أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المجالـس الافـتـراضـية !!..

الكاتب/ سعـيد بن سالـم البادي

 

المجالـس الافـتـراضـية !!..

 

عرف المجتمع العربي قبل الإسلام عدداً من المجالس والدور التي كانت تغص بالأدباء والشعراء الذين كانت تدور بينهم المساجلات في الشعر والأدب فمن تلك الدور دار الندوة المعروف في مكة قبل الإسلام، كما عرفت المجتمعات العربية الأسواق الشهيرة كسوق عكاظ وسوق المربد وغيرها، وكانت هذه المجالس والأسواق خاصة بالكبراء وخاصة القوم وأما عامة الناس فكانت مجالسهم في الأسواق العادية والطرقات.

وحينما أعز الله الجزيرة العربية بالإسلام وبعث الله فيها خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجد العرب على تلك الصورة من المجالس والأسواق بين العرب فأمر صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتوجه إلى المساجد وعقد ندواتهم ومجالسهم فيها ونهاهم عن الجلوس في الأسواق وعلى قارعة الطريق وذلك كما جاء في الحديث الذي يرويه أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي يقول فيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إياكم والجلوس على الطرقات. قالوا : ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال : فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

فالإسلام ولكونه خاتم الأديان ومتمم الرسالات جاء كاملاً متكاملاً فلم يترك أمراً من أمور البشر وحياتهم إلا ووضع له التنظيم والتشريع المناسب له والمتوافق مع مصالح افراد المجتمع ويكفل لهم الخير والسعادة في سلوكهم ونهجهم.

ومما أهتم به الإسلام من شؤون الناس تنظيم جوانب المعاملات وتنظيم العلاقات التي تنشأ بين أفراد المجتمع في إطار القيم والقواعد الشرعية التي تنضوي هذه المعاملات تحت تنظيمها وتكفل لهم تيسير سبل التعامل فيما بينهم.

وحيث أن الإنسان بطبعه مخلوق إجتماعي جبل على حب الجماعة والألفة بدأ في تكوين ما يعزز الروابط الاجتماعية وما يؤدي إلى التواصل واللقاء وتبادل كافة الأمور والمتطلبات التي تهم الحياة وطالما هناك تعامل وتعايش بين أفراد المجتمع فتنشأ من خلال ذلك جوانب إجتماعية هم في حاجة إليها لتوثق عرى التلاحم والتعاضد بينهم مما يؤدي إلى القوة والإتحاد لمواجهة ظروف الحياة.

ومن تلك الجوانب التي أهتم بها الانسان عقد المجالس والندوات في الدور والأسواق فيؤمها الشعراء والأدباء ومحبو العلم والأدب بالإضافة لتبادل السلع والتجارة بصورة عامة وغيرها مما تحتضنه هذه المجالس والأسواق وقد اهتم بتنظيمها والحرص على إحترام قدسيتها وآدابها وظلت على هيئتها التي هي عليها في تلك الحقبة من الزمن إلى وقت قريب.

وأما في وقتنا الحاضر فقد كثرت المجالس الطبيعية التي تجمع الناس فتشابهت في الهدف واختلفت في هيئتها ومكانها فمنها المساجد والمكتبات والمجالس الثقافية وغيرها وهي تقوم بدورها بالطريقة التي تتناسب مع هيئتها وتكوينها وموقعها وروادها.

وفي نفس الوقت ظهرت المجالس الافتراضية أو ما يسمى المجموعات الإفتراضية في الواتس أب ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى والتي أصبحت من أهم الوسائل التي يمكن أن تعتبر من قبيل المجالس التي يتجمع فيها عدد كبير من الأفراد بغرض تبادل المعلومات والأخبار التي تطرأ على المجتمع أو في سائر بلدان العالم ويعقدون اللقاءات من خلالها لمناقشة بعض المسائل والظواهر الاجتماعية كما يتحاورون فيما بينهم سواء في الادب أو الشعر أو الفكر وسائر جوانب الثقافة العامة والجوانب التجارية والإقتصادية وهي الجوانب التي يستفيد منها الانسان بصفة عامة في تطوير ذاته ليصبح شخصاً فاعلا في مجتمعه كما نجد في الجانب المقابل بعض المجموعات التي ترسل وتستقبل الرسائل والموضوعات التي لا فائدة منها إلا هدر للوقت وضياع للعمر فيما لا ينفع.

وكون هذه المجموعات أو المجالس الافتراضية أصبحت بمثابة المجالس الطبيعية التي يتجمع فيها نخبة من المثقفين والمفكرين والتجار والسياسيين وغيرهم من الفئات المختلفة لتبادل الثقافات والمعلومات والأفكار والخبرات المختلفة والمناقشات الهادفة ونقل الأفكار البناءة وتصحيح بعض المسارات الاقتصادية والسلوكيات الإجتماعية وتوجيه الاستشارات وطرح الآراء التي يستفيد منها القائمون على رسم السياسات في بعض جوانب حياة البشر والانتقادات البناءة التي على ضوئها تصحح بعض الاجراءات التي تمس خدمات الفرد والمجتمع فإنه ينبغي لأعضاء هذه المجالس (المجموعات) الحرص على التمسك بالقيم والقواعد التي تقوم عليها المجالس الطبيعية كونها لا تختلف عنها وعن أهدافها في المضمون إلا في الشكل والموقع.

ومن القيم والقواعد التي ينبغي للمجموعات الحرص على التمسك بها الالتزام بالقواعد التي يضعها مؤسس أو مشرف المجموعة ، والإصغاء إلى آراء الآخرين وعدم التجريح بالكلام لمن يطرح رأي أو فكرة معينة ، وكذا عدم الردود التي يمكن أن تنتقص من قدر الطرف الآخر.

كذلك عدم طرح آراء أو أفكار يعلم من يطرحها أنها لا تناسب أحد الأعضاء الجالسين في هذا المجلس (المجموعة) وخاصة الأفكار والآراء التي تمس الدين والمعتقدات والأشخاص ولو كان لدى من يطرح الفكرة أو الرأي يعتقد أنها صواب من ناحية وجهة نظهره ولها فائدة مجتمعية فطالما تعلقت بالدين أو فكر معين فينبغي له أن يتجنب طرحها مراعاة لآداب وقواعد المجلس (المجموعة) ومشاعر الآخرين إضافة إلى ذلك أنه هو ذاته المفترض أنه لا يرغب أن يكون سبباً في إثارة مشاعر أحد الأعضاء في المجموعة فمن يطرح ما يعلم أنه لا يناسب أحد الجالسين أو أحد الأعضاء فكأنه تعمد الإساءة وإثارة مشاعره وهذا ما لا ينبغي أن يبدر منه  كما يتعين عليه أن لا يضع نفسه في موضع يجعل الاخرين يأخذون عنه انطباعاً لا يليق به فالإنسان يحرص أن يخرج من المجالس التي يدخلها بصورة وانطباع حسن من قبل الآخرين في المجلس.

كذلك عدم طرح ما يمكن أن يثير النعرات الطائفية أو القبلية أو الفكرية والمذهبية ولا سيما ونحن في بلاد اقتلعت جذور الطائفية البغيضة التي لا تأتي إلا بالشر ولا تثمر إلا الدمار والخراب وتأجيج نيران الفتن والتشاحن والبغضاء.

وبالمقابل يجب أن تطرح النقاشات الهادفة والمواضيع الثقافية التي تثري العقول والتي تخدم الفرد والمجتمع وكذلك انتقاء الكلمات والعبارات التي تبني الترابط والإخاء والمودة والمحبة بين أفراد المجلس أو المجموعة والمجتمع بصورة عامة والحرص على الردود والنقاشات بمصطلحات تنبئ عن الرقي الأخلاقي والثقافي للشخص المحاور ونقاء سريرته وسمو خلقه فيثمر ذلك حباً وتماسكاً بين الجميع.

‫2 تعليقات

  1. ما شاء الله . كلمات جميله يحتاجها البعض والاجمل مما رأيت الاقتباسات الجميلة من الشريعه الاسلاميه . تشكر يا ابو مصعب وبارك الله فيك .وفقك الله الي المزيد باذن الله تعالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى