أصداء وآراءأقلام الكتاب

المقاومة المسلحة .. ما لـها وما عليـها ..

             السفير/ معصوم مرزوق

   مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

 

المقاومة المسلحة .. ما لـها وما عليـها ..

لا أظن ان هناك عاقلاً أو منصفاً يمكن ان ينكر على الفلسطينيين حقهم المشروع في المقاومة المسلحة للإحتلال الإسرائيلي ، فهذا حق تقره الشرائع السماوية والوضعية باعتباره دفاعاً ضرورياً عن النفس.

وإذا كان هناك شبه اتفاق على شرعية هذا الحق، فإن وجهات النظر تختلف حول كيفية ممارسة هذا الحق، فهناك من يرى في الحالة الفلسطينية ضرورة خضوع المقاومة المسلحة لمقتضيات الضرورات السياسية، أو بمعنى آخر خضوع البندقية للقرار السياسي.

وهناك من يرى بضرورة الفصل في الشرعية ما بين أعمال عسكرية ضد أهداف إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد 5 يونيو 1967، فتلك طبقاً لهذا الرأي شرعية، وبين أعمال أخرى داخل الخط الأخضر أو ما اصطلح على تسميته بالأهداف المدنية.

وهناك من يرفض المقاومة المسلحة بشكل عام، على اعتبار الخلل الكبير والواضح بين آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية، وبين ما تملكه فصائل المقاومة الفلسطينية، ويذهب هذا الرأي الى تفضيل المقاومة السلبية باعتبارها أكثر الوسائل مناسبة لأوضاع هذا الخلل في التوازن العسكري، ويشير إلى ما يسمى بالمقاومة السلبية التي قادها غاندي في الهند، أو تلك التي مورست أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اقتصرت على التظاهر والحجارة والعصيان المدني والإضرابات … إلخ.

جدوى المقاومة السلبية :

وواقع الأمر أن المقاومة السلبية كانت هي الغالبة في تاريخ الشعب الفلسطيني منذ النكبة، مع استثناءات نادرة أو منفصلة، أي أن هذا الأسلوب قد تم تجريبه لمدة نصف قرن، وكلنا نعرف النتيجة السلبية لهذه المقاومة السلبية.

وهنا لا بد أن نستحضر تجربة حزب المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا، الذي استلهم بدوره تجربة الهند وعاش ما يزيد على نصف قرن يمارس هذا النوع من المقاومة، حتى أدرك ذلك الحزب عدم جدواها للحصول على الحقوق المستحقة للغالبية السوداء، بل وعلى العكس أدت الى تمادي النظام العنصري في استبداده وإصدار المزيد من القوانين العنصرية.

لقد تحركت قضية جنوب أفريقيا حين بدأ نلسون مانديلا حركة المقاومة المسلحة، رغم أنه كان من أكثر المدافعين عن فكرة المقاومة السلبية، ولقد قاد بنفسه حركة النضال المسلح التي استمرت بعد أن تم سجنه وتواصلت لما يزيد على ربع قرن، وهذه المقاومة المسلحة وحدها، هي التي أجبرت النظام العنصري في جنوب أفريقيا على التفاوض والتراجع، ثم التسليم في النهاية بحقوق الأغلبية السوداء.

لقد كان هناك من عارضوا بشدة ذلك التحول الاستراتيجي في تكتيكات نضال حزب المؤتمر الوطني، ويروي لنا نلسون مانديلا في مذكراته عن ذلك الشيء الكثير، ولكنه وبعد تجربة نضالية طويلة توصل الى استخلاص بأن العدو لن يسلم طواعية بحقوق المظلومين، لأن غرور القوة يصور له المقاومة السلبية للمظلوم بأنها قلة حيلة وضعف تغري بمزيد من الإستبداد والظلم.

لقد حافظ حزب المؤتمر الوطني على تمسكه بوحدة أراضي جنوب أفريقيا لكل الأجناس التي تعيش عليها بدون تفرقة، وهو الخط الإعلامي الذي واصل مانديلا الطَّرْق عليه، مؤكداً بأن كفاح حزبه ليس موجهاً ضد الإنسان الأبيض، وانما ضد النظام العنصري الأبيض، وأنه لا يهدف فقط إلى تحرير المظلوم، وإنما الى تحرير الظالم أيضاً، من خلال إرغامه وإقناعه بعدم إنسانية ممارساته.

أنواع المقاومة المسلحة :

ولكن لا بد هنا من الإشارة أيضاً وبكل موضوعية، إلى أن مانديلا فرق بين ثلاثة أنواع من المقاومة المسلحة :

1 ـ أعمال التخريب الموجهة ضد منشآت العدو، والتي تتفادى إحداث خسائر في الأرواح البشرية.

2 ـ أعمال حرب العصابات التي توجه إلى القوة العسكرية للخصم، بهدف إنهاكه والضغط المستمر عليه.

3 ـ أعمال إرهابية بهدف ترويع العدو، ولا تفرق بين أهداف عسكرية أو مدنية.

ولقد كان اختيار مانديلا ومنذ البداية هو النوع الأول، لأنه كان يري أن نضال شعب جنوب أفريقيا الملون له امتداده الخارجي، من خلال توظيف قوة الرأي العام الدولي خلف هذا النضال، وقد دافع عن هذا الخيار بشدة ضد معارضيه الذين كانوا يميلون الى النوعين الآخرين، بل واتهموا مانديلا بالضعف والتهاون أمام الإنسان الأبيض، فقد رأى ان تخريب المنشآت الحيوية لنظام الحكم العنصري يؤدي إلى تحقيق هدف إحراج النظام العنصري والضغط عليه مع تفادي إحداث خسائر في الأرواح، بما يساعد على كسب الرأي العام ليس فقط في المحيط الدولي، وانما أيضاً بين عناصر المستنيرين البيض في جنوب إفريقيا.

ومع ذلك، فنتيجة لاستمرار النظام العنصري في جنوب أفريقيا في ممارساته العنيفة وغير الإنسانية، فقد فكر مانديلا وبشكل جدي في ضرورة الإنتقال إلى حرب العصابات النظامية، وبذلك يتم التصعيد وبشكل محسوب في نوع العمليات العسكرية للمقاومة، وربما لو طال الأمر لانتقل الفكر الثوري إلى النوع الثالث، أي الإرهاب، وهو لا يعني في نظر الثوار مبدأً مستهجناً، لأنه في حالة الحرب لا مناص من وجود خسائر بين المدنيين، سواء في هذا الجانب أو ذاك، فلا يمكن التفريق بين مدني تقتله طائرة حربية، ومدني يقتله عمل استشهادي، فكلاهما نتيجة حتمية للاشتباكات العسكرية، وبالطبع هناك فارق وحيد لا يمكن تغافله، هو أن المحتل حين يمارس الإرهاب فهو يمارسه من مركز القوة والتمكن، وبالتالى لديه القدرة إذا أراد أن يتفاداه، بينما من احتلت أرضه يمارسه من مركز الضعف، وأحياناً لا يجد لديه سلاحاً سواه.

وتجدر الإشارة إلى حرص حزب المؤتمر الوطني على الفصل بين كيانه كجهاز سياسي وبين التنظيم العسكري، مع وجود تنسيق مستمر بين المؤسستين، واحتفاظ التنظيم العسكري بقدر محسوب من الاستقلالية في إطار استراتيجية النضال الشاملة.

بيـن مانـديلا وفلسـطيـن :

هل يمكن الآن المقارنة بين الوضعين الفلسطيني والجنوب أفريقي ؟، الواقع هناك أوجه تشابه عديدة، فكلاهما عبارة عن إحلال أجنبي إستيطاني إستعماري محل المواطنين الأصليين، وكلاهما نموذج للتفرقة : أحدهما على أساس اللون، والآخر على أساس الدين، فضلاً عن أوجه شبه أخرى قانونية وتاريخية.

ولكن هل يمكن قياساً مقارنة نجاح نضال الملونين في جنوب أفريقيا بنجاح محتمل للشعب الفلسطيني ؟، وذلك من خلال اتباع الفلسطينيين لنفس تكتيك المقاومة المسلحة الذي اتبعه مانديلا في جنوب أفريقيا ؟..

هنا تبرز بعض الفروق الجوهرية :

1ـ أن نوع المقاومة المسلحة التي اختارها حزب المؤتمر الوطني، تواكبت مع بداية حركة النضال المسلح في القارة الأفريقية بوجه عام.

2 ـ كذلك تواكبت مع ازدياد حدة الحرب الباردة والإستقطاب الدولي الثنائي، واستفادت من تناقضات هذه الحرب.

3 ـ أن الطبيعة الجغرافية والسكانية في جنوب أفريقيا وحدودها الشاسعة مع الدول الأفريقية، كان يتيح حرية مناورة كبيرة للعمل العسكري للمقاومة.

4 ـ أن رد فعل سلطات النظام العنصري في جنوب أفريقيا رغم ضراوته ولا إنسانيته، فإنه كان يعد بالمقارنة مع ما تقوم به إسرائيل أكثر اعتدالاً وإنسانية.

5 ـ أن حزب المؤتمر الوطني كانت له جذوره التاريخية التي تمتد إلى عام 1912، وتمكن خلال ما يزيد على نصف قرن أن يخلق كوادره المدربة وقواعده الثابتة، التي أستطاعت ان تمزج بين وسائل النضال المختلفة داخلياً وخارجياً.

حتمية المقاومة وحدود التنسيق :

 وبمزج العناصر السابقة وتحليلها فيما يتعلق بإشكالية المقاومة الفلسطينية المسلحة، لا بد أن تكون أبرز الإستنتاجات هي ما يلي :

1ـ أن المقاومة الفلسطينية المسلحة لم تعد في هذه المرحلة النضالية مجرد خيار، بل ضرورة ملحة تتوازي مع العمل السياسي وتدعمه، لإجبارإسرائيل على التعامل بجدية مع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

2 ـ أن الهدف المرحلي لهذه المقاومة، لا بد أن يكون جَعْلُ تكلفة الإحتلال باهظة، وهي تكون كذلك بمجرد إستمرارها وتواصلها وتنوعها، بما يشكل إستنزافاً وضغطاً مستمراً على مركز القرار الإسرائيلي.

3 ـ إن منظمة التحرير الفلسطينية هي بطبيعتها منظمة تحرير، ولا يمكن لها أن تتصرف أو يطلب منها أحد ان تتصرف كحكومة في دولة ذات سيادة، ومن هذا المنطق فإن دورها السياسي في إطار التفاوض مع العدو لا ينبغي أن يكون حجراً على الحق المشروع في المقاومة بكافة أشكالها، بما في ذلك العمل المسلح.

4 ـ إن استقلالية المقاومة المسلحة لا ينبغي أن تكون على حساب استراتيجية النضال الفلسطيني الشاملة، ومع ذلك فلا ينبغي أن يتم تقييد هذه الاستقلالية إلا بالقدر المتيقن من المكاسب السياسية على الأرض، بل ويجب أن تتطور في الدرجة والنوع مع استمرار العدو على تعنته.

5 ـ إن نوع هذه المقاومة وأهدافها يجب أن يحقق الضغط اللازم على العدو بالشكل الذي يجبره على الاقتناع بعدم جدوى تفوقه العسكري، وبأن هذا التفوق لن يكون مُسَوِّغاً لمكاسب سياسية على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

6 ـ إن اختيار الأهداف وتوقيت ضربها لا ينبغي أن يقتصر على مجرد رد الفعل الإنفعالى أو لأسباب معنوية بحتة، بل يجب أن يكون متنوعاً وابتكارياً بما يحافظ على مبدأ المبادرة، ويتماشي منهجياً مع الهدف الإستراتيجي من النضال الفلسطيني.

لقد قال مانديلا وبقناعة تامة : بأنه لو واصل حزب المؤتمر الوطني في المقاومة السلبية، لظل شعب جنوب أفريقيا الأسود حتى الآن تحت نير النظام العنصري، ولا أظن أن أحداً يمكنه أن يقول بغير ذلك، سواء في حالة جنوب إفريقيا، أو في حالة نضال الشعب الفلسطيني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى