أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المـسـتـقـبـل !!..

الدكتـور/ محمـد المعـمـوري

كاتـب وباحـث عـراقـي

 

المـسـتـقـبـل !!..

 

المستقبل .. يعني بعد دقيقة او بعد ساعة او بعد يوم او بعد سنة او بعد سنين .. هذا مانعرفه.

هل فكرنا في دقيقة آتيةٌ من زمن آت مجهول بالنسبة لنا ؟! ، وهل فكرنا في ساعة أو يوم أو سنة قادمة ؟! ، أم أننا نعتقد ان المستقبل هو أن نكمل التزاماتنا التي تؤهلنا للمستقبل ؟! ، ولماذا لم نفكر أن المستقبل هو الدقيقة التي ستاتي أو اللحظة القادمة التي ربما توقف من خلالها مقدرات المستقبل لتغير بعدها مسار الحياة نحو الأفضل أو الأسوء “لا سمح الله”؟!.

منذ ساعة من الزمن “في الماضي من عمري” كنت في نقاش مع استاذ في الطب ، يفهم في علمه ، ويجيد التحكم في مفاتيح الحديث فهو ينظر للحياة بشكل بسيط ، ويجعل من “مرضاه” في أمان ، يهون عليهم ويقلل من أثر الخوف ، فيمنح لهم الأمل في الشفاء.
سألني وكنت لأول مرة “أستغرب” من سؤاله ؛ سألني كيف ترى المستقبل ؟!!.
أربكني في السؤال فوجدت نفسي أبحث عن تعريف للمستقبل؛ فكان الجواب كالسؤال ، وكنت أبرر المستقبل بحاضر سيصبح ماض بعد لحظات، أدركتني اللحظة فانتهى عندها مستقبلها لتأتي لحظة أخرى وأنا بلا
جواب… ، المستقبل كل ما سياتي هو المستقبل… قال وهو يعلم أنني لن أجيبه على السؤال : إن لدي مرضى في الانتظار.

ذهب الطبيب فتركني في ماض لأبحث عن مستقبل في حاضري ولأجد له إجابة ترضيه عن ذاك السؤال.

وأنا الآن أكتب عن الماضي الذي تكلمنا فيه عن المستقبل ، ولكني أسأل عن جوهر المستقبل الذي هو سألني عنه الطبيب… ، المستقبل المجهول الذي نحن في دوامته وفق تغيرات كثيرة منها تغير طبيعة المجتمع العربي ، تغير نمط حياة الأجيال.

الحياة أصبحت أكثر يسرا وأكثر تعقيدا ، أصبحت العادات والتقاليد والأعراف التي تربينا نحن عليها تتغير بشكل سريع تنحدر على سفح جبل من التكنولوجيا التي أصبحت هي من تربي الأجيال ، أصبح الأب ينظر في “هاتفه المحمول” أكثر من نظره في وجه ابنه ، ويفتش في “الفيس بوك” أكثر ما يفتش حقيبة ابنه أو دفاتر ابنه أو سلوك ابنه ، نعم أصبحت التكنولوجيا “ومنصات التواصل الاجتماعي” هي عائلته ويقضي أكثر وقته شارداً مع أصدقاء “افتراضيين” في عالم افتراضي ناسٍ و متناسٍ أهم واجب يجب أن يقوم به ، وهو أكثر من توفير لقمة العيش لعائلته ؛ ألا وهو متابعتهم والجلوس معهم وبينهم ومعرفة مشاكلهم ومحاولة حلها ، أو أن يكون المحور الذي تدور في فلكه عائلته لتأخذ منه التجربة والحكمة ، تدور في فلكه عائلته ليجنبها “الانفلات عنه”…

الأم والأب يستطيعان بناء عائلة أو أنهما سيكونان سبباً في إنهاء مستقبل عائلة…، وهذا المستقبل الذي كان يخشاه “الطبيب” وتحيّرت أو تلكأت في تعريفه بدقه ، وأنا أعرف ما يرمي إليه ؛ فهو لا يسأل عن سنة آتيه أو زمن ذاهب ، ولكنه يسأل عن جيل يبحث أو نبحث له عن مستقبل زاهر ؛ في معادلة صعبة يدخل في تكوينها الأفراد ومن ثم الأسرة ومن ثم المجتمع…

ومن المسؤول عن المجتمع ، فإننا علمنا من خلال ما تم ذكره أن الأسرة مسؤولة عن الأفراد داخل الأسرة ، فمن المسؤول عن الفرد والأسرة داخل المجتمع…؟؟.

علينا بناء المجتمع وقبلها أن نهتم ببناء الأسرة ، ومن خلال بناء الأسرة سيكون المجتمع متداركاً لأخطائه ، ومن الممكن أن تسد أية ثغرة قد تسببها الأسباب ، نعم فإننا الآن في موقف حرج أمام أجيالنا القادمة ، وعلينا أن نقف لنرجع قليلا خطوة نحو الوراء فنتذكر تقاليدنا وأعرافنا وارتباطنا العائلي ، ولا ننسى أن نتقدم خطوة أخرى نحو التكنولوجيا ونستفيد منها في التعليم أو مواضع تلك التكنولوجيا التي صممت لأجلها.

الخوف من المستقبل يكمن في خوفنا من تصاعد الجهل بين الأجيال القادمة ، الخوف من المستقبل في خوفنا ونحن نهجر الثقافة والقراءة ونخاصم الكتاب ليكون “الموبايل” خير جليس وهو من أحب الاحباب.
قال تعالى : (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسؤولُونَ)
وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله : (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ، فهل حقا نحن كنا مسؤولين عن أماناتنا (أولادنا) أم أننا سنقف يوم الحساب ليبلغنا الجليل بتفريطنا لأمانتنا ؟! فجميعنا مسؤول عن المستقبل وهو أطفالنا أولاً ، وجميعنا مسؤول عن مستقبل أجيالنا ، وسنسأل عنه… فماذا سيكون جوابنا ؟! ، وهذا هو مصدر خوفنا من المستقبل إذا لم نعد له العدة ونخطط لأبنائنا ، ونعمل على تنفيذ البناء الصحيح للفرد داخل الأسرة ، ومن ثم الأسرة داخل المجتمع ليكون الوطن معافى ويبنى بسواعد أبنائه.
والله المستعان.

 

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى