أصداءأقلام الكتاب

اللهم إني أبرأ إليك ممّا يحدث في السودان الوطن

 

بما أن الشئ بالشئ يذكر ، فإنني وللتاريخ أبرئ نفسه ممّا يحدث الآن في السودان الوطن ، وأحمل المسؤولية كاملة للبروفيسور إبراهيم غندور نائب رئيس المؤتمر الوطني السابق ووزير الخارجية السابق ، ورفقاءه الميامين في المؤتمر الوطني الحاكم ، فقد كتبت مقالا سيبقى أبد الدهر معلما وعلما في كل هامات جبال السودان نشرته في مدونتي الإلكترونية بتاريخ السبت 10 يناير 2015 تحت عنوان :

 (إن كنتم تحبونه لاترشحونه) ، وذلك قبل انتخابات 2015 التي أعيد بموجبها إنتخاب الرئيس لفترة رئاسية ثانية تمتد حتى 2020 ، وقتها وللتذكير وللتاريخ قلت في مقالي ذاك مايلي :

(وبما إنه لا يخاف عقباها فقد كشف نائب رئيس المؤتمر الوطني السوداني بروفيسور / إبراهيم غندور عن لجنة قومية جمعت أكثر من 23 ألف مؤيد لترشيح فخامة الرئيس/ عمر أحمد البشير لولاية جديدة .

هكذا ببساطة وأحسب بأن الذين تم خداعهم لترشيح البشير لم يتسن لهم دراسة التاريخ القريب لا البعيد لحالات مشابهة ، تم عبرها تشويه الديمقراطيات العربية وبإعتبارها عبثا ليس إلا ، فالديمقراطية في معناها الأوسع تعني فيما تعني التداول السلمي للسلطة وبغض النظر عن كفاءة الرئيس الحالي أو مقدراته ، فعندما يكافئ الشعب رئيسة فإنه يعيد إنتخابه لفترة رئاسسية واحدة على أكثر تقدير كما يحدث في الولايات المتحدة الإميركية مثلا ، وكما يحدث في أوروبا المتحضرة أيضا ، أما الديمقراطيات العربية سيئة السمعة فان الرئيس الذي يثبت كفاءته ومقدرته أو يثبت فشله ودمويته ، يعاد إنتخابه حتى الموت وحتى القبر كأن حواء ذلك القطر لم تلد أبدا كفاءات قادره علي قيادة الوطن ، وتلك مصيبة فكرية كبرى بطبيعة الحال) .

الآن وفي هذه اللحظة الحاسمة والمفصلية من تاريخ السودان أدعو كل أبناء الشعب السوداني وعلى إختلاف أطيافهم ومشاربهم وأهواءهم وأحزابهم وتجمعاتهم لإعادة قراءة مقالي ذاك عبر الرابط: 

https://25dirgham.blogspot.com/2015/01/blog-post_10.html

غندور بالفعل لم يخاف عقباها تلك التي حذرت منها قبل أربعة أعوام من الآن ، وهاهي (عقباها) تتحدث بلسانها الذي صمت دهرا ، ونطق غضبا وسخطا ، فهل ياترى تراني كنت أعلم الغيب ، أم تراني كنت ولا أزال أتحدث كملك كريم ، في الواقع أنا لا هذا وذاك ، ولكنني أعشق التاريخ منذ أن كنت في المهد وكهلا ، وعرفت بالشواهد الدامية عبر الأزمان والخاصة بجدلية البقاء على الكرسي (الملعون) على وزن الشجرة (الملعونة) في القرآن ، عرفت بأن البقاء الأبدي عليه لن يفضي للمسرة ، البقاء الرشيق فقط هو الذي سيخلده التاريخ ، والبقاء الخفيف هو الذي ستحتفي به الأجيال اللاحقة ، ولنا في المشير عبد الرحمن سوار الدهب أسوة حسنة ، لقد كرمته الخلائق في كوكب الأرض ، عاش مرفوع الرأس ومات عليه رحمة الله مرفوع الهامة أيضا ، ثم لننظر كيف نال من الله عز وجل حظوة لم ينالها إلا المرضي عنهم فقط ، لقد دفن في البقيع بالمدينة المنورة مع الشهداء والصالحين حقا ، وبجوار عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فأي حظوة وأي مكانة تلك التي بلغها سوار الدهب .

سأقولها بصريح العبارة بأن كل الذين آزروا وأيدوا ترشيح (فخامة) الرئيس وأرجو أن لا تحسبوه نفاقا عندما أقول (فخامة) ، فأنا لا أتقلب في نعيم السلطة ، ولم أنل جنيها سودانيا واحدا من حكومة السودان ، وليس لي سلطة أو جاه أتيه في حياضه ، ولكنه أدب الحديث الذي تعلمناه في سلطنة عُمان وحسب ، أقول كل الذين أزروا ترشيح البشير للفترة الرئاسية التي ستنتهي في العام القادم لم يكونوا يحبونه ، كانوا يحبون أنفسهم فقط ، لم يريدوا له أن يتبوأ مكانا عليا مع عظماء أفريقيا حيث هناك سوار الدهب ومانديلا العظيم ، نظروا للمسألة من زاوية ضيقة تماما ، عبر مصالحهم الشخصية دون مصلحة الوطن .

كنا نرغب أن يغدو السودان بالفعل نموذجا إفريقيا يحتذى عبر تقديس الدستور وعدم تعريضه لعبث التعديل والتأويل وبناء للأهواء ، كنا نريده أن يظهر الزهد فيها لتحتذي به الأجيال القادمة من الرؤساء السودانيين ، عندها كنا سنقول بأنه قد أفلح ، وأنه عظيم بما فيه الكفاية بغض النظر عن ما أنجزه طيلة فترة رئاستة الممتدة منذ عام 1989 ، لكنهم أضاعوا عليه فرصة الخلود تلك .

حدث هذا عندما إنبرى أصحاب المصالح ليقنعوه بالترشح لفترة أخرى 2020 ـ 2025 ، ثم تمادوا عندما أضافوا لهذه الفكرة اللا موفقة كلمة حتى (الأبد) ، فزادوا الطين بله سامحهم الله ، وبذلك فقد تمادوا في إستفزاز المواطن السوداني الذي لم يكن حقدا للبشير أصلا ، لكنهم لم يحترموا عقله فغضب ، المواطن كان يحلم في سن نهج يُتبع يرفع من صيت الوطن بين الأمم ، وليرتفع معه البشير نفسه لعنان السماء .

كنت آمل صادقا أن يترك الناس يهيمون فيه وجدا وحبا لقاء عظمة الإنجاز على الأرض ، إشارة إلى أن الزهد فيها في حد ذاته إنجاز لايدانيه آخر ، ثم بعد ذلك يتجلى هو كالقمر في ليلة تمامه ليعلن لشعبه عن شكره وتقديره وإمتنانه ، ثم يقدم إعتذاره اللبق لمحبيه ، هكذا يستطيع التاريخ أن يسجل وأن يوثق للأحداث العظيمة في حياة الشعوب العظيمة .

   لكنهم لم يلتفوا حول إنجاز عظيم شاهق وعظيم وباق أبد الدهر كإهرامات الجيزة مثلا ، ومع هذا طالبوا بتنصيبه وإلى (الأبد) ، فهل ياترى يمكننا بعدها القول بأن لدينا دستور ، أم عندنا قطعة قماش بالية ، تستخدم لمسح الغبار على الأحذية كلما جاءتنا بليل عاصفة ترابية هوجاء ، ثم هل هكذا دستور من الممكن أن يؤسس لدولة سودانية عظمى ؟!.

صدقا وحقا وددت أن أرى البشير وقد أمسى مواطنا عاديا منذ العام 2015 وهو يمشي في الأسواق ، كان حلما لم يتركوه ليتحقق ، كنت أتمنى أن أراه يعيش في منزل متواضع كمنزل الراحل والخالد جعفر محمد نميري في ودنوباوي بأمدرمان ، وددت أن أرى البشير الذي إلتقيته وجها قبالة وجه بمكتبه بالقصر الجمهوري ذات يوم ، وقد أصبح صديقا للعامة ، للجيران للحبان للخلان لستات الشاي ، للباعة المتجولين ، للتجار في أسواق أمدرمان والخرطوم ، للعمال لكل الكادحين في المصانع والمعامل ودواويين الدولة ، يناقشهم ويناقشونه يحاورهم ويحاورونه يتذكرون معه نجاحاته وإخفاقاته عندما كان رئيسا لهم فيضحكون ويربتون علي ظهره ثم يمضي كل منهم إلى حال سبيله .

صورة ربما كانت ستظل في المخيلة حية تشع ضياء حتى يطويها التراب ، لكنها ستبقى في مطلق الأحوال حلما سودانيا خالصا ، وإذا أردنا أن نستنطق مايعتمل في حنايا الصدور لنسترق السمع لهمسات وجيب القلوب فإن السوداني الحق هو ذلك الرجل الذي يرغب في أن يرى الزهد يتقدم مواكب الرئيس الذي يعشق في الأصل لبس الأسمال زهدا وخوفا من حساب عسير لابد آت ، وأن نرى الدموع في عينيه والنحيب المكبوت في لياليه المدلهمة الخطوب إذ هو يحاسب نفسه بنفسه عن مافعل وعن ماقال وعن ما أنجز ، يموت خوفا عندما يعلم بأن مريضا مات لأنه لم يجد مالا ليشتري به الدواء ، يغمى عليه عندما يعلم بان هناك طفلا مات جوعا في قرية ما نائية من قرى السودان القارة والمنكود في حظه مع الأقدار اللا رخيه .

كنا نرغب في أن نرى الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة يتلقون ذات العلاج مع البؤساء من مواطنيهم ، وهم بالقطع ليسوا بؤساء فيكتور هوجو ، وكنا نرغب أن نراهم أيضا مع مواطنيهم في الحافلات وعلى تقاطعات الطرق يسعون في الأرض إبتغاء لمرضاة الله عز وجل ، وما كنا نرغب أن نرى وأن نسمع بأن لمسؤول قصر أو جنة في الأرض فيها عنب وفاكهة ورمان .

 وهكذا ياسادتي كنا نريد أن نرى عمر وحاشيته من الزهاد والعباد سائرون على طريق عمر الخليفه الراشد وعمر الخليفة الحفيد ، وحتى إذا ما أمسى هذا الحلم حقا ، فليس ثمة مبرر لأن يقول لنا أحدهم بأن حكامنا أخوان مسلمون ، فالإسلام سلوك وتقوى ووجل ، وليس شعارات وتكبيرات وتهليلات تصم آذاننا آناء الليل وأطراف النهار .

 

ضـرغـام أبـوزيـد

صحفي وكاتب

dirgham@yahoo.com

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق