أصداء وآراءأقلام الكتاب

القضية الفلسطينية وجدلية العلاقة مع القضايا العربية والإسلامية..

              الكاتـب/ شاكـر زَلّـوم – الأردن

              syzalloum@gmail.com

القضية الفلسطينية وجدلية العلاقة مع القضايا العربية والإسلامية..

ما بين فلسطين وجوارها العربيً والإسلامي أكثر من قضية تعاطف قومي او ديني بل ارتباط مصيري يتعلق بكينونة شعوبنا جميعاً، فالمشروع الاستعماري إستهدف العرب جميعاً والمسلمين جميعاً، بل والعدالة والقيم الإنسانية والأخلاقية السامية.

إحتلال فلسطين هو أكبر جريمة موصوفة عرفها التاريخ البشري، لا لكونها احتلال إحلالي فقط، فالاحتلالات في التاريخ كثيرة، بل لكونه إحتلال لبلدان عربية وإسلامية كثيرة، فمن يعتقد أن بلداننا العربية والإسلامية مستقلة هو واهم، فمعظمها محتل من قبل قوى الإستعمار بمختلف أشكاله ومسمياته، ولو بشكل نسبيّ مختلف بين بلد وآخر.

معظم الدول العربية والاسلامية تعاني من نتتائج إنشاء الكيان، كالفقر والبطالة، واللا استقرار، وتفشي الفساد، وتسلط الإستبداد ونخب من شذاذ الآفاق على رقاب الشعوب.

لكي نفهم لماذا اختيرت فلسطين دون غيرها، لا بد من قراءة بعض ما تيسر وسرب من مقررات مؤتمر دول الاستعمار السبع، الذي استمر لعامين كاملين ما بين 1905 – 1907، وعرف بمؤتمر دول الإستعمار السبع أو مؤتمر كامبل بانيرمان، أما لماذا اختيرت فلسطين دون غيرها، فسأسرد إليكم الموجبات من خلال قراءة مقررات مؤتمر كامبل بنيرمن.

تمهـيـد : بمؤتمر كامبل بانيرمان 1907- 1905، إتفق المستعمرون على تأسيس كيان دخيل في فلسطين، في عمل جماعي متجاوزين محاولاتهم الفردية لقيامها.

في استعراض للتاريخ الحديث للدعوات لإنشاء كيان يهودي في فلسطين، كانت أولى الدعوات لإنشاء كيان يهودي في فلسطين، هي دعوة نابليون بونابرت لليهود للقدوم إلى فلسطين، كان ذلك بعد عام من حملة نابليون على مصر في 1798، أثناء حملته على فلسطين لإحتلالها في عام 1799، وحين إستعصت عليه عَكّا بعد حصارها وكسرته، في عكا خطب نابليون في يوم 4 أبريل من العام 1799م، ورد في خطبته رسالته لليهود للعودة لفلسطين فقال :

يا ورثة فلسطين الشرعيين .
الأمة العظيمة تناديكم .
لتستردوا ما سلب منكم بالغزو .
أسرعوا .
لقد حانت اللحظة للمطالبة باسترداد حقوقكم المدينة .
وكيانكم السياسي كأمة إلى الأبد . “

ورثة فلسطين المعني بهم اليهود، لقد ارتبط الوجود اليهودي في فلسطين بالوجود الاستعماري كما يتضح من خطبة نابليون، هُزم نابليون على أسوار عكا فكانت هزيمته تعبيراً عن فشل مشروعه باحتلال فلسطين، وكان ذلك إيذاناً ببدء هزائمه التي توالت، فهزم بعد ذلك في مصر، وتوالت هزائمة فهزم في حملته على روسيا في العام 1812م، وانتهت حياته السياسية بهزيمته العسكرية في حربه مع بريطانيا بمعركة ووترلو في العام 1815، مات نابليون بعد ذلك وهو منفيّاً في جزيرة هيلانة في العام 1821م.

بعد هزيمة نابليون تولت بريطانيا مهمة محاولة إنشاء كيان يهودي في فلسطين, ففي العام 1840 أرسلت بريطانيا رسالة للسلطان العثماني تطالب فيها بدولة لليهود في فلسطين، بتاريخ 11 / 8 / 1840 كتب وزير خارجية بريطانيا بذلك الوقت “بالمرستون” رسالة أرسلها بواسطة سفير بريطانيا في اسطنبول اليكم ملخصها:

)فإذا عاد الشعب اليهودي تحت حماية ومباركة السلطان، فسيكون في هذا حائل بين محمد علي ومن يخلفه، وبين تحقيق خطته الشريرة في المستقبل) خطة محمد علي (الشريرة) كانت تعني وحدة مصر مع بلاد الشام.

– في العام 1878 تم تأسيس مغتصبة (بتاح تكفا) في فلسطين، فكانت هي البدء العملي لتاريخ تأسيس المغتصبات الصهيونية على الأرض الفلسطينية بتمويل من يهود صهاينة اثرياء في أوروبا، تم جلب 3000 مستوطن يهودي من شرق أوروبا الى فلسطين بالتعاون مع موظفي الباب العالي العثماني بمقابل رِشا، في العام 1897 كان المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية.

– توالت مساعي الاستعمار حتى حصل مؤتمر دول الإستعمار في لندن والمعروف باسم مؤتمر (كامبل بانيرمان) ما بين الأعوام (1905 – 1907) ليكون العمل جماعياً لا فرديا كما كان قبل المؤتمر, لم تكن دعوة انشاء كيان يهودي في فلسطين تحقيقاً لنبوءة توراتية بل لغايات إستعمارية فمعظم المنادين لإقامة كيان يهودي في فلسطين هم من الملحدين اليهود ومن المستعمرين من غير اليهود, كيف لمن لا يؤمنون بالله ولا بتوراته تحقيق نبوءات توراتية ؟! واقع الحال أن مصالحهم التقت على إنشاء الكيان (إسرائيل)، أما ما هو جوهر مصالحهم، فحسب خلاصة مؤتمر كامبل بانيرمان، وحسب ما تحقق على أرض الواقع وأكده الواقع العربي والإسلامي القائم، فهو كما ورد بوثائق المؤتمر،مقدمته تبين هواجس المُؤْتَمِرين وهم بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، بلجيكا، وهولندا.

لقد استعان المُؤْتَمِرون بكبار العلماء من مختلف التخصصات، منهم من اختص بالتاريخ وبعلوم الاجتماع والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والبترول.

إستعرض المُؤْتَمِرون الأخطار التي يمكن أن تنطلق من تلك المستعمرات، فاستبعدوا قيام مثل تلك الأخطار في كل من الهند والشرق الأقصى وأفريقيا والمحيط الأطلسي والمحيط الهادي، نظراً لانشغال تلك المجتمعات بالمشاكل الدينية والعنصرية والطائفية، ولبُعدها عن العالم (المتمدّن) في ذلك الحين حيث لا طائرات، والقطارات بطيئة وشبكاتها لا تصل لأوروبا، لم يعطِ المؤتمر الأهمية لتلك الدولـ بينما اعتبر المُؤْتَمِرون أن مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية، لا سيما بعد أن أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعياً قومياً ضد التدخل الأجنبي والهجرة اليهودية، كما أن خطورة الشعب العربي تأتي من عوامل عدّة يملكها، والتي تتمثل في وحدة تاريخه ولغته وثقافته المشتركة، وكذلك الأهداف والآمال والطموحات التي تجمعه، وللحد من هذه الأخطار على مصالح المستعمرين ولضمان نهبهم لموارد بلادنا، قرروا إنشاء كيان دخيل في فلسطين عرف فيما بعد باسم (إسرائيل)، أي أن هدف إنشاء الكيان الوظيفي في فلسطين، هو ضمان استمرار نهب شعوبنا العربية والاسلامية كلها لا الفلسطينيين وحدهم.

إن سبب استهداف فلسطين دون غيرها، لكونها خاصرة العرب ولموقعها الجيواسراتيجي، ورد بتمهيد مؤتمر كامبل ما نصه :

إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي لدولهم لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا لكونها مهد الأديان والحضارات”، والإشكالية في هذا الشريان هو “أنه يعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان.

ولهذا قرر المُؤْتَمِرون أن لا بد من حرمان الشعوب العربية والإسلامية من العلوم والمعرفة، كما ورد نصاً بقرارات المؤتمر عن ضرورة إبقاء شعوب منطقتنا مفككة، جاهلة ومتأخرة، وبناءً على ذلك قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات :

الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية المسيحية (دول أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا) والواجب تجاه هذه الدول هو دعمها ماديا وتقنيا لتصل إلى مستوى تلك الدول

الفئة الثانية : دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديدا عليها (كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديدا عليها وعلى تفوقها.

الفئة الثالثة : دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديدا لتفوقها وهي بالتحديد (الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام) والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية. ومن هنا يمكننا تقدير اسباب رعب الغرب وجنونه من التطور العلمي في ايران واستهداف علماءه, ومن هنا أيضاً يمكننا تفسير ما حصل ويحصل من استهداف لمراكز الأبحاث في مناطق عدة في سوريا وكما اغتيال علماءها, وكما تفسير سبب تدمير مفاعل تموز في العراق واغتيال علمائه، لم يوفر الموساد تونس فقد اغتيل أحد علمائه في مجال الطيران، الشهيد محمد الزواوي، كما يمكننا ايضاً تفسير عمليات اغتيال العلماء المصريين في الستينات، أذكركم ان أولى المهمات التي مارسها الاحتلال الصهيوأمريكي للعراق كانت عمليات القتل الجماعي لعلماءه على يد مخابرات أمريكا والموساد.

مما سبق نجد أن احتلال فلسطين، أتى في سياق تننفيذ مقررات مؤتمر كامبل بانيرمان بمحاربة أي تقدم وتطور علمي في بلادنا دون استثناء، وأن المستهدفين هم العرب والمسلمين لا الفلسطينيين وحدهم.

من ما سبق نستطيع أن نقدر جريمة ما قامت به بعض القيادات الفلسطينية من اختزال للقضية الفلسطينية وتحويلها من قضية عربية, اسلامية, أممية وانسانية لقضية فلسطينية بأفق ضيق, ومن هنا نستطيع أن نقدر سبب الغياب النسبي للقضية عن الوجدان العربي والإسلامي, إن قضية تحرير فلسطين ليست منوطة ببعض التنظيمات الفلسطينية بل بمجل حركات التحرر في الوطن العربي والعالم وبمحور قوى المقاومة.

بالرغم من أن دوام احتلال فلسطين احتاج لحروب عدة بالأصالة والوكالة في العراق وسوريا ولبنان, إلآ أن محور القوى المناهضة للإستعمار في بلادنا تعافى وأنه حقق ويحقق كل يوم الإنتصارات وما نسمعه بهذه الأيام عن الحشود وتحريك الأساطيل الأطلسية على إيران وسوريا يأتي في سياق المحافظة على ديمومة احتلال فلسطين لكون مشروع احتلال فلسطين هو الضمانة الوحيدة لقوى الاستعمار لضمان نهبها ولتأمين فائض رفاهيتها على حساب جوع وفقر مواطنينا.

مما ورد بوقائع مؤتمر كامبل بنيرمن ومن الواقع اليومي نستنج  :

– إن بقاء إحتلال فلسطين، يعني أن الفقر والمرض في بلادنا العربية باقٍ ويزداد ما بقي إحتلال فلسطين.

– ان بقاء إحتلال فلسطين، يعني بقاء اللا تطور واللا استقرار، لذلك لن تحدث تنمية ولا تطور صناعي ولا نهضة علمية في بلادنا ما بقي الكيان الصنيع في خاصرة وطننا العربي والاسلامي.

– إن بقاء إحتلال فلسطين، يعني أن الأمية والجهل باقٍ في بلادنا، فمهمة تجهيل شعوبنا هي مهمة وظيفية أوكلت للنظم الوظيفية.

– إن بقاء إحتلال فلسطين، يعني أن مؤسسات الفساد والإستبداد في بلادنا باقية وتتمدد وستزداد شراسة.

وختاماً .. إن كُلَفَ التخلص من الكيان مهما بلغت وكبرت، هي أقل بكثير من كُلَفِ بقائه، فبزواله ستزول كل تبعات وجوده، وستزول كل النظم الوظيفية التي تتخندق بالخندق الصهيوني، فالعلاقة بين كيانات سايكس بيكو والكيان جدلية، ولا انفكاك لها إلّا بتفكيك الكيان الغاصب لفلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى