أصداء وآراء

المعركة لا تنتهي عند وقف إطلاق النار .. فما يجري في القدس والضفة معركة “حياة أو موت” على الارض والوجود!!..

الكاتـب/ نَـوّاف الـزَّرو

باحث خبير في الصراع العربي الإسرائيلي

Nzaro22@hotmail.com

 

المعركة لا تنتهي عند وقف إطلاق النار .. فما يجري في القدس والضفة معركة “حياة أو موت” على الارض والوجود!!..

 

الأمر الذي يجب ان يكون واضحا تماما ان المواجهة الوجودية مع مشروع الاحتلال لا تنتهي عند ”وقف اطلاق النار في غزة”، فهذه جبهة من جبهات المواجهة الشاملة مع العدو، فالمعركة الجارية المحتدمة على مدار الساعة على امتداد مساحة القدس : في الشيخ جراح وباب العامود والاقصى وسلوان والبستان وبطن الهوى، وفي انحاء الضفة الغربية هي معركة حياة او موت على الارض والتاريخ والوجود، والاعتراف الامريكي الرسمي المتعاقب من إدارة لإدارة بأن “الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية لا يتعارض مع القانون الدولي – أي أنه شرعي”، يفترض ان يفتح اولا وقبل كل شيء ملف الاستيطان الصهيوني على اوسع نطاق ممكن ومناقشته من اجل تسليط المزيد من الضوء عليه باعتباره غير شرعي وانه عملية كولونيالية كاملة تتعارض مع كافة القرارات والمواثيق الاممية.

فوفق معطيات المشهد المتحركة في كل ساعة ولحظة، قان ما يجري على ارض القدس والضفة الغربية هو بالتأكيد سطو صهيوني مسلح على الارض والتاريخ والتراث، وهو انتهاك صارخ متواصل لكافة المواثيق و القرارات الدولية، واستخفاف بالامة والدول والانظمة العربية واحتقار سافر لها وللقوانين الدولية..وما يجري تغطيه دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة..!، ويمكن ان نقول ان تلك الدولة ترتقي الى مستوى اكبر مافيا لسرقة الاوطان والاراضي والممتلكات على وجه الكرة الارضية.

فما يفعله الصهاينة في هذه الايام على امتداد مساحة الضفة الغربية، انهم يشنون حروبا مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حربا من نوع خاص بهم على الارض الفلسطينية تستهدف  الاستيلاء الكامل عليها من بحرها الى نهرها على انقاض  شعبها وحقوقه التاريخية فيها..

وليس ذلك فحسب، فهم يغطون عمليا السلب والنهب والسطو المسلح والجرائم بالايديولوجيا والاساطير الدينية، فالحاخام ياكوف سافير يعبر عن ذلك  قائلا:”ان الانتقادات الدولية للاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية “سخيفة لان الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب ان يرحلوا الى مكان آخر”، ويضيف : ”ان هذه الأرض هي ارض يهودية-انها ديارنا”؟، اليس هذا هو بالضبط المنطق التوراتي-الكاذب-  الذي يجري في حي الشيخ جراح وسلوان والاقصى….؟!

لذلك، وبينما يجمع العالم كله تقريبا اليوم ناهيكم عن الاجماع العربي والاسلامي على رفض الاستيطان الصهيوني، الا ان “اسرائيل” تستحضر دائما وتعمل وفقا لتلك المعادلة في العلاقات الدولية التي كان وضعها بن غوريون كما يلي : ”ليس المهم ما يقوله الغوييم-اي العرب والعالم- وانما المهم ما يفعله اليهود…!

فالذي يجري هناك اذا، بات يتجاوز ما نراه في ضوء النهار على انه احتلال، فهو وفق تحليل لأورن يفتاحئيل أستاذ الجغرافيا السياسية والقانونية في جامعة “بن غوريون” في بئر السبع ابعد من ذلك، ف”تقرير القاضي إدموند ليفي” الذي فاجأ الكثيرين حين ادعى أن منطقة “يهودا والسامرة” (الضفة الغربية) ليست تحت احتلال، ولذلك يجب إعطاء شرعية قانونية لكل المواقع الاستيطانية والمستوطنات، سيكون هو الملهم للدولة والمستعمرين اليهود في الضفة الغربية”، ويضيف ”قد يكون  القاضي ليفي محقاً في أمر واحد… فربما أن مصطلح “احتلال” لم يعد يلائم النظام القائم في “يهودا والسامرة”؟، ويوضح : ”ما أدعيه هو أن  الاحتلال تحول منذ زمن إلى عملية كولونيالية أعمق بكثير، تشمل سيطرة وسلباً واستيطاناً وأسرلة دائمة للمنطقة ومواردها، وكل ذلك وسط إبقاء السكان الفلسطينيين في مكانة دونية، فالاحتلال هو احتلال عسكري ومؤقت، على غرار الاحتلال في جنوب لبنان، دون طرد أو سلب أو استيطان مدني دائم”.

وكتب زئيف شترنهل في صحيفة “هآرتس “إن توجه الحكومة الاسرائيلية في الضفة ينبع أساسا من نظرية الملكية الحصرية لـ “أرض إسرائيل”، وبحسب هذه النظرية فإن الدولة ليست قائمة من أجل ضمان الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والحياة العادلة للجميع، وإنما قائمة من أجل ضمان السيطرة اليهودية على “أرض إسرائيل” وضمان عدم قيام أي كيان سياسي مستقل آخر. ويخلص إلى أنه لهذا السبب فكل شيء مسموح، ولا “يوجد ثمن أكبر من اللازم”.

وحسب المعطيات الماثلة فإن عملية الاستيطان الجارية هي الاشد والاشرس والاقسى تاريخيا، فـ ”إسرائيل” تقيم في الضفة نظاما كولونياليا استعماريا عسكريا إسبارطيا، يحول المستوطنين الى دويلة او الى “اسرائيل-2″، يجعل من المستوطنين أسياد الأرض الحقيقيين، وتقول ورقة عمل لمركز الدراسات والسياسات “ان موجة التمدد الاستيطاني جزء من إستراتيجية شاملة لسلخ أكثر من 60% من أراضي الضفة عن الفلسطينيين”، ويرى الفريق الذي أعد الورقة “أن موجة التمدد -التي هي جزء من إستراتيجية إسرائيلية شاملة تجاه الضفة- هدفها حشر الفلسطينيين في حدود مدنهم وقراهم في منطقتيْ ”أ” و ”ب” وفق اتفاقيّة أوسلو، وسلخ أكثر من 60% من أراضي الضفة عنهم (وهي المشمولة في المنطقة “ج”) وأن إسرائيل -وبمحاكمها- تتصرف كأنها تقوم بعملية ضمّ للمناطق “ج” دون سكانه.

الى كل ذلك، تتعامل دولة الاحتلال الكولونيالي في الضفة الغربية  وكأن هذه الارض جزء لا يتجزأ اذا من ”ارض اسرائيل”، وعلى انها تخضع للسيادة الاسرائيلية، لذلك  ترخي العنان لمستعمريها وبلدوزراتها ليعيثوا فسادا وتخريبا وهدما وتدميرا واستيطانا في كل بقعة على امتداد مساحة الضفة، فهناك حرب حقيقية تستعر على الارض في الضفة كان وصفها أوري أفنيري رئيس تحرير مجلة ”هعولام هزيه” سابقا رئيس كتلة ”السلام الآن” في معاريف قائلاً : ”إن الحرب الحقيقية تدور رحاها على الارض في أنحاء الضفة الغربية والقدس، وأسلحتها تتكون من : الخرائط والقرارات، والأوامر العسكرية، وهي حرب مصيرية يتعلق بها مصير ومستقبل ملايين الفلسطينيين، فإما الحياة أو الموت”،  وفي مقالة أخرى له نشرتها صحيفة معاريف يوم أكد أفنيري مـرة أخرى : ”أن مفاوضات التسوية الدائمة ستار من الدخان يتواصل خلفه النزاع الإسرائيلي _ الفلسطيني بكل عنفوانه، وتشن اسرائيل معركة حثيثة لترسيخ السيطرة الإسرائيلية في كل أرجاء الضفة الغربية، فما يجري على الأرض يفوق بكثير كل ما ينعكس في وسائل الإعلام، اذ تتواصل في كل أرجاء المناطق المحتلة، معركة ترمي إلى تحويل كل قرية أو مدينة فلسطينية إلى جيب منقطع محوط بمناطق سيطرة الإسرائيلية، هذه ليست من عمل متعصبين مجانين، بل معركة مخططة جيداً تتواصل في عهد الليكود والمعراخ على حد سواء، والهدف منع كل امكانية لإقامة دولة فلسطينية حقيقية مستقلة …”.

ويجمعون في الكيان الاسرائيلي على استعمار الضفة الغربية من اقصى اليسار الى اقصى اليمين، وجنرالاتهم يقولون : ”إن الاستيطان بمثابة جزء لا يتجزأ من  الأمن الكلي لإسرائيل، فمساهمة المستوطنات في أمن إسرائيل لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية”، وهنا يتكامل الاستيطان مع الامن في الرؤية الإسرائيلية.

إذن، هي حروب شاملة على الارض والشعب الفلسطيني تتقدمها حروب الاستعمار الاستيطاني والضم والتهويد، وتهدف إلى تقطيع أوصال الجسم الفلسطيني لإجهاض الإمكانية الحقيقة لإقامة الدولة الفلسطينية الحقيقية، وعمليا على امتداد مساحة الارض في الضفة الغربية لم يتوقف بلدوزر التجريف والاستيطان عن العمل في جسم الضفة، اذ تكشف لنا احدث عناوين مشهد  الاستيطان ونهب الاراضي العربية النقاب عن معطيات مذهلة حول مناطق نفوذ المستوطنات وامتداداتها وتداعياتها على مستقبل الوحدة الجيوديموغرافية الفلسطينية وعلى مستقبل الدولة الفلسطينية التي ما تزال تراوح في دائرة الحلم التاريخي…!.

لكل ذلك نقول ونؤكد ان المعركة لا تنتهي عند وقف اطلاق النار في غزة، ففلسطين تحتاج وتحتاج عملية التحرير والخلاص من براثن الاحتلال والتهويد الى مواصلة الانتفاضات والهبات والمواجهات الفلسطينية الاحتلالية هناك على الارض، كما تحتاج الى تحركات عربية حقيقية -من قبل القوى الحية النابضة بالعروبة والعداء للمشروع الصهيوني- تعيد صياغة الخطاب السياسي والاعلامي وتعيد ترتيب الاوراق والاجندات السياسية الوطنية والقومية في مواجهة المشروع الصهيوني-الامريكي الغاشم…!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى