أصداء وآراء

المحظورات في الأعمال الأدبية..

 

الكاتـبة/ د . كـريـمة نـور عـيـساوي

أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات

كلية أصول الدين – جامعة عبد المالك السعدي

تطوان، المغرب

 

المحظورات في الأعمال الأدبية..

 

الكتابة هوس إنساني منذ ظهور الأبجديات وإلى عصرنا الحالي، هي فعل يلامس الروح ويداعبها. إذ لا يمكن للكاتب إلا أن يعيش لحظات توجس كبرى قبيل عملية الكتابة أو لحظة تحققها في كل تجلياتها وتمظهراتها.

هي سمو في عالم الكلمة، وتحليق في سماء الإبداع  خارج رتابة الحياة المضنية، إنها الانفلات من اللحظة  الهاربة والانسلاخ عن الواقع الكئيب، هي العيش في الأحلام المشتهاة الممتدة عبر السنين فيما نُقبل عليه أو نَبغيه او نَتبرم منه ونَهجره، إذ لا يمكن أن تكون كاتبا وتختار سبل الحياة الحقيقية  التي يتحقق فبها وجودك الإنساني؛ إلا وأنت تسبح في بحر من الحرية دون قيود أو دون مقص رقيب يُسلط منظاره دون انقطاع أو يتوارى مترقبا اللحظة المناسبة  لسن مقصلته الصدئة التي تتحين الفرصة للظفر بعنقك في احتفالية خالدة.

الكتابة هي انفلات كلي من ربقة الزمن، وعيش آني برحابة داخل كل الأزمة، من ماض وحاضر ومستقبل، إذ لا وجود للزمن الوحيد ولا الأدب الوحيد، إنها التوظيف الجامع لكل الفنون في لوحة واحدة تتشكل من رسم وموسيقي وأدب ومسرح… أو ما يُمكن أن ننعته بالأدب التنويري .. هو غناء يصح ترجمته لكل اللغات، ويصل بنفس المعنى، وبنفس الإحساس، وعبر نفس الألحان إلى أذن المتلقي.

هي فلسفة خاصة يصعُب إدراجها داخل مدرسة معينة أو إحالتها على فيلسوف معين، الكتابة الحقيقية هي العابرة لكل الأمكنة، وكل الأزمنة والمتحققة فعلا وبالقوة عند كل الشعوب.

لا يمكن للكتابة أن تكون في نظري فاعلة إلا إذا استطاع الكاتب طرق ما يشاء، وقت ما يشاء، وبالطريقة التي يشاء دون أن يحس أن ذلك المتربص به قد مر من هناك، وانتهك المحظور، وطرق التابو الثلاثي.

الكاتب الحقيقي يلامس كل ممنوع اقتنع به، وآمن به عبر رمزه الذي يُخفيه، ويختفي وراءه كما لو أنه يرتدي طاقية الاخفاء، يلج الحديقة، يُشذب ما يختاره من الزهور، ويصفف المزهرية باحترافية وفنية ويتجاوز الرقيب، إذ الكتاب الحقيقي هو الذي يستطيع أن يبعث الأسطورة في عصره، ويجعلها تتماشى معه، ويلبس القناع، ويحسن ارتداءه. الكاتب الحقيقي هو من يتماهى مع كل مظاهر الطبيعة، ويبدع بطريقته الخاصة، ويقدم موضوعه في أريحية تامة عبر الوسائل المتاحة من غموض وإيحاء وانزياح، فاللغة هي الوعاء الوحيد الذي تستطيع أن تملأه بما تشاء دون أن يتمكن الرقيب من كشف ذلك، بل تمر المواضيع المحظورة بجانبه، وهو في غفلة من أمره، لسبب بسيط لأنه يراهن على الواضح من المعاني، ولا قدرة له على فك شفرة النص، تلك الشفرة التي لا يفقه حقيقتها إلا أصحاب الاختصاص أو أولئك الذين ألفوا فك طلاسم الشفرات الأدبية.

إن ما يحقق للكتابة الإبداعية وجودها الفعلي هو الغموض إذ هي غوص في الممكن وألا ممكن حيث لا توجد حدود فاصلة بين الممكن والممنوع والمسكوت عنه، لأن الحروف المبدعة حقيقة لا تفقه قاموس المنع بل تقتحم كل ما عجز عنه الآخرون، لذا يصعب على الكاتب غير المحترف التعامل معها وتوجبهها في مسار معين، و جعلها قابعة داخلة إطار معين محنطة لا روح فيه، لأنها ستصبح مبتذلة ومملة وركيكة، الحروف الحقيقية هي التي لا تهاب المحظورات ولا التابوهات.

تعليق واحد

  1. أعتبر هذا المقال بيانا للكتابة مؤسسا وجامعا ومحددا لحدودها وأسسها البانية،نظرا لعمق الرؤية والرؤيا وبلاغة التعبير وأصالة الإشارة ….

    احمد بهيشاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى