أصداء وآراء

القراءة وآثارها على المجتمع العربي..

الدكتور المهندس / محمد المعموري 

mohmus94@yahoo.com

 

القراءة وآثارها على المجتمع العربي..

 

قال تعالى : 

 (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ( 5 )  .سورة الفلق).

أول حديث أجري بين حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم مع الأمين جبريل كان (إقرأ) فنحن أمة كرمنا الله بالعلم الذي تكمن أسراره في كتابه العزيز ، ولماذا القراءة مهمة لأنها السبيل إلى العلم ، ولأن العلم  فطرة الإنسان ومبتغاة قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات}  المجادلة : 11 )  ،  فعندما تريد ان ترتقي بذاتك عليك بالعلم وعندما تريد ان ترتقي بأمتك عليك بالعلم وعندما تمتلك ناصية العلم فانك سوف  تمتلك الحكمة قوله تعالى :  يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269 ).

ولأننا تركنا القراءة وأصبحت من التراث بعد أن غزت بلداننا العربية الثورة التكنولوجية التي تسمى (الثورة الصناعية الرابعة) والتي هزت بدورها أركان الكتاب وجعلت الصحف والمجلات وكتب الأدب والثقافة والاجتماع تركن في زوايا المكتبات بل تباع أغلبها على ناصريات أسواق الكتب مهملة  “تباع بأبخس الأثمان “لا يتقرب إليها إلا من رحم ربي  من الذين  يعلمون  سر القراءة وحلاوة الكتاب.

إن استخدام التكنولوجيا الحديثة وانتشارها في المجتمع العربي ، عَمَّقَ جذور الجهل وأبعد المجتمع العربي عن مواصلة التقدم الثقافي، وبالتالي تدنّي المستوى العلمي، وأصبح الشباب الذين هم بُناة المجتمع وأمله متكاسلين متثاقلين ويمتد نهارهم نحو الليل وليلهم نحو النهار وهم لاهين ملتهين في البحث وتتبع “منصات التواصل  الاجتماعي” التي تملأ صفحاتها أخبار ليس لها أي صلة بالثقافة أو العلم.

في بدايات القرن العشرين نهض المجتمع العربي بعد كبوة السنين وظلمة الجهل نهض على ركام القرون المظلمة ليعطينا أجيالاً من العباقرة في جميع المجالات العلمية والأدبية فكان “العقاد  وشوقي  وطه حسين والمازني ونجيب محفوظ ولطفي المنفلوطي …” وأسماء كان بريقها يملأ سماء الثقافة العربية ، وكانت الصحف العربية تزهو بقرائها فكانت إحدى الصحف العربية توزع في مبيعاتها أكثر من مليون نسخه وبعضها تطبع  على وجبتين نهارية ومسائية وكان كتاب العرب يتسابقون في الجيد من كتاباتهم ويتبارون متنافسين مع بعضهم لإرضاء قرائهم  فكانت “صالونات الأدب” تعج بمريديها ، وعواميد الشعر يركن تحت إنارتها محبوها ، وكان شعار بعضهم (أحمق من أعار كتابا والأحمق منه من يرجعه) وبهذا ارتقت الثقافة العربية وأصبحت تزهو بكتّابها وتجمع حولها أبناء الشعب العربي في تناغم ثقافي أعطى ثماره.

اليوم أصبح الهاتف المتنقل هو المكتبة التي يعتز بها الشاب العربي ، وأصبحت منصات التواصل الاجتماعي هي (الصالونات الأدبية).

كان المواطن العربي يسير مشياً لمسافة طويلة حتى يوفر أجرة النقل ليشتري الجريدة (الصحيفة) وهي الآن ميسّرة لديه (في هاتفه المتنقل) مجانا دون أن يلتفت إليها ، وكان المثقف العربي يتنقل من مدينة الى مدينه ليستمع الى مفكر عربي أو ندوة ثقافية ، والآن هاتفه تملأه المحاضرات والندوات الثقافية ولكنه عازف عنها ، ولو سألته عن مثقف عربي أو كاتب يظل وجهه يتقلب شمالا وجنوبا دون إجابه ، ولو سألته عن لاعب كرة او مطرب لوجدته حافظا لتاريخ حياته.

وعندما فقدنا القراء ضاعت الثقافة في المجتمع ، وعزف المتعلمون عن العلم ، وأصبح المجتمع العربي يتخبط بين جاهل أو متجاهل إلا ما رحم ربي ، وكان نتيجته ازدياد المشاكل داخل المجتمع ، ونمو الجريمة ، وازدياد حالات الانفصال بين المتزوجين ، وأصبح التباعد الاجتماعي سمت أغلب مجتمعاتنا العربية فتجمعنا جميعا نحو منصات التواصل الاجتماعي صامتين مستمعين منجذبين نحوها ، فتركنا الثقافة وتركنا معها السعي الى العلم والثقافة.

مشكلتنا الاساسية في الوطن العربي أننا استخدمنا التكنولوجيا الحديثة بطريقة غير صحيحة وغير منظمة ، وتخلينا عن مراقبة أطفالنا وعوائلنا ، فأصبح الهاتف النقال لعبة اطفالنا وأصبح صديق أبنائنا ، والصديق الدائم لعوائلنا ، فشاركنا أفراحنا وأحزاننا ونجاحاتنا وفشلنا ، تفرقنا وتجمعنا بل أصبح الهاتف النقال ملازم لأيدينا ، ومصاحب لنا في ليلنا ونهارنا.

في الغرب يعلمون أبناءهم القراءة ، وتعج المكتبات بأطفالهم كل حسب عمره ، ويتنافسون جميعا نحو جوائز من يكمل قراءة 100 كتاب في الفصل الأول ، وترى الأم والأب يقرأون لأطفالهم الكتب ، ويستمعون لهم ، ويمنعون أطفالهم من الهاتف ، واذا سمحوا لهم فيسمحون لهم لفترات وتحت رقابتهم ، لذلك تراهم وهم يكبرون ترافقهم الكتب في حقائبهم أينما ذهبوا.

‫3 تعليقات

  1. هلا دكتور وغلا يوميا تفاجئنا بموضوع يدق علينا باب العقل والتفكر والله جميل ان نقرأ لحضرتك ربنا ياخذ بيدك وياريت تطرق دكتورنا على الكفتريات الي انتشرت
    في بلاد امة محمد

  2. هلا دكتور وغلا يوميا تفاجئنا بموضوع يدق علينا باب العقل والتفكر والله جميل ان نقرأ لحضرتك ربنا ياخذ بيدك وياريت تطرق دكتورنا على الكفتريات الي انتشرت
    في بلاد امة محمد

  3. بارك الله فيكم ولكم دكتورنا الغالي واخي الحبيب …احسنت وابدعت مقالة مفيدة كافية ووافية لموضوع اساسي ومهم ……فاصل العلم الدخول له من بوابة القراءة والثقافة والتعلم …..وفقكم الله ونوربصيرتكم وبصركم والى الامام دوما والنجاح المستمر يا رب العالمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى