أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الـطـلاق بـلا تـريـاق..

رحمة بنت مبارك السلماني

 

الـطـلاق بـلا تـريـاق..

 

كتبت مقال (الطلاق آفة العصر)1 قبل خمسة عشر عاماً تقريباً، وكانت معدلات الطلاق آنذاك لم تصل إلى ما وصل إليه الوضع الآن، وخلال الأسبوع الفائت طلبت مني إحدى الأخوات أن أكتب عن المشكلات الزوجية التي تؤدي إلى الطلاق وتبعاته، والتطرق إلى التغييرات التي جرت على الحياة، والمستجدات التي ساهمت في ارتفاع معدلات الطلاق، وتضخم حجم المشكلة.

في واقع الأمر أن الموضوع مقلق وبحاجة إلى وقفة جادة بالفعل، وضرورة التركيز على أبعاده وآثاره على المجتمع، وإيجاد بعض الاجراءات الحازمة اللازمة للتقليل من حجم تلك المشكلة.

لقد أصبح الطلاق في الوقت الحالي أغرب الميول وأول الحلول وأحب الحلال وأفضل الجدال لدى بعض المتزوجين، الذين يتوهمون أنهم دائماً رابحين؛ لأنهم غير مستعدين للتضحية وغير مبالين بالخسائر.

ينظر الكثير من الناس إلى الحياة الزوجية على أنها مجرد تجربة تحتمل النجاح أو الفشل، رغم أن الطلاق في العادة لا يحدث صدفة؛ بل يقع نتيجة جملة من التراكمات، وسلسلة من المشاحنات والمنغصات، وعندما لا يحتمل أحد الزوجين أو كلاهما مواصلة الرحلة؛ نظراً لكثرة المطبات والصدمات؛ إلا أنه قد يحدث لأسباب واهية وغير منطقية (غير متوقعة) أحياناً؛ قد تختلف أسباب إنهاء الرباط المقدس، ولكن النتيجة واحدة وهي الطلاق غالباً مع وجود بعض الحالات التي تنتهي بالخُلْع، وكلاهما ينتج عنهما أسرة مفكّكة دائمة الصراع، وفي دوامة هائلة من المشكلات التي لا تنتهي، ويكون الضحية فيها والخاسر الأكبر هم الأبناء؛ ليتقاذفهم الأبوَيْن في اتجاهين مختلفين، أو قد يحرم أحدهما من الآخر كطريقة للانتقام وتصفية حسابات إرضاءً لبعض الغايات، وحتى إن انتهت العلاقة الزوجية بين الطرفين دون وجود أبناء فإن الخلاف والنزاع سيبقى قائم حتى بعد الانفصال، وقد يمتد ليشمل عائلتي الشريكين المنفصلين.

تكثر حالات الطلاق المبكر خلال الأشهر أو السنوات الأولى للزواج حيث يكون الأزواج في سن العشرين أو الثلاثين أحياناً، وذلك لعدم النضوج وقلة معرفتهم ووعيهم بالمعنى الحقيقي والمغزى الأساسي للزواج، والذي يتطلب الاهتمام والصبر والصراحة وتحمّل المسؤولية والتكامل والتضحية أو تقديم بعض التنازلات المنطقية من قبل كلا الطرفين، وحسن التعامل في أصعب الظروف، في المقابل فإن الاستهتار والإهمال والاستخفاف من قِبل بعض الأزواج، وقلة الصبر، وعدم التحكم في المشاعر وسرعة الغضب عند أتفه المواقف، الأمر الذي يؤدي إلى الإساءة والعنف وغياب ثقافة الحوار والتواصل والنقاش البنّاء، كل ذلك من شأنه أن يحوِّل العلاقة الزوجية إلى مجرد مظاهر ومصالح مادية مجردة من أية مشاعر إنسانية.

إن تهاون بعض الأزواج في إفشاء أسرار الحياة الزوجية وتفاصيلها بين الأصدقاء أو الأقارب يساهم في الكثير من الأحيان في زيادة توتر العلاقة الزوجية وسرعة تدميرها؛ حيث يتدخّل بعض الأطراف بين الزوجين بقصد حل الخلافات كالأصدقاء أو الأقارب أو الجيران أو زملاء العمل بحجة الخبرة أحياناً والتجربة أحياناً أخرى، ونتيجة لتقديرهم الخاطئ لبعض الأمور أو عدم معرفتهم الكافية بتفاصيل الخلاف، الأمر الذي قد يؤدي إلى توصيات أو نصائح سيئة وسلبية؛ ينتج عنها سوء تصرف أو اتخاذ قرارات خاطئة تؤدي إلى تفاقم الخلاف أو المشكلة، وربما قد توصلها لطريق مسدود، يصبح عندها الوصول إلى صلح أو اتفاق أمراً صعب المنال.

إن المغريات في الحياة كثيرة وكفيلة بالتأثير والسيطرة على حياة الكثير من الناس، خاصة أولئك الذين يهتمون بالماديات والقشور بالدرجة الأولى، فالكثير من الزيجات تفشل بسبب المشكلات المتعلقة بالأمور المالية، فمن السهل تأثر البعض بالآخرين ورغبتهم في تقليدهم ومجاراتهم في المظهر وأسلوب الحياة بأي شكل من الأشكال؛ حتى وإن تسبب ذلك في تورط الشريك في الديون والقروض، وذلك حتى لا يشعر الطرف الآخر بالنقص أو بأنه أقل من غيره في المستوى المادي أو الاجتماعي، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق تلك المشكلة وتضخيمها؛ نظراً لمغالاة بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي في عرض تفاصيل حياتهم للعامة، والتباهي بمظهرهم وأسلوب حياتهم واهتمامهم بالكماليات.

إن من ضمن أهم أسباب الطلاق الخيانة الزوجية، وهي ليست مقصورة على جنس دون آخر بل تشملهما كلاهما دون حصر، حيث إن ازدياد حالات الخيانة في الوقت الحالي أصبح شيئاً مخيفاً، إذ إن الخيانة الزوجية كانت ولا زالت أحد الأسباب المؤدية إلى نهاية العلاقة الزوجية، وانحلال الرباط المقدس، بل في الواقع أصبحت في ازدياد خلال الوقت الراهن للأسف الشديد؛ فالكثير من حالات الطلاق تقع بسبب الخيانة من قبل أحد الطرفين؛ نتيجة الانفتاح على الآخرين من خلال توفر وتنوع برامج التواصل الاجتماعي التي باتت تسيطر على حياة الكثيرين، وتتيح لهم فرص مواتية لإقامة علاقات مع أشخاص مجهولي الهوية افتراضيين أو حقيقيين؛ خاصة مع عدم اهتمام الزوج بزوجه أو قلة اهتمامه وكثرة انشغاله، يصبح إشباع الفراغ العاطفي أول الأعذار وأقوى الحجج لاقتراف الخيانة.

ومن بين مسببات الطلاق إدمان أحد الطرفين على التدخين أو الكحول أو المخدرات؛ ففي الواقع هناك حالات انتهت بالطلاق بعد معاناة ثقيلة وسلسلة طويلة من الأحداث المؤلمة والأضرار والخسائر نتيجة الإدمان، الذي يدمر العائلة جسدياً ونفسياً ومادياً واجتماعياً؛ فبعض العائلات تتعامل مع الإدمان كسر من أسرار العائلة يمنع البوح به وإفشائه، ليُزج بالمدمن في قفص الزوجية طمعاً في علاجه وإصلاحه، موهمين أنفسهم بأن الحانوتي (الحياة الزوجية) سيُصلح ما أفسده الدهر، وظناً منهم أن ذلك سيُقلص حجم المشكلة، لذلك يطالب البعض بضرورة إجراء الفحوصات اللازمة لحصول الزوج قبل الزواج على شهادة طبية معتمدة تثبت سلامته من التعاطي، للحرص على ضمان حياة زوجية وعائلية آمنة.

لم يكن الطلاق في يوم من الأيام بشرى سارة تثير مشاعر السرور والسعادة، ولم يكن أبداً دافعاً للحسد أو الغبطة، حتى بالنسبة لأولئك الذين ذاقوا أقسى ويلات العذاب من قِبل أزواجهم وطحنتهم رحى المشكلات الزوجية؛ لكن يبدو أن الوضع قد تغيّر الآن؛ لذلك تقام حفلات ومآدب طعام بمناسبة الطلاق، استحدثتها بعض المهتمات بالمظاهر ليبدين قوتهن ولا مبالاتهن، أو قد يتصنعن عدم تأثرهن بالطلاق ونهاية العلاقة الزوجية المقدسة، تاركات الحبل على الغارب لغرورهن وكبريائهن؛ كأنهن تحررن من القيود أو خرجن من الجحيم، وكأن الطلاق أمر هَيِّن وتافه أو مناسبة تستحق الاحتفال؛ حتى لا يثرن الشفقة أو لا يُنظر إليهن نظرة الضحية المسكينة التي خسرت مكانتها واستقرارها الاجتماعي.

في الواقع إن الحياة الزوجية هي شراكة قائمة على المودة والمحبة والرحمة، وحسن التعامل والتكامل بين الطرفين؛ فأحدهما يكمّل الآخر ويسد النقص والخلل، ويقدّم الدعم والسند لمواصلة الطريق، كأن يتغاضى عن بعض الهفوات ويغفر الزلات، والعلاقة الزوجية ليست كما ينظر إليها البعض كقيد وتكبيل للحرّيات، كما أنها ليست إسقاطاً للحقوق والواجبات، بل هي حماية وصون للعِرض والشرف والذات، وينبغي الحفاظ عليها وتدعيم بنيانها وتعزيز أركانها من أجل سلامة الأسرة التي هي جزء من المجتمع؛ فالأسرة كشجرة في حديقة إذا أُهملت وحُرمت من الماء، تساقطت أوراقها وذهب جمالها وتعرَّت أغصانها وجفت، وأصبحت سهلة الكسر وحينها لن تصمد طويلاً، بل ستصبح آيلة للسقوط في أي لحظة، وسيؤثر سقوطها على جمال وأمان الحديقة، وإن الحديث في هذا الموضوع يطول ويتشعب، ويتخذ أبعاداً كثيرة لن تفيها سطور، وقد يسقط سهواً الكثير مما لم نحط به خُبراً، ولكن يبقى الأمل بأن تتراجع وتنخفض حالات الطلاق، وأن نجد له يوماً ما ترياقاً ناجعاً.

 

1 تم نشره ضمن كتاب نتاج مسابقات المنتدى الأدبي لعام ٢٠٠٩م.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى