أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المـراهـقـة الفـكـرية لدى الشـباب..

الكاتب/ عيسى بن سالم البلوشي

 

المـراهـقـة الفـكـرية لدى الشـباب..

 

المراهقة الفكرية هي ظاهرة إنسانية اجتماعية لا تقتصر على الفرد لوحده، بل تشمل الأفراد والمجتمعات، والأمم، والشعوب، والثقافات. كما أنها لا ترتبط بمرحلة زمنيّة معينّة، بل قد يعيشها الفرد في أي وقت وفي كل حين، وهي مرحلة انتقالية تتميز بالبحث والتقصي والخروج عن المألوف بحيث يكتشف صاحبها أن وضعه الحالي أصبح لا يتماشى مع مستجدات الحياة ومتطلباتها الجديدة والمختلفة، فيبدأ في البحث عن التغيير والخروج من المعهود والسائد؛ ليصل إلى وضع جديد ومختلف عن سابق عهده يمكِّنه من الاستمرار والبقاء ضمن هذه المنظومة الكبيرة والحياة المتغيرة بشكل ديناميكي ومضطرد.

وتشهد المراهقة الفكرية عند الكثيرين فترات اضطراب وتخبط، حيث أن نمط حياة الشباب في الستينات يختلف عنه في الثمانينات وكذلك في العشرينيات، فالحالة الفكرية والثقافية في البيئات القروية الشبه المعزولة والتي يعيش فيها الشاب ضمن نطاق اجتماعي مفروض عليه ومقيّد حرّيته ضمن إطار ضيق، يترقب ويتابع تطور واقعه فيلاحظ محدودية المعرفة، عدم تقبل الآخرين، تطرّفاً وعنصرية في الآراء، تصارعاً وتطاحناً مع النفس والآخرين، مستوى تعليمياً وثقافياً وفكرياً ضحلا، وكثيرا من الأحيان عقولاً فارغة ومنغلقة، وأساليب بدائية في التعامل مع الجوانب الحياتية وبين أفراد المجتمع الواحد. 

كل هذه الأمور وغيرها تقوده إلى نظرة سوداوية مظلمة للحياة التي يعيشها، عندها يلجأ إلى البحث عن حل ليتخلص من هذا التدافع الكبير الذي يحيط به وربما يخنق تقدمه، فينزوي نحو قراءة الكتب والدوريات والنشرات الفكرية والثقافية وأخيرا إدمان البحث في الشبكات العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي وذلك للبحث عن حقيقة ما سعيا منه إلى تحقيق ذاته وبناء فكر مختلف، وهنا المفارقة الكبيرة فمن المراهقين من يتجه نحو تيارت وحركات فكرية تنويرية علمانية أو حتى إلحادية معادية للإسلام أو كل ما فيه إصلاح ديني ومجتمعي محافظ، ومنهم من يميل إلى الحركات الدينية المتطرفة للبحث فيها عن مسلك للنجاة.

وفي ظل تسارع الثورة المعلوماتية والانفتاح على العالم بأسره حلوه ومره، غثه وسمينه، أصبح المراهق الفكري ينجذب وراء تيارات تأثر فيه تأثيرا مباشر، ويتشدّد أكثر في آرائه التي تسرَّع في تبنيها، فهو لا يبحث ويتحرى الحق والحقيقة، وإنّما همه الوحيد أن يغيِّر من وضع العالم الكبير سواء الفكري أو الثقافي، وكثيرا ما يقوده هذا التغيير إلى أن ينقلب على المجتمعات والحكومات وربما العادات والتقاليد السائدة، ويسخط على ما تم بناءه في المراحل السابقة ويهاجم كل مسؤول، بل ويتهم كل الناس بالفساد وعدم النزاهة والتحيز وكثير من الأحيان يقوده إلى الجنون أو الانحطاط الأخلاقي والإدمان. وهذا ما يدفع بالكثير منهم للاصطدام المباشر والعنيف في كثير من الأحيان مع القواعد الاجتماعية والسياسية والدينية والفكرية وغيرها للمجتمع؛ فالذين يتبنون التيار الفكري المنحط يصبح المجتمع في نظرهم يعيش في انحلال وتميُّع غارق في الفساد، فتجدهم يكتبون في كل ما من شأنه التقليل من المنجزات وكذلك التقليل من شأن الأطراف المخالفة وينشرون الشائعات ويقللون من جودة الحياة التي نعيش ويتبعون أساليب ومناهج وطرق في التعاطي مع ظاهر المسائل والظواهر الاجتماعية وغيرها، وذلك نتيجة للحالة النفسية والفكرية التي يعيشونها، والتي يغلب عليها الانفعال والتسرع وعدم ضبط النفس.

ويمكن القول بأن مرحلة المراهقة الفكرية ورغم أنها ضرورية في حياة الفرد، فإنها خطيرة أيضاً، فقد تنعكس سلباً على حياته في المراحل التي تَليها، ويعيش اضطراباً مستمرا، وربَّما قد لا يتخلص من هذه المراهقة وتتحوَّل مع مرور الوقت إلى آفة؛ لذلك وجب التحكّم فيها من جانب المنظومة التعليمة والدينية ومن جانب أولياء الأمور والمربين والمصلحين والمخططين بمراقبة الشباب وذلك بشكل مستمر، والحرص على توجيههم وتبني برامج تعزز قيم المواطنة والفكر السليم، والأكثر من ذلك توفير غطاء ثقافي وفكري صحي وصالح لهم، يتماشى مع متطلبات العصر، ويحافظ على سلامتهم العقلية والفكرة، وهذا ينضوي ضمن تربية النشء تربية صحيحة صالحة وهذا ما أشار اليه مولانا السلطان هيثم بن طارق حفظه الله في خطابه الأخير بالداخلية، والأكيد أنه إذا كانت المراهقة الفكرية ناجعة لدى الأفراد فستنعكس على المراهقة الفكرية المتعلقة بالشعوب، فنجاح هذه الأخيرة مرتبط بنجاح الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى