أصداء وآراءأقلام الكتاب

القـتـلة الإقـتـصاديون والسـياسـيـون العـرب..

الكاتب/ د . عبد الحي زلوم

مستشار ومؤلف وباحث

 

القـتـلة الإقـتـصاديون والسـياسـيـون العـرب..

كانت التقسيمات الاستعمارية في مشرق العالم العربي ومغربه تعتمدُ على مبدأين خبيثين ، أولهما : تقسيم الدول والدويلات إلى نوعين : دول غنية بالموارد فقيرة بالسكان تشعر دوماً بحاجتها للحماية من أخطار حقيقية أو وهمية مقابل نهب ثرواتها ، فهي بذلك تبقى (محمية استعمارية) حتى لو تم تزييف الواقع بمنحها أعلاما ومقعدا في الـمم المتحدة ، ودول أخرى كثيفة السكان فقيرة الموارد يقوم المستعمرون بمساعدتها ببعض ما نهبوه من الفئة الأولى مقابل تسليم سيادتها السياسية ، مضافاً الى ذلك إرهاقها بالديون لتفقد سيادتها الاقتصادية وبالتالي السياسية ، وهنا أقول : إن تطبيع هذه الدول الكرتونية هي اشارة الى وصولها الى نهاياتها حيث أصبح مشغّلو هذه الانظمة الاستعماريون لا يرون في هذه الانظمة اكثر من ورقة يستعملونها لتحقيق نقاط في انتخاباتهم هنا وهناك حتى ولو تم تجريدهم من ورقة التوت التى كانت تخفي عوراتهم على المصابين بعمى البصر والبصيرة. المطبعون هم القتلة السياسيون لأمتهم . تضخيم احداث التطبيع من آلة اعلام الصهاينة العرب والصهيوامريكيون هي فرقعة اعلامية علّها تفيد المأزومَيْن ترامب ونيتنياهو . والكلاب تنبح وقافلة المقاومة تسير .

القتلة الإقتصاديون الأمريكيون..

بعد تخرجه من جامعة بوسطن أخذ جون بيركنز توصيةً من والد زوجته وهو الضابط الكبير في البحرية الامريكية الى وكالة الأمن القومي NSA وهي أكبر وكالة للاستخبارات الامريكية ليتقدم بالفحوصات والمقابلات اللازمة لإمكانية تعيينه ، بعد مقابلاته أخبروه أنه سيسمع منهم لاحقا .. رجع الى بوسطن وانتظر ، لكنه فوجئ بالسماع من شركة استشارية هندسية في منطقته إسمها (MAIN Engineering) يطلبونه للمقابلة للتعيين ، كان اسم الوظيفة ( قاتل اقتصادي) تحت غطاء إسم (إقتصادي رئيسي) وعندما سألهم عن الوصف الوظيفي قالوا له : وظيفتك هي إقناع رؤساء الدول النامية خصوصا او مسؤوليها بالتوقيع على عقود اقتصادية تهم الولايات المتحدة استراتيجيا، وتهم شركاتها اقتصاديا، وعليه استعمال كافة الوسائل من جنس او فساد للوصول الى هذا الهدف .. يذكر بيركنز كيف أتم صفقة كبيرة في احدى دول الجزيرة العربية ، طلب منه المسؤول انه يريد ان يوقع على الصفقة في بوسطن وبشرط ان يقدموا له امريكية شقراء ذات عيون زرقاء على ان لا تكون من بنات الليل ، فوجدوا له زوجة احد الطيارين التي أرادت الإنتقام من زوجها لخيانته لها وقٌضي الأمر .. قصص كثيرة يرويها ويمكن قراءة الكتاب باللغتين العربية أو الانجليزية على الانترنت مجاناً.

إغراق الدول بالديون عن طريق القتلة الاقتصاديين امثال بيركنز والقتلة المحليين من مؤسسة الفساد كثيرة في عالمنا العربي، ويجدر الاشارة هنا ان النظام الرأسمالي يعتمد في جوهره على الفساد والذي يتطور ليصبح مؤسسة كاملة الاركان .. في الولايات المتحدة نشأ ما اسماه المؤرخون الامريكيون (بالبارونات اللصوص) امثال روكيفيلير وهنري فورد، وأندرو كارناجي وفاندربلت، وبعد ان كوّن هؤلاء ثرواتهم عن طريق الفساد والافساد بدأوا ببناء الجامعات باسماءهم والادعاء بأعمال خيرية، ومن هنا ايضا نشأت المافيا أي الجريمة المنظمة وخرجت منها كبرى العائلات الامريكية ومنها عائلة كيندي والتي كانت تعمل مع المافيا في عمليات تهريب الخمور .. ما أودّ التوصل إليه هنا أن الفساد والرأسمالية توأمان لا ينفصلان، لكنها تكون أكثر شراسة وقذارة ووضوحا في الدول الفقيرة والنامية.

لا يمكن للقتلة الاقتصاديين الغربيين انجاز مهامهم الا عن طريق قتلة اقتصاديين وسياسيين فاسدين محليين، يتم تلميعهم وايصالهم الى المراكز المطلوبة، فيغرقوا البلاد والعباد بالديون لتفقد الدولة سيادتها الاقتصادية وبالتالي السياسية.

الإنهـيار الإقـتـصادي في لبـنان..

كما هو معلوم فلبنان يتعرض الى ضائقة مالية واقتصادية سببها مؤسسة الفساد الذي وصفه رئيس الوزراء اللبناني المستقيل أنه أكبر من الدولة .. ماكنة الإعلام المأجور والطابور الخامس يدّعون أن مشاكل لبنان سببها المقاومة اللبنانية، ومن كثرة تكرار هذه الكذبة صدقها الكاذبون أنفسهم ، لكن حقيقة الأمر أن مشكلة لبنان هي في طبقته السياسية الفاسدة وفي نظام المحاصصة الطائفي الذي صممه وكرّسه الإستعمار الفرنسي.

يحكي رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق لتسع سنوات وقائد الجيش اللبناني قبل ذلك لتسع سنوات ، أنه حينما استلم قيادة الجيش جاءه بعض رجالات رفيق الحريري (مزدوج الجنسية السعودية واللبنانية) بحقيبة قال له : إن بداخلها نصف مليون دولار يأتي بها رفيق الحريري من السعودية كل شهر يعطيها لقائد الجيش ليصرفها كما يرى خصوصا للحفاظ على ولاء ضباطه ، فسأله لماذا لا تعطوها على الطرق الرسمية لتدخل في حسابات الجيش ولم يقبل الرئيس لحود هذه المنحة الشهرية .. يقول النائب السابق نجاح واكييم انه حينما اراد رفيق الحريري الاستيلاء على ارض سوليدير لمشروع عقاري قدّر بعض المختصين ان ثمنها يزيد عن 100 مليون دولار وكان الحريري يريدها بثمن بخس ، كان نجاح واكيم وآخرون يعارضون اتمام هذه الصفقة، لكن عدد النواب المعارضين بدأ يتناقص، وعندما أصبح الموافقون اكثر بكثير من المعارضين تم تمرير الصفقة .. يقول نجاح واكيم : إنه فاتح الرئيس رفيق الحريري بأنه قد اشترى النواب برشوات بعشرات آلاف الدولارات وصلت التسعيرة الى أحدهم الى 70 ألف دولار ، فأجابه الحريري : ”يا نجاح انت تعرف انها الدنيا في لبنان ما بتمشي إلا هيك !” يذكر الرئيس اللبناني الأسبق إميل لحود عن وقائع فساد فاضحة بمليارات الدولارات ومنها مشروع النورمندي، لكن المفارقة المقرفة ان رئاسة الوزراء في لبنان اصبحت وراثية، وانه بالرغم من ان نظام “الشهيد” وابنه قد أوصل لبنان لما هو فيه يجد ساسة لبنان اليوم ان خروجهم من أزمتهم يحتاج الى (ترئيس) ”إبن الشهيد” إيّاه، ولسان حالهم يقول وداوني بالتي كانت هي الداء !.

لا أذكر إن كانت السنة (سنة 2000 أو 2001 حينما تم تنظيم منتدى الخليج للإدارة – GULF Management Forum)  في البحرين، كان عدد المتكلميين 4 كان أولهم رفيق الحريري والذي أناب عنه فؤاد السنيورة ليلقي الكلمة الأولى وكنت أنا المتحدث الثاني بعده، وكان الحضور من العديد من كبار موظفي شركات النفط في الخليج والشركات الكبرى الاخرى كشركات الهاتف المحمول، كانت كلمة فؤاد السنيورة عملياً وكأنها من كتاب مفتوح عن الرأسمالية النيوليبرالية التي يسمونها في امريكا الريغانية، وفي بريطانيا بالتاتشارية، وباللغة الاكثر صدقا ووضوحا بالرأسمالية المتوحشة التي تتبنى اقتصاد السوق وتتخلى الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية، أمّا كلمتي بعد السنيورة مباشرة فكانت عن العولمة وادواتها، باعتبارها نوعاً من الاستعمار الجديد الذي يقتنص الدول عن طريق الاقتصاد ومصائد الديون، كان ذلك موضوع كتابي (نذر العولمة) ، وقد تم إهداؤه نسخة منه باللغة الانجليزية، دعانا احد الوزراء البحرينيين الى العشاء في تلك الليلة، وبقي انطباعي ان هذا النموذج من الاقتصاد الذي يتبناه رفيق الحريري، والذي كان يسميه بالدولة الرشيقة التي تَعْهَدُ اكثر الامور الى القطاع الخاص، سيؤول بلبنان وغيرها ممن يتبع مثل هذا النظام الى الهاوية، إذن الفساد والنظام المتوحش هما من اوصلا لبنان الى ما هو فيه وليس المقاومة.

خـذوا الحكمة من الشـيـخ شـخبـوط..

حكم الشيخ شخبوط بن سلطان ابو ظبي من 1928إلى 1966 حيث عزله الانجليز نتيجة اصراره بعدم ايداع عائدات النفط في البنوك باعتبارها ربوية كما اصر ان يكون انتاج النفط بقدر حاجة المشيخة آنذاك والتي كانت محمية بريطانية .كانت المشيخات في الخليج العربي تُدار مباشرة من معتمد سياسي بريطاني في كل مشيخة، وبعد فشل المعتمد البريطاني ويليام لوس بإقناع الشيخ شخبوط بتغيير سياسته اقترح على وزير الخارجية البريطانية غوردون ووكر ان يتم خلع الشيخ شخبوط . نسّب وزير الخارجية بدوره توصية لوس الى رئيس الوزراء هارولد ويلسون. و قد اختارت بريطانيا الشيخ زايد كحاكم جديد بدل اخيه شخبوط لإمارة أبوظبي.

بتاريخ 6 أغسطس 1966 قام بريطاني آخر، جلينكيرن بالفور بول، بالانقلاب على الشيخ شخبوط حيث زاره في قصره، ومعه كشافة ساحل عُمان . استسلم شخبوط وسُفّر إلى البحرين و من ثم سافر إلى بيروت. كان يجب ان يكون مبدأ انتاج النفط على قدرة وحاجة الاقتصاد المحلي بدل الانتاج فوق الحاجة وتحويل الذهب الاسود الى اوراق بدون غطاء تتآكل ويتم نهبها كل يوم بألف طريقة وطريقة. ما هي سوى بضع عشرات السنين خلال هذا القرن حتى ينتهي عصر النفط، وما هي سوى بضع سنين حتى تأكل العجوزات فائض الاموال الخليجية حسب رأي صندوق النقد الدولي ان دول النفط الخليجية ستفقد فائضها المالي قبل سنة 2034 لكن ذلك كان قبل انهيار اسعار النفط وبذلك ستصبح دولا مقترضة خلال سنوات فقط. بدأت الانظمة النفطية بفرض الضرائب على شعوبها وتقليص خدمات الرعاية الاجتماعية.

عند نضوب عصر النفط لن تستطيع هذه الدول ادامة بنيتها التحتية من تحلية المياه او توليد الكهرباء، ودعنا نتصور سيناريو حين يترك الاجانب لدول نفطية عدد الاجانب فيه اليوم اكثر من 80% عندها ستصبح عقارات السكن والمكاتب خاوية على عروشها. بضع عشرات من السنين لهذا السيناريو هي اقل من ثانية في ساعة التاريخ ولا ضامن لهذه الكيانات سوى الرجوع الى دينها وعروبتها وليتذكروا ما قالته غولدا مائير رئيسة وزراء العدو عند زيارتها لأم الرشراش (إيلات) ”إني أشم رياح خيبر”.

إذا قبل المطبعون بحق اليهود في فلسطين حسب ادعائهم بأن فلسطين كان بها دولة لهم قبل اكثر من 2500 سنة، فخيبر كانت لهم قبل أقل من 1500 سنة ، فليحضّروا ثمن خيبر والمدينة المنورة مع الفائدة المركبة عن 1500 سنة ! وأنصح ذوي الأمر أن يقرأوا مسرحية شكسبير بعنوان (تاجر البندقية)، حيث طلب المُرابي اليهودي شايلوك ان يدفع انطونيو بدل دينه المتعثر قطعة من لحمه .. انتم لا تعرفون مع من طبّعتم، إسألوا من كان بهم خبيرا .. حلفاؤكم الجدد يؤمنون بأنهم شعب الله المختار، وأن جميع الشعوب (وأنتم لستم إستثناءً) قد خلقهم الله لخدمتهم!..

 

 

 

 

* تم نشر المقال بالاتفاق مع القائمين على موقع “إضاءات” الإخباري..

– الآراء المنشورة في المقال لا تعبر عن صحيفة “أصـداء” وغنما تعبر عن آراء كاتب المقال..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى