أصداءأقلام الكتاب

الـراهـن العـربي والـدولي بـزمـن المتـغـيـرات الكبـرى..

 د . عـبـدالحـي زَلّـوم

مستـشار وكاتـب وباحـث

 

الـراهـن العـربي والـدولي بـزمـن المتـغـيـرات الكبـرى..

 

صدقوني أننا نعيش أيام الرويبضة التي يُصَدَّقُ فيها الكاذب ويُكَذَّبُ فيها الصادق، ويُؤتمَنُ فيها الخائن ويُخَوَّنُ فيها الأمين ، وأننا نعيش في عالم يقف على رأسه ويفكر بقدميه، تحارب فيه الشرعية باسم الشرعية، ويقرر فيه صبي يتاجر بالعقارات مصير أوطان باسم سلام لن يكون بعده أيُّ سلام.

‏‏أينما تنظر في مشرق الوطن العربي وفي مغربه تجد في كل بقعة منه أزمة قابلة للإنفجار :

أمريكا تُدخِل إلى شرق البحر الأبيض المتوسط حاملتي طائرات بالإضافة الى 12 قطعة بحرية  تحت مسمى مناورات بحرية مع اليونان.

اليونان وتركيا كانتا على وشك الاصطدام العسكري على المناطق البحرية حيث النفط والغاز، وميركل تطفئ فتيل الانفجار.

العدو الصهيوني يخطط لخط غاز لنقل الغاز الفلسطيني المسروق إلى أوروبا، بحيث يصبح بعد إنشائه دخل الكيان الصهيوني السنوي من هذه السرقة 10 مليارات دولار.

في لبنان التي تتمتع بحارها بما لا يقل عن الغاز الفلسطيني المسروق، يتم تأخير إنتاج غازها ونفطها من الطبقة الفاسدة إياها، لتُبقي تلك الطبقة على احتكاراتها من الغاز ومشتقات النفط حتى لو كلف ذلك إفلاس لبنان وانهيار دولته وقطع كهربائه ومائه، ثم يقولون : إن المشكلة هي في سلاح المقاومة، وإن المطلوب هو الحياد.

الكيان المحتل يقصف في الدول العربية يمينا وشمالا، وعند مقتل عنصر من عناصر المقاومة يهتز كيانه مرتعداً كيف سيكون رد المقاومة اللبنانية. ‏

رئيس الأركان المشتركة للجيوش الأمريكية يزور فلسطين المحتلة لساعات فقط، ويجتمع مع رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس المخابرات الخارجية (الموساد).‏

خطر تعطيش 100 مليون مصري يأتي من الجنوب، وتجد القيادة المصرية أن الخطر على أمنها القومي يأتي من الغرب.

‏الأمريكي الجنسية خليفة حفتر يتحالف مع مصر (حليفة الولايات المتحدة) ضد حليفة أخرى للولايات المتحدة ‏وعضو في حلف النيتو (تركيا)، تجسيداً للمثل الشعبي (فخار يكسّر بعضه) أو كما قال كيسنجر عن الحرب الإيرانية العراقية : “في الحروب عادة خاسر ورابح، لكن في هذه الحرب يجب ان يكون خاسران”.

في لبنان نظام الطوائف والمذاهب على وشك الانهيار إلى غير رجعة يصاحبه إنهيار النظام المالي والاقتصادي الريعي الذي صممه ونفذه (أصدقاء الولايات المتحدة) بقيادة سياسيي الفساد إياهم الذين أوصلوا البلاد والعباد إلى الوضع الراهن وكما يقول المثل : (رمتني بدائها وانسلّت).

المال العربي والتكفيريون من 80 دولة حوّلوا سوريا من دولة ذات اكتفاء ذاتي بل ومصدّرة للغذاء والدواء والطاقة، إلى دولة منقوصة السيادة أراضيها في الشمال وفي الشرق محتلة وبنيتها التحتية محطمة، وكل ذلك ببترودولارات العرب وجهلهم، وأخطاء سابقة لنظام شمولي، نصف الشعب السوري تحت مستوى الفقر وليس له ما يخسره سوى فقره .

‏ العراق يطفو على بحر من النفط  وبحر من الماء والأنهار، ولا يستطيع تأمين الماء والكهرباء والهواء النظيف والوظائف لمواطنيه، بل ويرزح تحت مديونية تزداد يوما بعد يوم، بالرغم من إيراداته من تصدير النفط، وقد أهمل الزراعة والصناعة بالرغم من أراضيه الخصبة ومياه أنهاره، ووفرة عقول علمائه وسواعد شعبه.

في الضفة الغربية من فلسطين عصابة تعمل لخدمة الاحتلال، وغزة يحاصرها في قوت يومها الأشقاء قبل الأعداء.

النفط وعائداته البترودولارية خرجت ولم تعد ولن تعود، والعجوزات ونضوب الصناديق السيادية، وإرهاق كاهل المواطنين بالضرائب على قدم وساق، يخافون من بلد يؤمن بأركان الإسلام الخمسة ويتحالفون مع كيان وصفه القرآن الكريم بأنهم أشد عداوة للمؤمنين !!!.

وفي الوطن العربي أصبحت الخيانة وجهة نظر !!!.

‏على الصعيد الدولي :

الولايات المتحدة تتصرف كالثور الهائج، وهي تعاني من أزمة نظام على رأسه أحمق، لولا مطابعها للدولارات المزيفة بلا غطاء، لأعلنت إفلاسها قبل سنين، تعاني من أزمة صحية لم ترتق منظومتها الصحية الى مستوى دولة من العالم الثالث لمجابهة تلك الجائحة، إقتصادها في أزمة، يقول الخبراء الأمريكان : إنها غير مسبوقة أو على الأقل لا تقل عمقا عن أزمة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، بنت نظام العولمة وهي اليوم تهدمه بمعول العقوبات والرسوم الجمركية، خاضت حروبا ضد مقاومات هنا وهناك ولم تربح أي حرب منها، إستراتيجيتها الأساس التي قامت عليها كل سياساتها، هي سياسة طيف الهيمنة الكامل الأحادية القطبية على العالم قد تآكل وأصبح جزءا من الماضي، مدنها اليوم ولأطول مدة في تاريخها تشهد اضطرابات ومظاهرات بين فئات مختلفة من المجتمع، وبين بعض تلك الفئات والقوات الفيدرالية، وتبدو المدن وكأنها ساحات حرب يجوب شوارعها مسلحون من السود ومسلحون من البيض العنصريين، وينقسم المجتمع أفقيا وعموديا بشكل يذكّر وكأنه بداية حرب أهلية، بل وتعتقد أكبر صحيفتين أمريكيتين بأن رفض دونالد ترامب لنتائج خسارته في الانتخابات القادمة أمراً محتملا ً، لتصبح الديمقراطية الأمريكية شأنها شأن ديمقراطية زامبيا، فصار العالم بلا رأس، ويعيش في حالة اللانظام، وبين عصرين أحدهما يتهاوى وآخر في صعود.

في منطقتنا هناك محوران، محور الولايات المتحدة ورأس جسرها فلسطين المحتلة وأتباعهما، ومحور المقاومة الذي بدأ من إيران في ثورتها الإسلامية الإيرانية التي بدلتها من مشيخة وكلب حراسة إلى دولة ذات سيادة، فتذكّر (حلفاء) الولايات المتحدة فجأة، بأن ايران يسكنها فرس ومجوس، وأن ديانتهم هي الكفر بعينه، وأن اليهود محتلي المسجد الأقصى هم أبناء عمومتنا، وكأنه اكتشاف يعوضهم عن البحوث العلمية والولوج إلى الفضاء، ونسوا أن تحرير الأقصى بل أي بلد محتل هو فرض عين على كل مسلم.

أما الكيان المحتل نفسه، فهو مأزوم كما لم يكن يوما منذ نشأته، فنظامه السياسي وتكوينه الديمغرافي قد أوصله إلى طريق مسدود، لم يستطع خلال سنتين من مجرد تكوين حكومة.

ووصل الجهلة من ذلك المجتمع ليصبحوا الأكثرية التي توجه دفة الدولة، وعلى رأسها فاسد مرتشي سيء الأمانة حسب وصف قضية الشرطة ضده، ويقف الشعب اليوم مطالبا بعزله، ويرسل حزبه عصابة المافيا التابعة له للاعتداء على المتظاهرين تماماً.

كان الكيان يزمجر ويختال تيهاً بأن يده الطولى تصل إلى أي مكان، وكانت حروبه يتم حسمها خلال ساعات ضد دول فأصبحت تحسم ضده خلال شهور، عقيدته العسكرية أصبحت من الماضي والتي كانت تعتمد على الحروب القصيرة ودائما في أرض العدو، فأصبحت اليوم حروبا طويلة تطال كل بقعة في أرضه المحتلة، وأصبحت كلفتها أكبر مما يستطيع أن يتحمل، بحيث إن كلفتها ستسبب أيضا هجرة معاكسة لنصف شعبه إلى حيث أتى، إذ ما زال يحتفظ بجوازات سفر بلدانهم الحقيقية التي هي ليست فلسطين.

عندما ننظر إلى هذا المزيج أو الخليط العجيب من التناقضات في دول فاشلة أو شبه فاشلة في منطقتنا وننظر إلى كل هذه التناقضات، يترائى للمرء أن احتمال خروج الأوضاع عن السيطرة هو أمر محتمل، أما لو أردنا تحليل الموقف بشكل موضوعي، فالمحور الأمريكي الصهيوني وتوابعه مأزوم وليس في مصلحته أن يخوض حربا، وهناك أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية في العنصرين الرئيسيين في ذلك المحور، أي الولايات المتحدة وفلسطين المحتلة، الذي يقبع 10 آلاف جندي من جيشها النظامي تحت الحجر الصحي، فهم يريدون الحرب لكنهم يخشونها .. أما المحور الصاعد الآخر الذي استطاعت دولة المحور المحلي الرئيسية (إيران) أن تتشارك معه استراتيجياً، فهو لا يخشى الحرب، لكنه لا يريدها، خاصة وأنه يعتقد أن الوقت يسير في صالحه.

غبار الركام ودخان حرائق الحروب قد يحجب الرؤيا للمستقبل، بل وقد تغطي عليها السوداوية، فإذا أخذنا صورة فوتوغرافية للمشهد اليوم، فهي لا تسرّ، لكن لو قسنا التغييرات خلال ربع قرن، نجد أننا بين عصرين ، دعني أسمي أحدهما عصر مجزرة “قانا”، والآخر الوضع اليوم، أراد شمعون بيريز أن يقوي حظوظه الانتخابية سنة 1996 كرجل الأمن القوي، فقصف أحد مراكز قوات الأمم المتحدة، وقتل وجرح 216 لبنانياً حمل منهم 18 لقب (مجهول الهوية)، إذن كانت أرواح اللبنانيين لا تساوي نقطة في معركة انتخابية لدولة الاحتلال.

اليوم في 2020 بعد ربع قرن، أصبحت إصابة لبناني واحد إسمه علي كامل محسن تهزّ كيان الإحتلال، ويحلف الإحتلال ألف يمين أنه لم يقصد إصابته، ويوسّط الوساطات ويبرر أنه لم يكن يعلم بوجوده.

هكذا أصبحت قيمة اللبناني اليوم، بما في ذلك اللبناني الذي يُحارب، ذلك التغيير الذي جعل من قيمته إنساناً بعد أن كان صفراً.

كذلك كانت الولايات المتحدة تُدافع عن حق (إسرائيل) بالدفاع عن نفسها.

وتعليقاً على حرب إسرائيل على نفسها في مزارع شبعا مؤخراً، أصبحت أمريكا تدافع عن حق (إسرائيل بالدفاع عن أوهامها)، وانحدرت بذلك إلى هذا الدرك الأسفل من التبعية إلى الصهيوأمريكية ورأس جسرها في فلسطين، كان وكلاء الولايات المتحدة في المنطقة (وكذلك حكام الكيان المحتل) يخادعون ويناورون، فانكشف القناع عن وجوههم.

فهل نحن في وضع أفضل مما كنا فيه ؟

الجواب واضح، وميزان القوى يسير بثبات نحو من أحدثوا هذه التغييرات خلال ربع قرن فقط، وهي كلمة من ثمانية حروف ( ا ل م ق ا و م ة )، وهي مشروع ليس حزب الله سوى أحد أركانه.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق