أصداءأقلام الكتاب

الموظف الشامل في المؤسسات الحكومية – (الجـزء الأخـيـر)..

"قراءة سوسيولوجية في التنظيم"..

د. سامـية باصـديق – متخصصة في علم اجتماع التنظيم

              جامعـة السلـطان قابـوس

 

الموظف الشامل في المؤسسات الحكومية – (الجـزء الأخـيـر)..

“قراءة سوسيولوجية في التنظيم”..

 

في مقالٍ سابق تم تناول بدايات ظهور فكرة الموظف الشامل في المنظمات؛ وأهمية الاستعانة به في الأزمات والظروف الطارئة، كما تم بيان إيجابيات هذه الفكرة والدعوة إلى تطبيقها في المؤسسات الحكومية.

إستكمالاً للأفكار السابقة سيتم في هذا المقال التركيز على آلية تنفيذ هذه الفكرة وتعميمها في كلّ المؤسسات الحكومية.

إذا ارتأت المؤسسات الحكومية أهمية تطبيق فكرة الموظف الشامل يتعيّن عليها وضع تصور محدد تستطيع به مجابهة المعوّقات التي قد تعوق التطبيق، حيث أن فكرة التغيير في أيّ مجال –في بداياتها – يعتورها التوجٌس أوالرفض أو القبول، وهذا يتطلّب من المؤسسة العمل وفق استراتيجية واضحة ومحددة لإدارة عملية التغيير حتى يتحقّق لها تثبيت الوضع الجديد المستهدف وتهيئة الظروف التنظيميّة والبشرية بما يضمن لها سير خطوة التطوير بسلاسةٍ وإيجابية دون أدنى تعقيدات.

فكرة الموظف الشامل في اعتقادي وتصوٌري لن يتم تحقيقها في مرحلةٍ واحدة بل تحتاج إلى عدة مراحل أولها تعميم الفكرة على الدائرة الواحدة عن طريق عمل دوران وظيفي للموظفين على جميع الأقسام من خلال اختيار الأعمال المهيكلة للأقسام وتعميمها على جميع موظفي الدائرة لاستيعاب مهامها وخطوات تنفيذها والمقصود بالأعمال المهيكلة هو تلك الأعمال الخاصة بالأقسام والتي تكون ثابتة في مواسم ومواعيد محددة وأساسية بالنسبة للقسم حيث أن طبيعة تنفيذها  قد تأخذ  الشكل الروتيني الممنهج بسبب إخضاعها للتحسين والتعديل المستمر في آلية تنفيذها وبالتالي جعلها في قالب جيد معالج لجميع ثغرات الخطأ، وهذه التشكيلة من الأعمال المهيكلة من السهولة بمكان تعلٌّمها واستيعابها دون أن يتوقف تنفيذها على ضرورة استدعاء خبرة تراكمية وتخصصية إلا فيما ندر.

المرحلة الثانية تأتي بعد نجاح المرحلة الأولى والتأكٌّد من جدواها حيث تتمثّل في إكساب الموظف مهارات دقيقة وفنية تتم من خلال اختيار عدد من الموظفين وإعدادهم لاستيعاب نسبةٍ كبيرة من الأعمال التي تختص بفنيات العمل الخاصة بالأقسام؛ ويطلق على هذه الفئة مجازا مسمى (الموظف الاحتياطي)، حيث يتم الاعتماد عليهم في إنجاز أعمال الأقسام وبصورة ٍ أعمق من المرحلة الأولى في الحالات الطارئة، وسوف يقتصر نطاق التطبيق في هذه المرحلة أيضا على الدائرة.

هنا سؤال قد يتبادر إلى الذهن هل يمكن تطبيق فكرة الموظف الشامل بين الدوائر ؟ من وجهة نظري إن الإقدام على هذه الخطوة يتطلّب العديد من الظروف التنظيمية الملائمة والتي من أهمها تشابه وتقارب القطاع الذي يقع تحت مظلته نوعية الأعمال، لأن طبيعة عمل أيٍّ قطاع تملي على موظفيها تكنيك وبصمة معينة في فنيات العمل، بالإضافة إلى نتائج إفرازات أيديولوجية العمل وما تحدثه من توحٌّد مع شخصية الموظف، يتبعه الوقوف على طبيعة التصميم التنظيمي للهيكل الوظيفي المتمثِّل في درجة توازنه وانسجام أنشطة دوائره، ومدى تكامل وانسجام أهداف الدوائر في تحقيق رؤية المؤسسة.

كما أسلفت فإن فكرة التغيير عامة وفي أيّ مجال في بداياتها قد تجد عدم قبول ورفض صريح وربما مقاومة، وفكرة الموظف الشامل لا تختلف عن غيرها من أفكار ولذا فإنها قد تمثّل مشكلة تتبادر إلى ذهن المسؤولين عند اقتراحها بتوقعهم لعدم تجاوب الموظفين معها نظراً لرغبتهم في امتلاك أدوات العمل؛ لأن من المعروف أن الإنسان بصفةٍ عامة يميل إلى الاستحواذ والتملّك فكلما امتلك نصيباً من المعرفة لا يمتلكه غيره يرى أن ذلك يتيح له تميّزا وتفرّدا لا ينبغي لغيره.

في اعتقادي الخاص أن قضية تملّك أدوات العمل ما عادت تمثل قضية ملحة كما في السابق، وذلك بسبب أن أدوات العمل الحالية والمتمثلّة في أنظمة الربط الإلكترونية هي التي – في المقام الأول – قد استحوذت على مقاليد العمل، وبالتالي فإن الشعور بضرورة التملّك لأدوات العمل لم يعد مطلباً ضروريا لأيِّ موظف، حيث يحل محله ضرورة مجاراة التطوٌّر والتقدم من جانب، ومن جانب آخر ف،ن هذا التبادل المعلوماتي سوف يتم للجميع، لأن فرصة التعرٌّف على أدوات وفنيات عمل الغير سوف تتاح للكل وبفرصٍ متساوية.

ومن هنا فإنه من المفيد أن تتم دراسة فكرة الموظف الشامل في المؤسسات الحكومية والنظر في امكانية اعتمادها للمرحلة القادمة من خلال دراسة الأوضاع الراهنة، وتحديد الوضع المستهدف، وتحديد مراحل وآليات التنفيذ، ووضع عدة سيناريوهات لذلك تتناسب وخصوصية كلِّ قطاع في المؤسسات الحكومية، كذلك تحديد القطاعات التي تستلزم تنفيذ هذه الفكرة ويناسبها هذا التغيير، حيث أن هناك قطاعات ووظائف يتعذّر خروجها عن نطاق التخصص الدقيق ولا مجال لأن يتم التدريب عليها نظرا ً لأبعادها التخصصية الأكاديمية وطبيعتها الحساسة، بالإضافة إلى بعض الاعتبارات الخاصة بتلك الوظائف.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق