في مزاعمهم واقتحاماتهم….؟!.

وماهي قصة فيلم “جابر” الذي كشف النقاب عن نواياهم المبيتة….؟!.

تبدأ قصة الفيلم ”جابر” في وادي موسى أثناء أعمال بناء طريق تؤدي إلى مدينة البتراء، حيث يكتشف صبي بدوي (يقوم بدوره محمد إدريس) بين أنقاض جابر قطعة من الصخور القديمة مكتوب عليها باللغة العبرية؛ يؤدي هذا الاكتشاف إلى رحلة اكتشاف ومغامرة حول القصة التوراتية وحول هجرة اليهود مع موسى من مصر، وهذا يعني تأكيداً لنظرية مثيرة للجدل كتبتها الدكتورة لويز ليغينز، بأن موسى أحضر يهوده إلى البتراء بدلاً من جبل سيناء، حيث أمضوا 40 عاماً قبل الانتقال إلى فلسطين…الخ – “القدس العربي 2019-7-28”!!.

إن انتشار الجدل الأردني حول فيلم “جابر” الذي يسعى لتزوير تاريخ الأردن ومنحه للرواية الصهيونية المزيفة طبيعي ، بل ويجب أن يصل الى كل المستويات، فالأردن مستهدف كما فلسطين  تماما، والأمر هنا ليس جديدا، فهناك الكثير الكثير من الأدبيات والمخططات الصهيونية التي تدّعي “أن الأردن جزء لا يتجزأ من أرض اسرائيل”.

ففي سياق الحرب الهستيرية على الوجود الفلسطيني  المنتشر في انحاء الوطن الفلسطيني، يتأجج الجدل في اروقة الليكود الصهيوني بين آونة واخرى حول “الاردن والوطن البديل” وحول “اسرائيل الكبرى”، ومرة اخرى تتعالى الأصوات داخل الليكود مطالبة بالعودة الى برنامج جابوتينسكي “ضفتان للاردن” والذي يعتبر عمليا الاردن جزء مما يسمونها بـ”أرض اسرائيل” والتي تشمل فلسطين التاريخية والأردن، وهذه الاصوات ليست يتيمة او منقطعة الجذور والامتدادات، بل هناك مطالب قوية بان تتبنى قيادة الليكود هذا البرنامج كما قال ايتاي هارئيل، مؤسس البؤرة الاستيطانية “مجرون” لموقع “واينت”، موضحا : ”أن طريق جابوتنسكي “ضفتان للاردن” هي الطريق المناسبة له ولكن يجب الاهتمام بأن تسير قيادة الحزب في هذا الطريق”، ولا يخفي هارئيل، انه موجود في الليكود لكي يؤثر على برنامجه وخطواته السياسية، بكل ما يتعلق بالاستيطان والمستوطنات.

جابوتنسكي والدولة اليهودية على ضفتي الأردن!!..

ويذكر وزير الحرب الاسرائيلي الاسبق موشيه أرنس في هآرتس 2/2/2010- بجابوتنسكي تحت عنوان “يوم التمرد” قائلاً : ”في شهادة أمام لجنة بيل في لندن في الحادي عشر من شباط 1937، قال فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، أن هدف الصهيونية هو انشاء دولة يهودية على جانبي نهر الاردن؛ دولة يكون فيها مكان “للسكان العرب وذريتهم ولملايين اليهود”، كان عدد سكان الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل في تلك الايام نحواً من 400 ألف نسمة”، مضيفا : ”تبين بعد الحرب للقادة الصهاينة، انه فضلا عن انه لا يوجد ما يكفي من اليهود لإنشاء أكثرية يهودية صلبة في ارض اسرائيل – وهذا شرط لإنشاء دولة يهودية غرب الاردن وشرقه – لن يكون قدر كاف في الهجرة اليهودية المتوقعة لإنشاء أكثرية هكذا حتى في المنطقة غرب الاردن”.

فحينما يصر الليكوديون المتشددون في الخريطة السياسية الاسرائيلية بين آونة واخرى على استحضار شعارهم  الجابوتنسكي ”ضفتان للاردن”، فإن المسألة إذن ليست عفوية، وليست لمرة واحدة، وليست ردة فعل أبدا، بل هي برنامج سياسي معزز بالأيديولوجيا الصهيونية والتوراتية، لذلك لم تكن عملية “اقتحام الحدود الاردنية في الثاني والعشرين من كانون اول/2011 على يد مجموعة من المستوطنين المتطرفين” عفوية وبدون مناخات ايديولوجية وسياسية ناضجة، ففي الخلفية كم هائل من الادبيات السياسية والتوراتية  التي تزعم ان “الاردن جزء من ارض اسرائيل”، و ”أن الدولة اليهودية كان يجب ان تقام على ضفتي الاردن”، و ”أن الوقت لم يفت على  مثل هذه الدولة”…!

فرئيس الكنيست الاسرائيلي السابق روبي رفلين كان أعلن “أن قيام “دولة إسرائيل على ضفتي نهر الأردن هدف قابل للتحقيق الآن أكثر من أي وقت مضى”، وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت- ذكرت ”إن مراقبين سياسيين في إسرائيل رأوا أن تصريحات ريفلين تعني أن تل أبيب تعتبر أرض الأردن أرضا إسرائيلية، وأنه لا يجوز التفريط بها أو التفريط بالضفة الشرقية”، وأفادت الصحيفة “أن تصريح ريفلين كان للرد على رئيس الدولة “شيمون بيريز” الذى قال : “إن أمنية زئيف جابوتنسكى، أحد مؤسسي الحركة الصهيونية، بقيام دولة إسرائيل على ضفتي نهر الأردن أصبحت صعبة التحقيق”، وأكد بيريز خلال الجلسة أن “جابوتنسكى كان يحلم بدولة يهودية على ضفتي نهر الأردن، وأن هذا الحلم كان حلما كبيرا بالنسبة لنا، ربما أكبر من الحياة والزعماء قد يرتكبون أخطاء كبيرة أحيانا”، وفى رده عليه قال رفلين : “إن أمنية جابوتنسكى بقيام دولة إسرائيل على ضفتي نهر الأردن تصلح اليوم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ إسرائيل”، مضيفا بأن “جابوتنسكى لم يكن مخطئا”.

وكذلك كانت دعوات سابقة صدرت من الكنيست الإسرائيلي لمطالبة الحكومة بعدم “التنازل عن جزء من أراضيها”، معتبرة أن “الأراضي الواقعة غرب وشرق ضفتي نهر الأردن هي جزء لا يتجزأ من أرض إسرائيل الكبرى”.

نتنياهو في كتابه “مكان تحت الشمس”..

ونتنياهو يزعم في كتابه “مكان تحت الشمس” مثلاً : ”أن اسرائيل نفذت سنة 1948 قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الصادر بعد تسعة عشر سنة في تشرين ثاني/ نوفمبر 1967، وذلك بتخليها عن الضفة الشرقية لنهر الأردن .. وأن هذه الضفة هي حصة الفلسطينيين من فلسطين، تنفيذا للقرار المذكور..؟.

ويستحضر نتنياهو الماضي الاستعماري مذكرا أنه قد “تم في فرساي التعهد لليهود بإقامة دولة في فلسطين، وشمل الوطن القومي آنذاك ضفتي نهر الأردن .. هذه المنطقة التي تسمى أرض إسرائيل الانتدابية .. تشمل أراضي دولتي الأردن وإسرائيل اليوم..”، ويرى أن بريطانيا التي كلفت بالانتداب على هذا الوطن القومي لليهود قد تراجعت عن التعهدات التي أخذتها على عاتقها بموجب وعد بلفور…ففي عام 1922 انتزعت بريطانيا شرق الأردن من الوطن القومي لليهود، وبجرة قلم واحدة انتزع من الأراضي المخصصة للشعب اليهودي ما يقارب 80% من هذه الأراضي، وتم إغلاق شرق الأردن بكاملها في وجه لاستيطان اليهودي حتى يومنا هذا. ص109″، ويزعم : ”أن البريطانيين اقتطعوا الأردن من أرض إسرائيل، وقدموه هدية للعرب ليكسبوا ودهم، وبذلك ”تقلص الوطن القومي اليهودي إلى ثلث مساحة فلسطين”، ص121.

لنجد انفسنا أمام خريطة سياسية إسرائيلية تمتد مساحتها الحزبية لتشمل الليكود وتفريخاته اليمينية، وامام برامج سياسية يجمعون عليها مسعورة تتطلع ليس فقط  لابتلاع فلسطين من بحرها الى نهرها، وانما لابتلاع الضفة الشرقية برمتها ايضا…!.

الوحدة الوطنية – الحصن المنيع..

لكل ذلك، نعتقد بقناعة راسخة أن الوحدة الوطنية الاردنية تبقى الحصن المنيع الذي تتحطم عليه البرامج والاجندات والاهداف الصهيونية. فالأطماع الصهيونية في الأردن ليست جديدة، وما انفك العدو الصهيوني عن محاولة ضرب الوحدة الوطنية في الأردن، وعندما تداعى الأردنيون في لجنة الميثاق الوطني التي ضمت مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية قدموا إجابات وافية لأسئلة الهوية والعلاقة الأردنية الفلسطينية، وموضوع الوطن البديل، فقد قرر الميثاق، في الفصل السابع منه، ضرورة “استمرار هذه العلاقة وتمتينها، في مواجهة الخطر الصهيوني العنصري الاستعماري الذي يهدد وجود أمتنا العربية وحضارتها ومؤسساتها ويستهدف الأردن مثلما استهدف فلسطين.

وفي مواجهة مشروع الوطن البديل، أكد الميثاق، أن الهوية العربية الفلسطينية هوية نضالية سياسية، وهي ليست في حالة تناقض مع الهوية العربية الأردنية، ويجب أن لا تكون، فالتناقض هو فقط مع المشروع الصهيوني الاستعماري، وكما أن الهوية الوطنية الفلسطينية هي نقيض للمشروع الصهيوني وتكافح من أجل هدمه، فإن الهوية الوطنية الأردنية من هذا المنظور هي أيضاً نقيض للمشروع الصهيوني وتحصين للأردن من مخططات الصهيونية ومزاعمها المختلفة.

وبهذا المفهوم يصبح الأردن وفلسطين حالة عربية واحدة، بنضالهما المشترك في التصدي للمخطط الصهيوني التوسعي ورفضهما الحازم لمؤامرة الوطن البديل.

وفي الخاتمة نؤكد أن الأدبيات والمخططات التي تستهدف الاردن لا حصر لها، ولذلك لا يتوهّمن أحد بأن الاردن خارج المخططات الصهيونية، ولكل ذلك : ألا تستدعي هذه المعطيات وغيرها الكثير من الاردن حكومة وبرلمانا اتخاذ قرار تاريخي يعتبر ”الصهيونية حركة عنصرية واجرامية…؟” و ”اسرائيل” العدو الرئيس للأمة…؟؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى