أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

الـهَــبّــة !!..

الكاتبة/ رحمة بنت مبارك السلماني

 

الـهَــبّــة !!..

 

يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تنفك تمدنا بتقليعات متنوعة، وستظل بين الحين والآخر تفرز وتُروّج مفردات ومصطلحات متداولة وشائعة بين مستخدميها، الهَبَّة هي أحد المصطلحات التي باتت منتشرة في مساحات وصفحات التواصل الاجتماعي، والهَبَّة كلمة عربية فصيحة من الفعل: هَبَّ يَهِب هَبّاً، وهَبَّ تعني هاج وثار ونهض مسرعاً، وهَبَّة الشعب : ثورته وانتفاضته، ويقال قديماً للشخص النشيط الخدوم سريع الحركة هَبَّة ريح، ولكن الهَبَّة هنا لست أقصد بها هَبَّة من هبات أو هبوب الريح، بل هي لفظة انتشرت بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي ويقصدون به الشيء أو الحدث الأكثر شعبية أو الأكثر رواجاً وانتشاراً، وهي أقرب إلى مصطلح (ترند) وكذلك مصطلح (الموضة) والذي يشير إلى نماذج الأزياء وقصات الشعر والتقليعات والاكسسوارات الدارجة خلال فترة معينة ويتعداها إلى ما هو أبعد من ذلك.

الهَبَّة قد تكون عبارة عن حقيبة أو حذاء أو عباءة أو لباس أو أغنية أو فيلم أو قد تتمثل في حدث أو فعالية أو سلوك أو عبارة أو أي شيء آخر يبتكره أحد مستخدمي أو مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، ويلقى اهتماماً ورواجاً ويصبح الدارج والمتصدر خلال موسم معين أو في فترة معينة، أما في الوقت الراهن فإن الهَبَّات كثيرة ومتعددة وربما تتبناها وتعتمدها فئة معينة من الفئات، وقد يسميها البعض ثقافة القطيع ولكني شخصياً لا أُحبذ تلك التسمية؛ لأنها تطلق على الحيوانات أو البهائم التي لا تفكر ولا تستطيع أن تقرر، أما البشر فقد ميزهم الله بالعقل، وفي الواقع ليس كل الهَبَّات سيئة ولا تستحق الالتفات لها بل إن معظم الأشياء أو الأحداث التي تصبح (هَبَّة) هي في الأصل مميزة وتستحق ذلك، وربما تصبح بمثابة معيار لدى البعض خاصة أولئك الذين يرغبون في معرفة ومواكبة آخر صيحات الموضة وتوجهات الشباب واحتياجاتهم وطرح الخيارات المناسبة لهم في الأسواق، ولكن هناك بعض الأشياء والتوجهات التي لا تستحق ولا يفترض أن تكون هَبَّة.

إن الهَبَّة لا تقتصر على الإناث فقط ولكنها تشمل الجنسين على حد سواء، فقد بات الرجال ينافسون النساء في ذلك لدرجة أن أحد الناشطين اجتماعياً والمؤثرين لم يقاوم لذة رواج أغنية (الهَبَّة) الأخيرة ولم يستطع إخماد حماسته إلا بعد أن قام بأدائها ومشاركتها بصوته الرنان في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، لكن المؤسف أن فئة من  رعاة الهَبَّات ومتبنيها ومتابعيهَم قد يعاملونك  بعنصرية وينظرون إليك بنظرة دونية إن لم تكن من مناصري الهَبّة ومساندتها، وقد ينظر إليك كأنك مخلوق قادم من كوكب آخر، بل بعضهم يساندون الهَبَّة بكل ما أوتوا من قوة وقد ينعتونك بالمتخلف أو الرجعي إن لم تلتفت أو تُبدي اهتماماً بالهَبَّة المستحدثة، متناسين أن لكل قاعدة شواذ، وأن هناك من البشر من يحب التميز والتفرد على طريقته الخاصة ولا تجذبه الأشياء الشائعة ولا يغريه ما يتهافت عليه الجميع.

لقد كانت الهَبّات في بداية ظهورها مميزة ومعقولة ومعظمها تتعلق بأمور الموضة والزينة، ثم بدأت تتطوّر شيئاً فشيئاً، إلا أن التحديثات الأخيرة في موضوع الهَبَّة أصبحت غريبة وكارثية بعد أن تدرجت الهَبَّة لتحويل مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي إلى خبراء، وعلماء دين ونفس، ومستشارين، واختصاصيّي تغذية، ومتخصصين في العلاقات البشرية والأسرية، يبرعون في كل مجال وفي كل علم وتخصص، وهذه الظاهرة أصبحت منتشرة بشكل واسع خصوصاً على الانستجرام، كأن تطلب إحداهن من (البلوجر) أو (الفاشينستا) التي تكون في الغالب مهتمة بالأزياء والتجميل والزينة وتصفيف الشعر رأيها في مشكلة عائلية خاصة، وأخرى تطلب منها الدعاء لها لأنها متعبة نفسياً، وأخرى تستشيرها في أخذ لقاح كوفيد-19، وأخرى تطلب نصيحتها للزواج والقائمة تطول والأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى، نسأل الله السلامة من بعض الهَبَّات.

قد تكون الهبة على هيئة شخصية حقيقية معروفة أو شخصية كرتونية ويصورونها على ملابسهم وعلى وجوههم وعلى متعلقاتهم الشخصية وعلى قطع الأثاث فتنتشر ويقلدها المقلدون؛ كهَبّة مفرش الرحلات الذي أثار ضجة وسباق لاقتنائه، وقد تكون الهَبَّة عبارة عن فاكهة ولا يشترط أن تكون نادرة، فعلى سبيل المثال هَبَّة اللوز الاستوائي (البيذام) أو هَبَّة المانجو الأخضر التي يتغنى بها طائفة معينة من مشاهير التواصل الاجتماعي، ويبتكرون طرقاً مبتكرة لتناولها من خلال إضافة منكهات أو مطيبات أو صلصات لها، فتنتشر ويقلدها المقلدون.

من بين الهبات الكثيرة التي ابتكرها المتبارزون في وسائل التواصل الاجتماعي هَبَّة السفر إلى إحدى الدول التي تربعت على عرش السياحة خلال الفترة الراهنة، وعرض صور وبث مقاطع تصويرية للرحلة بالتفصيل منذ الذهاب وحتى العودة، والغريب في الأمر هو اصطحاب مصور محترف يرافق النجم المشهور لاقتناص اللحظات المهمة وتوثيقها بعدسته وذاكرته المحترفة، حتى تكون أشبه بقصة أو فيلم قصير، ولست أدري في الواقع هل يبثون تلكم المقاطع بهدف الترويج أم فقط مباهاة وتهريج؟!، وإن كان ترويجاً فهل هو ترويج للبلوجر أم للمصور أم للدولة المضيفة أم لوكالة السفر أو المكتب السياحي الذي نظّم الرحلة؟!.

من ضمن الهبات أيضاً تصوير الكابلز وبث مقاطع ثنائية سواء كانت لزوجين أو أخوين أو صديقين، وفي هذه الهَبَّة بدأ التنافس يشتد، وغدا من هب ودب ينافس المشاهير في بث المقاطع الخاصة للملأ، من خلال انستجرام وسناب شات وتيك توك – الشهير برداءة وتفاهة غالبية محتواه – متباهياً بنفسه متوسّلاً ترك تعليق أو إعجاب لما يبث من تفاهات وللأسف الشديد ينال الكثير مما يصبو إليه.

هَبَّة التباهي بفعل الخير قد يقوم بعضهم بفعل تطوعي ولكن ما الداعي لتصويره فالأحرى أن يتم سراً وإلا أصبح رياء، وقد يتصنع البعض بتبنّي الأعمال التطوعية وخداع الناس بادعائهم مساعدة الآخرين حتى لو كان كذباً وبعيداً عن المصداقية، كل ذلك من أجل أن يحصل على أكبر قدر من المتابعة والإعجاب.

أتمنى أن تتوقف وتختفي الهَبَّات السخيفة الشاذة المشوهة للآداب والقيم السامية ، حتى لا يختلط الحابل بالنابل ، وحتى لا تصل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى