أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المدرسة القابوسية .. وفن البروتوكول والإتيكيت .. الجزء (2)..

دبلوماسي سابق – كلية عُمان للإدارة والتكنولوجيا

 

 

المدرسة القابوسية .. وفن البروتوكول والإتيكيت .. الجزء (2)..

 

إن الذوق الرفيع للمغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد “طيب الله ثراه” يحتاج ليس مجلداً واحداً فقط بل لمجلدات لبيان وشرح فن الدبلوماسية الراقي لباني السلطنة الحبيبة منذ سبعينيات القرن الماضي، إنه مدرسة بكل معاني الكلمة؛ فهو ابن سلاطين ومن أصائل القبائل العربية المعروفة عبر التاريخ، بالإضافة إلى أنه خريج أكاديمية  ساندهيرست العسكرية الملكية في بريطانيا في ستينات القرن الماضي حيث كان من المتميزين والحريصين على تعلم كل شي جديد من المدرسة الانكليزية وليس فنون وإدارة الحرب فقط، وهو من هواة القراءة والمطالعة بشكل مستمر لجميع العلوم لأنه كان يعتبرها روح الحياة.

 المغفور له بإذن الله كان وسيبقى سلطان القلوب وضع اللبنة الأساسية للمدرسة الدبلوماسية القابوسية خلال الخمسين سنة الماضية في كل تفاصيل البروتوكول والإتيكيت، وإنني أسميتها المدرسة القابوسية نسبة له، ولتكون مرجعاً رصيناً للمختصين في فن البروتوكول والإتيكيت.

مقال اليوم نتطرق بصورة عامة وبالتحليل استنادا لمفاهيم البروتوكول والإتيكيت على ما تم عرضه على شاشات التلفاز بخصوص مراسم استقبال كبار الشخصيات، والألوان التي كان يرتديها رحمه الله، وكذلك الزي الرسمي العماني في الأنشطة الرسمية داخل وخارج السلطنة وممكن تقسيمها الى مرحلتين المرحلة الأولى منذ توليه السلطة منذ  سبعينيات القرن الماضي ولغاية فترة التسعينيات ثم تبدأ المرحلة الجديدة منذ تسعينيات القرن الماضي الى وفاته رحمه الله.

كان جلالة السلطان قابوس رحمه الله في الزيارات الخارجية الرسمية يرتدي العمامة البيضاء في أول يوم وصوله ليدلل على صفاء القلب والمحبة والسلام والنية الصادقة للزيارة وبعدها تبدأ العمامة الرسمية ذات الخامة البيضاء بنقوشات مختلفة الألوان الرسمية، وحسب وقت الفعالية إن كانت نهارية أو ليلية، وكان يشدد ويدقق على جميع مرافقيه ويعطي تعليماته إلى دائرة المراسم بخصوص ملابس بقية أعضاء الوفد حرصاً منه على كمالية الظهور بالنسبة للدشداشة أو البشت.

أما في داخل السلطنة فكان – طيب الله ثراه – يرتدي جميع الألوان التي يحبها في المخيمات الخارجية، وحتى في القصور لأنها وقت الراحة والاسترخاء لجلالته، ولكن حين يلتقي بشيوخ القبائل فيرجع الى لبس الزي الرسمي وهي الدشداشة البيضاء ومشتقاتها وكذلك المصر ذي الخام الأبيض بمختلف النقوشات، ويحرص كل الحرص على أن يظهر جميع فريق الحماية ومن معه بنفس اللون، وكأنه زي عسكري موحد وإن كان مدنياً، وهذه قمة في فن الإتيكيت لكبار الشخصيات، في الدعوات الرسمية الليلية في القصر بمختلف المناسبات فقد أعطى الدرس البالغ في الاهمية بلبس الدشداشة الداكنة سواء باللون الأزرق أو مشتقاته مع المصر  ليكون رمزاً للاحتفالات الرسمية الليلية داخل المكان وليس خارجه، أما في اوقات الصباح واثناء زيارته التفقدية دائماً ما نلاحظه في أداء مراسم صلاة العيد فكان قمة في الاناقة البيضاء من حيث الدشداشة والمصر والعصا مع جميع أفراد الحماية والمرافقين لكون المغفور له رحمه الله  يدقق في كل مفردات القصر وما يحتويه من أفراد على مختلف المستويات وخاصة المرافقين، أما في جولاته الاوربية فكان يميل الى اللباس المدني (البدلة باللون الفضي أو الازرق الداكن) لكون اللون الرسمي الذي توصي فيه أغلب المدارس الدبلوماسية المتخصصة في فن وذوق الالوان والملابس، كان رحمه الله حريص كل الحرص على الظهور بأعلى درجات الأناقة والترتيب للجميع ، حيث كان يرسل ضيافة القصر الى دورات خارجية في جميع الاختصاصات للتعلم على فنون الإتيكيت وخاصة ما يمس إدارة المراسم، فنون الضيافة، لغة الجسد، والألوان بما يعكس النهضة الجديدة للسلطنة وهويتها الحديثة المتطورة مع أحدث ما هو موجود بالنسبة لمفاهيم البروتوكول والإتيكيت.

أما بخصوص مراسم الاستقبال لكبار الشخصيات، فقد كان المغفور له جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه هو في مقدمة المستقبلين إذا كان الضيف في نفس المستوى، وخلال العشر سنوات الماضية كان الضيف يستقبله من المطار من ينوب عن جلالته باستقبال رسمي كبير يليق بالضيف سواء كان رئيس جمهورية او بنفس الدرجة  ثم ينتقل في موكب رسمي مهيب الى مكان الاستقبال  الرسمي قرب بوابة القصر عند قصر العلم العامر حيث يبدأ الاستقبال  الرسمي المهيب عن طريق كوكبة من الخيالة من بوابة الاستقبال وصولاً الى القار الأحمر وهذه دلالة كبيرة على حسن التنظيم الراقي والسيطرة على مفردات بروتوكول لكبار الشخصيات.

بدأت كثير من الدول  تتناغم مع بروتوكول وتنسيق السلطنة الرائع والذي يدل على كرم الضيافة العربية الأصيلة والتي جسّدها “جلالته رحمه الله” عندما يرفع علم دولة الضيف على قصر العلم العامر ليتحول المكان الى قصر للضيف نفسه تكريماً لزيارته وهذا لم يحدث كثيراً في الدول وهو من أهم سمات جلالته في تكريم الضيف حيث تحولت هذه البقعة من عمانية خالصة الى دولة الضيف تكريماً واحتفاءً به، حتى أن افراد الحماية وبقية الكادر العماني في الضيافة يستأذنون من مرافقي الضيف في حالة دخولهم لنفس المكان احتراماً وتقديراً منهم لمكانة الضيف.

إن الخمسين عاماً الماضية كانت دروساً مستنبطة  نقشها المغفور له جلالة السلطان قابوس “طيب الله ثراه” بكل مفرداتها بكل دقة وحرفية معتمداً على أحدث المدارس الدبلوماسية وخاصة الغربية  منها التي تهتم بفنون البروتوكول والإتيكيت تحت إطار الموروث العماني الأصيل؛ لتخرج المدرسة القابوسية بأحلى ما يكون من مظاهر ومفاهيم وقيم يُشار لها بالبنان، ومما نلاحظه أيضاً بأن والدنا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم “حفظه الله ورعاه” حريص كل الحرص على المحافظة وتطوير هذه المدرسة بثوب أنيق ومتجدد ليحافظ بذلك على الهوية العمانية الأصيلة بتاريخها العريق ضمن النظريات والمفاهيم الحديثة المعاصرة. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى