أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المحاماة ومعاونة القضاء في تحقيق العدالة .. الجـزء (3)..

الدكتـور/ سعـيد بن عـبدالله المعـشـري

مستـشار قانـونـي

 

المحاماة ومعاونة القضاء في تحقيق العدالة .. الجـزء (3)..

 

إن التحولات التاريخية التي حدثت في أوروبا بعد سقوط الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية في العصور الوسطى كان لها التأثير المباشر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بها، وبما فيها الأنظمة القضائية التي أخذت بُعداً كبيراً خلالها مما ساهم في إحداث تطورات تدريجية وجذرية على مهنة المحاماة، على الرغم أنها ظلت بطابعها الديني السابق تأثراً بالأسس الدينية التي قامت عليها الحضارتين الرومانية والبيزنطية في العصور القديمة، ولذلك من الممكن تسليط الضوء عليها في فرنسا وانجلترا باعتبارهما القطبين الرئيسين في رسم هذه التحولات والتطورات في أوروبا بين العصور القديمة والوسطى، وبما أننا قد ألمحنا عنها في فرنسا بالجزء السابق من هذا المقال، فيكون من المناسب تكملت قراءة هذه التحولات والتطورات ايضاً عنها في إنجلترا.

وإذ يعتبر الظهور الحقيقي لتنظيم مهنة المحاماة في إنجلترا بالعصور الوسطى كان في عهد إدوارد الأول (Edward I) (1272م -1307م)، وخلاله تم سن بعض التشريعات التي تنظم معايير وشروط قبول المحامين والجزاءات المترتبة على مخالفتهم لسلوك ممارستهم للمهنة، وقد تم تولية القضاة السلطة الكاملة لمنح تراخيص قبول المحامين وفرض الرقابة على سلوكهم وتوقيع الجزاءات المترتبة على مخالفتها، وكذلك حدد النظام نوعين من المحامين، النوع الأول هم الذين يمثلون أمام المحكمة للدفاع والتحدث نيابة عن موكليهم، وأما النوع الثاني هم المحامين الذين يتعاملون مع المسائل الإجرائية وإدارة دعاوى موكليهم، ويرجع أسباب ظهور المهنة بهذا التنظيم الخاص في إنجلترا هو استجابة للمتغيرات والتطورات القانونية المنفصلة والمترابطة في النظام القانوني بإنجلترا التي حدثت منذ عهد هنري الثاني (Henry II) (1154م -1189م)، واستمر هذا التنظيم في إنجلترا وويلز الى يومنا هذا.

والجدير بالذكر أن أحد أهم التحولات التي حدثت للمهنة في العصور الوسطى بأروبا والتي استمرت شاخصة إلى يومنا هذا هو ارتداء المحامي للعباءة السوداء التي يعود تاريخ ارتداؤها إلى العصور الوسطى في فرنسا تأثرا بالنظام الكهنوتي بحكم أن أغلب المحامين كانوا من رجال الدين يرتدون أردية سوداء وقلنسوة (أي غطاء للرأس)، وأما في الأيام الاحتفالية كانوا يرتدون رداءً قرمزيًا وقلنسوة لترمز إلى الانتقال إلى السلطة القضائية الملكية، واستمر هذا الوضع حتى عام 1540م، وبعدها تم تحديد ملابس خاصة للمحامين التي هي عبارة عن رداء طويل وقبعة مستديرة يكون كلاهما أسود مع منع المحامين بتربية اللحى، وهذا هو السبب في أن المحامين يرتدون إلى يومنا هذا رداءً أسود عندما يترافعون أمام المحاكم.

– تطور مهنة المحاماة في العصر الحديث والثورة في أوروبا :

إن التطورات التي صاحبت مهنة المحاماة بأروبا في العصور الوسطى كان لها الأثر الكبير في تطور المهنة في العصر الحديث، وفي فرنسا كان البدء في حدوثها منذ القرن السادس عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر من خلال تنظيم مهنة المحاماة بهيئة مستقلة ومنفصلة عن هيئة القضاء مع تمكين المحامين المشاركة في تدوين الجمارك من أجل مواءمة القوانين في كل إقليم في فرنسا، إلا أنه لم يكن لهم دوراً أمام المحاكم في الدفاع عن موكليهم سوى أن يكونوا لهم مستشارون قبل مثولهم أمام المحكمة، إلا أن مع ثورة الإصلاح ونهاية الإمبراطورية الثانية مُكن المحامين بحضور التحقيقات والمرافعات، وفي  القرن التاسع عشر أُعيد للمحامين استقلاليتهم مع اعتبار المهنة مهنةٌ حرة وعلى أثره تم تأسيس نقابات لهم في كل المقاطعات الفرنسية مع منحهم الحصانة الكاملة عند الترافع، وكذلك في عام 1851م الزم المحامي الدفاع عن الفقراء دون مقابل.

فأن في ظل الجمهورية الفرنسية الثالثة حتى عام 2021م، افرزت هذه المهنة الكثير من الساسة، منهم حوالي (11) محاميا تقلد رئاسة فرنسا كفرانسوا ميتران ونيكولا ساركوزي، وأيضا حدث تحول كبير للمهنة في عام 1900م عندما فتح المجال للنساء أن يكونا محاميات، وإذا تعتبر المحامية جين شوفين (Jeanne Chauvin) أول محامية في فرنسا.

ووفقاً لقانون 31 كانون الأول 1971م الذي حدد شروط مزاولة مهنة المحاماة في فرنسا، والتي تتلخص في أن يكون الشخص طالب ترخيص المزاولة يحمل الجنسية الفرنسية، أو يحمل جنسية دولة عضو في المجموعات الأوروبية أو طرف في اتفاقية المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وأيضا أن ينتمي إلى دولة تعطي الفرنسي الحق بممارسة مهنة المحاماة بها، أو لديه صفة لاجئ أو شخص عديم الجنسية معترف به من قبل المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية، ولم تتم أدانته بجنائية لأفعال مخلة بالشرف أو الأمانة أو الأخلاق الحميدة، أو مرتكبًا لأفعال من نفس الطبيعة تؤدي إلى عقوبة تأديبية أو إدارية بالفصل أو سحب الموافقة لمزاولة المهنة، وألا يكون قد خضع لإفلاس شخصي أو عقوبة أخرى بموجب الباب السادس من القانون رقم 85-98 المؤرخ في 25 يناير 1985 المتعلقة بإعادة تنظيم وتصفية الشركات أو وفقًا للمادة الثانية للقانون رقم 67-563 المؤرخ في 13 يوليو 1967 بشأن التسوية القضائية وتصفية الأصول والإفلاس الشخصي وحالات الإفلاس.

وأما شرط المؤهلات للشخص طالب ترخيص مزاولة المهنة أن يكون حاصلاً على مؤهل في القانون معترف به، والحصول على شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة (CAPA) من أحد المراكز لإقليمية بفرنسا للتدريب المهني للمحامين، فأن للحصول على هذه الشهادة عليه حضور دورة تدريبية لمدة (18) شهرًا، مقسمة إلى ثلاث مراحل: ستة أشهر دراسة نظرية، وستة أشهر مشروع تعليمي فردي، و6 أشهر التدريب في مكتب محاماة، مع كتابة أطروحة، وبعدها اجتياز الامتحان النهائي، من ثم أداء القسم والتسجيل بنقابة المحامين للممارسة.

وأما في العصر الحديث والثورة في إنجلترا حدث تطورا كبيراً على مهنة المحاماة من الناحية التنظيمية مع الحفاظ على السياق التاريخي التي مرت به المهنة من مراحل التطور والتحول منذ العصور الوسطى، حيث أن النظام المعمول به في إنجلترا كذلك يخضع له المحامين في ويلز، والذي يشترط للترخيص للمحامي أن يكون حاصلاً على مؤهل في القانون، أو اجتيازه سنة دراسية إضافية أو دبلوم عالي في القانون إذا كان لا يحمل مؤهلاً في القانون، وإلى جانب ذلك يلزم باجتياز دورة تأهيل المحامين بمعهد تشارترد للتنفيذيين القانونيين (CILEx) الذي تأسس في عام 1963م بمساعدة من جمعية القانون في إنجلترا وويلز من أجل تدريب وتأهيل المحامين.

وقد قسم النظام مهنة المحاماة إلى فرعين متميزين، هما السوليستر والبارستر(solicitors and barristers)، ويكون دور المحامي السوليستر (ٍSolicitor) إلى جانب تقديمه للاستشارات القانونية لموكليه له حق تمثيلهم أمام المحاكم، وأما المحامي الباريستر(Barrister) يقتصر دوره في تقديم المشورة لموكليه وللمحامي السوليستر ((solicitor دون له حق الترافع أمام المحاكم، ولذلك يتم تأهيل المحامين على مسارين مختلفين.

فأن مسار تأهيل المحامي السوليستر (ٍSolicitor) إذا كان يحمل مؤهلاً في القانون، أن يلتحق بدورة تدريب قانونية لمدة سنة، ومن ثم يلتحق بفترة تدريبية لمدة عامين كمحامي (Solicitor) متدررب، وأما الأشخاص الحاصلون على درجة علمية غير مؤهلة في القانون يلزمون بقضاء فترة إضافية من الدراسة مع اجتياز دورة تُعرف باسم الامتحان المهني المشترك (CPE) أو دبلوم الدراسات العليا في القانون (GDL)، ومن ثم يلزم باجتياز دورة تدريب قانونية بالإضافة إلى التدريب كمحامي متدرب حاله والحاصلين على مؤهل في القانون كما أشرنا إليه آنفاً.

وأما مسار تأهيل المحامي الباريستر (Barrister)، أولا يجب أن يكون حاصلاً على شهادة في القانون أو ما يعادلها، ومن ثم يتطلب اجتيازه دورة تحويل في مجال القانون (أو دبلوم الدراسات العليا في القانون)، مع ذلك لا يتطلب عليه التدريب في مكتب أو شركة محاماة، وأنما يخضع لدورة واختبار كفاءة المحامين (BCAT)، وإذا نجح منها، يحصل على عضوية في أحد جمعيات Inn of Court لمحامي الباريستر(Barrister) ليتمكن بعدها من ممارسة مهامه. وبهذا فأن للحديث بقية في الجزء التالي من هذا المقال.

___________________
المراجع:

– د. عكاشة عبدالعال، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية، منشورات الحلبي الحقوقية، 2002م.

-Jonathan Rose Professor of Law College of Law Arizona State University, The Legal Profession in Medieval England

A History of Regulation, (https://papers.ssrn.com).

– Victoria Cromwell, Head of U.K. Programmes, BARBRI International, WHAT DOES IT MEAN TO BE A LAWYER IN ENGLAND AND WALES?, posted on (https://barbriqlts.com).

– THE MAIN INSTRUMENTS Mandature 2012-2014 THE LEGAL English Version PROFESSION IN FRANCE.

(التشريعات الرئيسية للفترة (2012-2014م) للمهن القانونية في فرنسا الطبعة الإنجليزية).

– Clément VEDEL (Évolution de la profession de l’avocat de Rome à nos jours.), on web: (malafosse-vedel).

– LES AVOCATS À TRAVERS L’HISTOIRE DE L’ANTIQUITÉ À NOS JOURS, on web: (Avocate Hamon Degionni).

– Moyen Age : le jugement de Dieu, on web: lhistoire.fr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى