أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المحاماة ومعاونة القضاء في تحقيق العدالة .. الجـزء (6)..

الدكتـور/ سـعـيـد بن عـبـدالله المعـشـري

مسـتـشار قانـونـي

 

المحاماة ومعاونة القضاء في تحقيق العدالة .. الجـزء (6)..

 

تعتبر جمهورية مصر العربية من الدول العربية الرائدة في تشريعات أنظمة المحاماة وتطورها، وكان أول ظهور لنظام المهنة بها في عام 1884م باسم “مهنة الوكلاء” كما أشرنا اليه في الجزء السابق من هذا المقال، وذلك بعد تأسيس المحاكم المختلطة في عام 1875م والمحاكم الأهلية في عام 1883م، والتي كانت تشترط للوكيل للحضور أمامها أن يكون مجازاً من الخصوم للدفاع عنهم، وكذلك أن يكون الوكيل حسن السمعة والطلاقة في الحديث، وكذلك نظراً لخلو لائحة الاجراءات وترتيب المحاكم الأهلية يومها من تنظيم خاص بالمحاماة قررت محكمة الاستئناف بها وضع قيود على قبول الوكلاء في المرافعة بتاريخ 3 مايو سنة 1884م، ومنها أنه يجب على من يرغب أن يكون وكيلا في المرافعة عن الخصوم أن يرفق بطلبه شهادة تدل على حسن سيرته، وعلى أنه خالاً من السوابق الجرمية، ولم يشترط القرار ان يكون لدى الوكيل كفاءة علمية، بل كذلك أجاز لمن يجهلون اللغة العربية المرافعة أمامها من خلال الاستعانة بشخص آخر مترجما لهم.

إلا أنه مع إنشاء مدرسة الإدارة واللغات في عهد الخديوي إسماعيل التي تطورت لتصبح بعدها مدرسة الحقوق أُشترط للوكيل أن يكون حاصلاً على ليسانس في الحقوق، ومع تأسيس هذه المحاكم في ظل التطور القضائي الذي شهدته مصر حينها، وتأثرا بالتطورات القضائية المحيطة بها سواء في الدولة العثمانية والدول الأوروبية المجاورة لها، اقتضى بأنشاء نقابتين للمحامين منفصلة لتكون واحدة للمحاكم المختلطة والأخرى للمحاكم الأهلية لتنظيم المهنة أمامها إلى أن تم دمجها في نقابة واحدة في عام 1956م.

ويأتي من أهم التطورات التي مرت عليها نقابة المحامين المصرية كانت مع صدور قانون المحاماة رقم 26 بتاريخ 30 سبتمبر سنة 1912م، الذي بموجبه تم أنشاء نقابة أخرى للمحامين أمام المحاكم الأهلية، وكذلك أنشئت بعدها نقابة ثالثة للمحامين أمام المحاكم الشرعية فى 20 يونيو 1916م، إلا أنه بعد أن شهدت مصر من التطورات القضائية الحديثة وكذلك في مهنة المحاماة الذي كان أهمها بإنشاء ثلاث نقابات للمحامين منذ بداية ظهورها، بعدها ألغيت “نقابة المحامين أمام المحاكم المختلطة “عقب إلغاء المحاكم المختلطة في أبريل 1949م، ومن ثم أُلغيت أيضًا “نقابة المحامين أمام المحاكم الشرعية” بالتوازي مع إلغاء المحاكم الشرعية في يناير 1956م، ولتصبح النقابات المنفصلة نقابة واحدة لجميع المحامين في مصر، ولذلك تعتبر نقابة المحامين المصرية من أقدم النقابات على مستوى الوطن العربي، وإذ يعود نشأتها فعلياً إلى القرار الصادر في عام 1876م الذي قضى بإنشائها رسميًا في 9 يونيو 1887م.

وحيث كان الهدف من أنشاء النقابة هو لتنظيم ممارسة مهنة المحاماة، وضمان حسن أداء المحامين واستبعاد من تسوء سمعته وكفالة حق الدفاع للمواطنين، وتقديم المساعدات القضائية لغير القادرين منهم؛ من خلال ترشيحها للمحامين للدفاع عنهم، ورعاية مصالح أعضائها، وضمان التعاون في العمل فيما بينهم، وتشجيع البحوث القانونية ودراسات الشريعة الإسلامية والتعاون مع النقابات المهنية والمنظمات المماثلة في الدول المجاورة والنداء بقضايا الحرية والسلام.

ولتأكيد قانون المحاماة المصري وفقاً للمادة (1) على أن المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وفي تأكيد سيادة القانون، وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم، ولا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون، لذلك اعتبرت نقابة المهنة وفقاً للمادة (120) على أنها مؤسسة مهنية مستقلة تضم المحامين في جمهورية مصر العربية المقيدين بجداولها وتتمتع بالشخصية الاعتبارية ومقرها القاهرة وتتبعها نقابات فرعية على النحو الذى ينظمه القانون، ووفقاً للمادة (121) التي نصت على أن النقابة تعمل على تحقيق الأهداف الآتية وفق أحكام القانون:

أ- تنظيم ممارسة مهنة المحاماة وضمان حسن ادائها.

ب- كفالة حق الدفاع للمواطنين وتقديم المساعدات القضائية لغير القادرين منهم.

ج- العناية بمصالح اعضائها وتزكية روح التعاون بينهم وضمان استقلالهم في أداء رسالتهم.

د- تشجيع البحوث القانونية ودراسات الشريعة الإسلامية.

هـ- التعاون مع النقابات المهنية والمنظمات المماثلة في الدول العربية والدول الافريقية وغيرها للعمل على خدمة الأهداف القومية للامة العربية ونصرة قضايا الحرية والسلام والتقدم.

وعلى أثر ذلك نجد أن أغلب التشريعات في الدول العربية تنظم مهنة المحاماة بذات النهج الذي أتبعه المشرع المصري في أن يكون للمهنة نقابة مختصة في تنظيم المهنة والترخيص بمزاولتها وتحقيق الأهداف ذاتها الواردة في القانون المشار إليه، إلا أن بعضا من هذه الدول أبقت تنظيم المهنة لجهة حكومية مختصة كما هو متبع في أغلب دول مجلس التعاون إلى جانب التصريح بأنشاء جمعيات أهلية ترعى مصالح المحامين ولئن أوجدت على غرارها في المملكة العربية السعودية هيئة للمحامين إلا أنها لم تخرج عن الاطار التنظيمي المتبع في بقية دول المجلس فيما يتعلق بالجمعيات الأهلية لمهنة المحاماة أو تنظيم المهنة من قبل الجهة الحكومية المختصة، ومثال ما هو متبع في سلطنة عمان الذي أوكل فيها الاختصاص بتنظيم المهنة إلى وزارة العدل والشؤون القانونية لتمارسه عبر لجنة قبول المحامين المشكلة أعضائها من السلطة القضائية والمحامين إلى جانب ذلك تم الترخيص بتأسيس جمعية أهلية للمهنة لها استقلاليتها للعمل على رعاية مصالح المحامين وترسيخ أصول وتقاليد مهنة المحاماة والاستشارات القانونية والارتقاء بها وتطويرها والمساهمة في تنظيم شؤونها وضمان حرية المحامي في ممارسة مهنته وفقاً للأصول المهنية والقواعد القانونية المتعارف عليها.

وبهذا فإن للحديث بقية في الجزء التالي من هذا المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى