أصداء وآراءأقلام الكتاب

القـرآن الكريـم منهـج المناهـج وثـقة الثـقات..

   د . عبد العزيز بدر القطان

كاتب ومفكر وحقوقي كويتي

 

القـرآن الكريـم منهـج المناهـج وثـقة الثـقات..

في العصر الحديث، وتطور كل شيء، حتى ملكات العقل أصبحت اليوم ترى ببصيرة أبعد ما كانت عليه، وذلك مرتبط بتطور العلم والعلوم، بالتعرف على حضارات الأمم، والديانات الأخرى، وعقائد المجتمعات.

كل ذلك يندرج تحت خانة تشرّب الثقافة وصقل المعرفة الخاصة بالعلوم العامة التي نطلع عليها، وكل ما هو في سياقه العام، يبقى كما هو، وطبقاً لأصحابه من باب ومبدأ الإحترام، وعدم التدخل إلا إن طلب أخذ الرأي من جانبنا، سواء إتفقنا أم إختلفنا.

ننتقل بشكلٍ مختصر، على الأمة الإسلامية، والتي حدد القرآن الكريم السُنن والفرائض، وما هو حلال، وما هو حرام، وما هو مجاز وما هو ممنوع، في كتابٍ عزيز من ثلاثين جزءاً، شمل كل مفاصل الحياة لكي لا يترك صغيرة أو كبيرة مبهمة، وهو الكلام المعصوم، أي لا جدال من أي مرجعٍ كان أو مذهبٍ كان الخوض في غير ذلك.

ما أود التركيز عليه، هو أن الأساسيات في الدين الإسلامي، القرآن الكريم والانبياء صلوات الله عليهم هي من المسلمات لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف أو مسمى، عندما كان الجميع معاً، ولم يكن العرب عربين كحال اليوم، فالإنقسام الحاصل اليوم، يجعلنا نتفكر ونتسائل من الذي أوصلنا إلى هنا، مع يقيني أن هذا لن يغير من واقع الحال شيء، لكن ما يحز في قلبي من يذكر أحاديث ضعيفة تفتقر إلى السند والثقات ويأخذ بها جمهور واسع على أنها أحاديث نبوية خالية العلل ومطابقة لشروط الحديث النبوي الشريف، فهناك ضوابط أساسية لفهم الحديث الصحيح، وإلا لقال من قال وروى من روى!..

في هذا السياق أستشهد بما قاله عبدالله بن المبارك رحمه الله: (لولا الإسناد لقال كل من شاء كل ما شاء) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل “209”، ومعنى ذلك لو كانت الأمور هكذا لما وجدنا علوم الحديث من إسناد وعلم الرجال والتجريح والعلل، والثقات لتثبت هذا الحديث القوي السند والصحيح من الضعيف.

ينطبق هذا الأمر في الإنقسامات الحاصلة وليس بين طائفة وأخرى أحياناً بل في الصف الإسلامي الواحد، ونحن في عصر كثر فيه المتكلمون بغير علم، ولهذا يجب على الإنسان ألا يعتمد على أي شخص إلا أن يكون معروفاً وموثوق، قال تعالى: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر”، معنى ذلك أن أي خلاف حاصل مفتاح حله في كتاب الله العزيز وهذه هي المنهجية الصحيحة لدرء أي خلاف، وسنة نبيه الكريم، وحديثه الصحيح المسند أصولاً ومطابق للشروط الصحيحة في كل ما سبق ذكره، أما الإتكال على أحاديث لم تثبت صحتها، من عدمها وتصبح ضابطاً شرعياً لا بل أكثر من ذلك يتم توارثه وهنا الكارثة وضياع الصحيح بالضعيف دون دليل أو برهان، يقول محمد بن سيرين رحمه الله: (كانوا لا يسألون عن إسناد الحديث، حتى وقعت الفتنة فسئل عن إسناد الحديث، لينظر من كان من أهل السنة أخذ بحديثه، ومن كان من أهل البدعة ترك حديثه) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل “209”.

فمسألة المذاهب والشروخات الحاصلة يكفيني فخراً القول إني قد تجاوزن هذا الأمر وولّى وأحترم الجميع بما إعتنق ويعتقد، فالعقيدة الصحيحة لأي إنسان كان ينتمي لأي مدرسة من المدارس الفقهية المشهورة الثمانية أو السنية الأربع، أو الشيعة بكل تفرعاتها، والجميع دون إستثناء من معتنقي تلك المدارس يتبعون وينتسبون إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكن أود الإشارة هنا إلى المدعين الإنتماء وهو أمر ليس مستهجناً بل يعتقدون بما لا يجوز إعتقاده ويكون إنتسابهم هذا أقرب إلى العاطفة من العقيدة الصحيحة، سواء مدرسة آل البيت عليهم السلام، أو مدرسة الصحابة، هم مختلفون لكن يلتقون في إتباع منهج النبي صلوات الله عليه.

فمن أراد إحياء مسألة ما، عليه أن يأتي بشيء متصل ومسند عمن قلت إني أتبعه وأسير على نهجه، على أي خطٍ كان من المدارس الفقهية، إنما هنا المعيار هو السند العلمي والسند المتصل إلى حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بحديث صحيح متصل وموافقاً لشروط علماء الحديث والمصطلح.

المسألة الأخرى، وهنا أكرر أن المعيار الأساس كما ذكرت أعلاه، هو القرآن الكريم، “وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه وخلفه تنزيل من حكيم حميد”، حجة الله تعالى على عباده، إذاً هو المصدر الأول لأي مذهب هو على حق.

ونأتي ها هنا على ذكر أيضاً مسألة مهمة في هذا الصدد وهي التوثق من ثبوت الحديث والتأكد من صحته من خلال الأسانيد وفحص الرجال أي فحص الرواة وفحص المتن وعرضه نفسه أي الصادر عن إمام أو عن النبي صلوات الله عليه وآله وسلم، معروضة على القرآن الكريم، ثم فهم الحديث في ضوء القرآن الكريم، والجمع والترجيح بين الأحاديث المتعارضة “وهي كثيرة جداً في الكتب”، أيضاً نقطة مهمة جداً وهي فهم الحديث في ضوء الظروف والأسباب التي وردت فيها وأركز على هذه النقطة، وأيضاً فهم الحديث في ضوء سياقه وملابساته المكانية والزمانية، وهنا أورد مثالاً، هل أستطيع إجتزاء آية وإلغاء ما قبلها وما بعدها ويضيع المعنى! قطعاً لا، فمثلاً “لكل قومٍ هاد” بعدم ذكر السابق واللاحق، لا نستطيع التوصل إلى التفسير الصحيح، ما يعني أن هذه الأمور مهمة جدً في ذات السياق.

المسألة التالية هي، فهم الحديث في ضوء مقاصد الشريعة والدلالة اللغوية والشرعية والعرفية إذ أن هناك الكثير ممن لا يعرفون بهذا الخصوص، وفهم الحديث من خلال التفريق بين الحقيقة والمجاز، وهذا موجود أصولاً في قواعد اللغة العربية وعلوم النحو، من هنا، كل ما ورد أعلاه من نقاط هي مدار صحة الحديث الصحيح، فهي الضوابط الرئيسية والأساسية لفهم الحديث النبوي لأي مدرسة من المدارس الإسلامية.

من هنا، إختلطت الأمور على الكثيرين، كأن تصبح المناسبة عيد، وأن يضاف أعياد إلى الأعياد الإسلامية، والكثير من اللغط الحاصل، لكن ومع ذلك كل المناسبات الإسلامية تحترم فهي حصلت طبقاً لظروف زمانها ووقائع معينة، كمن يحتفلون بأعياد ميلادهم “لم أفهم أين العيد في ذلك” أو كمن يحتفل “بعيد الزواج” كلها مناسبات لا أعياد، حتى وإن كانت على صلة بالعالم الإسلامي وبرأيي مردها إلى أنها ثقافة شعوب ومجتمعات إسلامية عليها أن تحترم من الآخرين، لكن هنا علينا تسميتها كما هي كي لا تأخذ شكلاً يحاكي الدين أو ما جاء به ولها أتباع دون تيقن من حقيقتها، فنجن لا نشرع بأنفسنا إحتراماً للنبي عليه الصلاة والسلام، وللقرآن الكريم.

إذاً، القرآن الكريم هو المنهج الأول في السّراء وفي الضراء، وهو كتاب الجميع لم يخصص لمذهب دون آخر ولا لطائفة دون أخرى، لكن البعض يريد سن تشريعاته بنفسه، يريد النأي عن الأصل والتمسك بالفرع وهذا ما أضاع الأمة الإسلامية.

ومهما حدثت إختلافات، الرجوع دوماً إلى القرآن الكريم لأخذ الحكم السديد، لا لبس فيه ولا شك، فمن يرتعب من أن يتم فضحه تراه يلجأ إلى الروايات الظنية مهما بلغت دقتها قد يتم التشكيك بها، فوالله لو كان منهجنا في كليته منهجاً قرآنياً لذابت وذهبت كل خلافاتنا ولما ابتدعنا واختلقنا روايات ومهرجانات وأفكار وعقائد من ديانات وطوائف أخرى هي بدع وأساطير ومنها خرافات تحرف كل الشرائع السماوية الصحيحة والحقة.

وأخيراً، وعملاً بهذه الآية المباركة ” وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ”، “المائدة – 48″، إجعل القران مهيمن على كل مشاربك المعرفية حتى يتسق فكرك وترى الحق، حرر عقلك بالقرآن الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى