أصداءأقلام الكتاب

القيادةُ الإداريةُ في ظِلّ الثّورةِ الصناعيةُ الرابعةُ..

الكاتـبة/ د . رضـية بنت سليـمان الحبـسية

       Radhiyaalhabsi@gmail.com

 

 

القيادةُ الإداريةُ في ظِلّ الثّورةِ الصناعيةُ الرابعةُ..

إنّ المتتبعَ للسياقِ التاريخي للثورات الصناعية الثلاث التي شهدها العالم، يَلْحظُ أنّ الثورة الصناعية الأولى إمتدت من 1760م إلى 1840م وتميّزت ببدء مرحلة الإنتاج الآلي، بينما بدأت الثورة الصناعية الثانية في أواخر القرن التاسع عشر، وامتدت حتى أوائل القرن العشرين وتميزت بظهور الكهرباء وتضاعف الإنتاج في المصانع، في حين إنطلقت الثورة الصناعية الثالثة في ستينيات القرن العشرين، وتميّزت بتطور الإلكترونيات والحواسيب المركزية. وتختلف الثورة الصناعية الرابعة، عن سابقاتها الثلاث التي مرّت بها بعض المجتمعات البشرية، أنها بُنيت على أساس الثورة الرقمية وتمثل طُرقاً جديدة، حيث إنَّ التقنية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المجتمعات في كافة جوانب الحياة الإنسانية بما فيها جسم الإنسان ذاته.

إنّ انعكاسات الثورة الرابعة على المجتمعات، تَجْعَلُ إعادة التفكير في مفاهيم الموهبة والثقافة والأنماط الإدارية أمرٌ حتميّ. فقد أشارت دراسة قامت بها شركة برايس ووتر كوبر (PWC)أنّ 38% من الوظائف الأمريكية معرضة للخطر مع حلول عام 2030 م، وهذا ما أثبتته دراسة مماثلة قامت بها جامعة أوكسفورد والتي بينّت أن 47% من الوظائف ستختفي في العقدين المقبلين بسبب الأتمتة.

ومما لا شك فيه أنّ للثورة الصناعية الرابعة تحديات ذات أبعاد مختلفة ستُلقي بظلالها على الأنظمة الإدارية والثقافة التنظيمية السائدة. إلّا أنّ التغلب على تلك التحديات، والاستفادة مما تقدمه من فرص تحسين وتطوير يتطلب تكاتف وتعاون الجميع سواء حكومات أو شركات أو منظمات مجتمع مدني وصولًا إلى رقي البشرية وازدهارها.  كما يَتَطلّب نوعًا جديدًا من القيادة، وإبراز بعض السلوكيات القيادية المحددة التي تتناسب ومرحلة الثورة الصناعية الرابعة.

ومن خلال المقال الحالي، نُورد عدد من أدوار وسلوكيات القائد الإداري في ظل الثورة الصناعية الرابعة :

أولًا : العمل وفق رؤية واسعة للتركيز على أهداف المنظمة، مع تحديد استراتيجيات تلبية احتياجات العمل على نحو فعّال؛ من أجل استغلال الفرص والتصدي للتهديدات والمخاطر. كذلك اتباع أساليب منهجية تركز على قواعد البيانات في سبيل اتخاذ القرارات الاستراتيجية.

ثانيًا : تبنّي الذكاء الاصطناعي، والإلمام بكل الأدوات والتقنيات الرقمية الجديدة مع التدريب العملي على بعض الأدوات، واتخاذ قرارات سريعة بشأن التكنولوجيا التي تغذيها الثورة الصناعية الرابعة مثل : تقنيات الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، البيانات الضخمة، الروبوتات الخ.

ثالثًا : التوازن في تطبيق التكنولوجيا لتجنب حدوث اضطرابات اجتماعية، وذلك عن طريق تجديد الوظائف الحالية والانتقال من النموذج التقليدي لأتمتة الوظائف لنموذج أكثر مراعاة لدمج وتأهيل العاملين، وإنشاء وظائف أخرى بعد عملية الأتمتة، فضلاً عن إعادة تأهيل وتنظيم المواهب التكنولوجية وتحديد متطلبات العصر الجديد.

رابعًا : تعزيز قدرات المؤسسات التي يديرونها على التأقلم مع المتغيرات التي تواجه المؤسسات، من خلال مواءمة سياساتها وعملياتها وقوانينها الداخلية والخدمات التي تقدمها؛ لمواكبة التوجهات والعوامل الخارجية، مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية.

خامسًا : امتلاك القادة الإداريون لمهارتي القدرة على مواجهة المتغيرات ومواكبة الواقع الجديد، والتحلي بالشجاعة لتحمل المسؤولية المترتبة عن صناعة المستقبل، بالإضافة إلى التأثير الإيجابي في المجتمع من خلال مبادراتهم الاجتماعية.

سادسًا : أنْ يكون القادة الإداريون منفتحين على “ثقافة التدريب” والتعلم، وأن تصبح جزءًا من ثقافة المؤسسة، مع إجراء تقييم دقيق وموضوعي للواقع ومعرفة ما يحتاجون إليه من أجل اتخاذ قرارات فعّالة.

سابعًا : العمل مع الموظفين جنبًا الى جنب، متابعتهم بشكل مستمر، المساعدة في دفع تنميتهم المهنية، التعرف على نقاط قوتهم وضعفهم من أجل دعمهم على اكتساب مهارات جديدة، والمساعدة في سد الفجوات في تلك المهارات.

ثامنًا : الاستفادة من تنوع الموظفين في اختصاصاتهم وخصائصهم وامكاناتهم واختلاف وجهات نظرهم الفردية – ما يدعى بالذكاء الثقافي، كما يتطلب إيجاد نموذج ثقافي جديد بالمنظمة يقوم على أسلوب الفِرق لزيادة المرونة وسرعة تنفيذ القرارات، بالإضافة إلى بناء مهارات الاتصال الفعّالة.

وباختصار : لقد كان لجميع الثورات الصناعية تأثير عميق على العالم، والثورة الصناعية الرابعة ليست استثناءً، وسوف تشهد أماكن العمل المختلفة تحولات هائلة لا مثيل لها من قبل، وستواجه المؤسسات الحكومية والخاصة تحديات في الاعتراف بتلك التحولات والتغيرات بل والتكيف معها.

لذا فمن المهم للقادة الإداريين مواكبة العالم المتغيّر، وتبنّي نهج مستنير ومرن؛ لاستيعاب الواقع الجديد بما يقود إلى مجتمع معرفي وقدرات وطنية منافسة عالميّا، من خلال تضافر الجهود بين الأطراف المختلفة.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق