أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المحاماة ومعاونة القضاء في تحقيق العدالة .. الجزء (5)..

دكتور/ سعيد بن عبدالله المعـشري

مستـشار قانـونـي

 

المحاماة ومعاونة القضاء في تحقيق العدالة .. الجزء (5)..

 

فإن فيما يتعلق بظهور المحاماة تاريخياً في العالم الإسلامي بمفهومها الحديث، ذلك لم يكن الا في الدولة العثمانية في عام 1292 هـ/ 1876م، فمن خلاله تم إصدار نظام شبيه بنظام المحاماة يعرف بالوكلاء الذين يعهد لهم تقديم الدعاوى عن موكليهم، وبعدها ظهر ذات النظام في مصر سنة 1884م باسم نظام “مهنة الوكلاء” تأثراً بحكومة المركز للدولة العثمانية على اعتبار أن مصر كانت ولاية تابعة لها، وبموجبه تم وضع عدد من الشروط التي يجب أن يتمتع بها المترافعون أو الوكلاء في عام 1885م، ومنها أن يشترط إجازة الخصوم بتوكيل غيرهم للدفاع عنهم.

وأما عن نظام القضاء والقوانين والشرائع في المعاملات المالية والشخصية بالدولة الإسلامية فقد مرت بعدد من المراحل في تطورها منذ مبعث سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لحكمة التدرج التي تميزت به رسالة الإسلام في إعادة تنظيم المجتمع الإنساني سواء بتحريم بعض العادات الجاهلية وترسيخ الأنظمة الاجتماعية المُثلى التي تنظم العلاقات الشخصية والمالية بين أفراد المجتمع حتى يتقبلها المجتمع ويتعود عليها تدريجياً، وكذلك بلا شك أن الحضارة الإسلامية كان لها الدور البارز في خدمة البشرية قاطبةً لما قدمته من العلماء والمفكرين في مختلف العلوم الإنسانية، ويعود الفضل في ذلك إلى أن تعاليم الدين الإسلامي تحض على طلب العلم والاجتهاد فيه ومن يسلك طريقه ينال الأجر والثواب عند الله مما جعل الكثير من المسلمين الاهتمام في دراسة مختلف العلوم الإنسانية ومنها ما كان من مورثات الحضارات السابقة التي تم تطويرها مما ساعد في الحفاظ عليها إلى يومنا هذا.

وعلى الرغم من اهتمام الفقه الإسلامي بالقضاء الا أنه لم يكن هناك ممارسات مشابهة لمهنة المحاماة بحسب المفهوم الحديث في المحاكمات التي كانت تُجرى في المدينة المنورة ومكة المكرمة والولايات الإسلامية منذ مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ظهور بوادر المهنة بنظام الوكيل في الدولة العثمانية –كما اشرنا إليه آنفاً، ويرى أن الأسباب في ذلك هو لوعي الناس بتعاليم دينهم الإسلامي الحنيف والتمسك بها التي كان لها الدور أن يلتزم المتخاصمون بالصدق والأمانة أمام القضاء مخافة من الله عز وجل من سخطه وعذابه في الدنيا والآخرة، وأيضاً أن خصال المرؤة التي كان يتصف بها العربي في جاهليته التي تأصلت فيه مع ظهور الإسلام تجعل أن يكون صادقاً وأميناً في المخاصمة، وكذلك أن وجود نظام اجتماعي قائم على الصلح بين المتخاصمين في الغالب يرأسه وجهاء القبيلة إذا كانت الخصومة في ذات القبيلة أو وجهاء القبائل إذا كانت الخصومة بينها، مما خفف العبء على القضاة في نظر المخاصمات بين الناس.

وأيضا يعتبر نظام الوكيل الذي ظهر في الدولة العثمانية كان مستمداً من الشريعة الإسلامية، وكذلك وجد في أغلب الدول والمدن الإسلامية الأخرى الذي كان لا يقتصر على النيابة في الخصومات أمام القضاة بل على الانابة في المعاملات المالية والشخصية، وكذلك ساعد بظهور أنظمة المحاماة في العالم الإسلامي في العصور الحديثة تأثراً لما طرا على هذه المهنة من تطورات في الحواضر الأخرى من دول العالم وخاصة الدول الأوربية والولايات المتحدة الامريكية ولاتفاق مبادئها مع الشريعة الإسلامية، وقد أجمع جميع الفقهاء المسلمين في مختلف المذاهب على جواز المرء تفويض غيره للقيام بتصرف نيابة عنه، للحاجة الداعية لها بعلة أن هناك من الناس لم يؤتَ القدرة والكفاءة وما يؤهِّله للقيام بأعمال قد يكون في أمسِّ الحاجة إليها.

وقد يكون من أسباب عدم ظهور نظام المحاماة في الدولة الإسلامية في بداية مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين والدولة الاموية والعباسية بسبب طبيعة النظام القضائي القائم وقتها، الذي مر بتطورات استمدت في بدايتها مما يوحى على النبي صلى الله عليه وسلم في الفصل بين المتخاصمين، ولذلك لم يكن للمسلمين قاض سوى النبي صلّى الله عليه وسلم في عهده، وولى القضاء غيره من الصحابة في حضرته، ليعلمهم كيفية القضاء بين الناس وأصوله حتى يقوموا بهذا الدور في حال غيابه أو وفاته، أو من أجل تدريبهم واختبارهم قبل إرسالهم للقضاء في الأمصار المختلفة من الدولة، وبعد ما اتسعت الدولة الإسلامية كان لابد من إرسال الولاة إلى أطراف الدولة المختلفة يعهد إليهم بالقضاء كجزء من أعمالهم في إدارة شؤون الولاية، ومثال على ذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قاضياً إلى اليمن.

وأما في عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، اختلف الأمر حول فكرة إدارة القضاء بين خليفة وآخر، وفي عهد أبوبكر الصديق رضي الله عنه كان يقضي بنفسه بين الناس، ولم يكن للقضاء ولايةٌ خاصَّة مستقلةٌ عن الخليفة، كما كان الأمر في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وأما في عهد عمر بن الخطاب ولى بعض الصحابة على القضاء في المدينة، منهم زيد بن ثابت وأبو الدرداء رضوان الله عليهم، وكما عين عددًا من القضاة في الأمصار منهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على قضاء الكوفة، وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يعين القضاة على الأقاليم حينًا، مثل تعيينه كعب بن سور على قضاء البصرة، ويترك القضاء للوالي حينًا آخر، أما في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكان يتولى القضاء بنفسه في الكوفة، أما الأمصار فكان تعيين القضاة غالبًا من قبل الولاة، وبعضهم يعين من علي رضي الله عنه مباشرة، وقد كانت مصادر الحكم في عصر الخلافة الراشدة هي القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد والرأي، وقد كان القضاة يقضون في الحقوق المدنية والأحوال الشخصية، أما القصاص والحدود فكان الحكم فيها للخلفاء وأمراء الأمصار، فلابد من موافقتهم على الحكم ولم يكن للقضاء مكان مخصص، بل يقضي القاضي في البيت والمسجد.

وفي عصر الدولة الأموية كان القضاة يخضعون لإشراف الخلفاء، إذا يَتم تعيينهم وعزلهم بأوامر منهم، غير أن الخلفاء مع ذلك لم يَكونوا يُصدرون الأحكام القضائية بأنفسهم أو يضعون أُسسها كما كان في عهد الخلفاء الراشدين بل كان للقضاء دورهم في ذلك، وفي الدولة العباسية ظهر منصب قضائي جديد وهو قاضي القُضاة هو منصب ظهر أيام خلافة هارون الرشيد بعد أن ظهرت الحاجة المُلحَّة إلى فصل السلطة القضائيَّة عن السلطة التنفيذيَّة بعد أن ازدهرت الدولة الإسلاميَّة وتنوعت مرافقها وتوسعت وصارت الحاجة مُلحة أن يتولى كل شخص في الدولة منصبًا إداريًّا مستقلًّا عن غيره من المناصب، وكذلك ظهر في هذه الفترة دور العلماء في التأثير على القاضي باجتهاداتهم وآرائهم، إذ كان للقاضي والعالم ظهورهم بزي مميز عن غيرهم من العامة. وبهذا فإن للحديث بقية في الجزء التالي من هذا المقال.

المراجع :

– احمد عجاج كرمى، الإدارة في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، دار السلام-القاهرة الطبعة الأولى.

– أحمد محمد مليجي، النظام القضائي الإسلامي، مكتبة وهبة، عابدين، مصر، 1984م.

– د. محمد الزحيلي، التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي، دار الفكر دمشق، 1980م.

– د. عبدالرحمن إبراهيم عبدالعزيز الحميضي، القضاء ونظامه في الكتاب والسنة، جامعة أم القرى، 1989م.

– مقال: مؤسسة المحاماة في الدولة العثمانية، منشور على (https://www.jurix.com.tr/article/17671).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى