أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المُدَلَّل والمحروم وقسوة الحياة..

نـشـوان أبـو بـدران

كاتـب و قاص عـراقـي

 

المُدَلَّل والمحروم وقسوة الحياة..

 

في سنة ١٩٧٢ كان عمري ٦ سنوات ، وفي عطلة الصيف كنت كل يوم عند المساء (أشترط بدلال) على والدي (رحمه الله) أن يوقظني معه بعد الفجر من أجل أن أنزل معه الى سوق باب السراي طمعاً في فطور صباحي دسم (باجة أو قلية أو تشريب) ، ثم لأستمتع بتناول وجبة خفيفة من الغداء (الكباب أو التكة أو المِعلاق مع شربت الزبيب) ؛ تتخللها مشروبات متفرقة من الببسي أو الدوندرمة أو الشاي أو الجورك.

المهم .. كانت هذه أيام عطلة الصيف بالنسبة لي أيام متعة ولعب وراحة وسياحة ؛ كنت لا أترك فرعاً أو زقاقاً أو قيصرية في سوق باب السراي دون أن أدخل فيها كل يوم وأراقب كافة تفاصيل الحياة من أعمال وحِرف في جميع المحلات وأراقبها بعين المستكشف الصغير الذي يحاول أن يطلع على كل دقائق الأمور من صغيرة وكبيرة في السوق.

عندما كنت أدخل الى سوق الصَّفّارين من أول دكان وإلى آخر دكان ؛ كان لا يوجد دكان لا يخرج منه صوت المطرقة التي تطرق على الصفر أو الفافون ، وكأنهم في سباق لعزف سيمفونية الحياة بواقعها الجميل ، وكذلك سوق الحدّادين وصوت (كير النار) وهو يذيب الحديد ليتناوب الأب والإبن وربما معهم الحفيد ليطرقوا بالتناوب وفي وقت واحد ليطوعوا قطعة الحديد الصلبة ، ويصنعوا منها منجلاً أو ساطوراً أو منقلاَ ، وكذا باقي الأزقة والقيصريات ؛ إبتداء من شارع النجفي بمكتباته الفخمة الجميلة مروراً بخان حمو القدو وسوق المواخل والمكانس والأحذية ، ثم محلات الأدوات المنزلية والملابس والأقمشة والمفروشات والدشاديش والإيشماغ والعقال ، إلى قيصرية الجرزات والعطارين والعطور والحلويات ، إلى أفرع السراجين والحبالين والفحّامين واليابسات والصوف والتمر ، وصوت التعامل واللغلغة بين البائع والمشتري ، والكيل والوزن والتعبئة وعربات الحمل الخشبية والحديد بخضراواتها المختلفة وفواكهها المتلونة ، وبأصوات الباعة العالية تضفي على السوق روحاً جميلةً للحياة لا تكاد تراها في أي مكان من الموصل الحبيبة.

هنا حيث أشعر بسعادة غامرة لا توصف وأنا أسجل بفكري كل تفاصيل الحياة من صغيرة و ككبيرة في سوق باب السراي ، وما أن أعود إلى محل والدي (رحمه الله) بعد جولتي اليومية في السوق حتى يقول لي أبي : نشوان وصيلنا على (جاين وماي من عد عمك يونس الجايجي) فأذهب بسرعة مسافة (١٠) أمتار لا أكثر وأقول له : (عمو يونس جاين وماي لأبوي) ؛ فيقول لي : إي (حاضر أبوي) ؛ بعد عدة ثواني يصل (سعد) إبن عم يونس الجايجي وهو يلبس دشداشة مخططة زرقاء ومتخصر عليها بحزام أسود وبيده الصينية أم الجنكال وفيها إستكانتين شاي حار جداً وطاسة ماء بارد.

في أيام طفولتي كنت أطلب من والدي أي شيء يخطر ببالي من الألعاب في سوق باب السراي .. مسدس أو بندقية أو شطرنج أو كرة قدم أو ريشة ، ولم يكن يرفض لي أي طلب ؛ كنت أنزل إلى السوق من أجل المتعة وليس من أجل العمل.

كان سعد الجايجي صديقي ولكني لا أكاد أرأه يتوقف عن الحركة ومتابعة الزبائن في محل والده أو في المحلات المجاورة ، وكنت أتعاطف معه جداً لأنه لا يتوقف عن الحركة والتعب وإيصال طلبات الشاي وبطريقة شبه عنكبوتيه لا يتعب ولا يفتر ولا يشتكي ، ومع كل هذا التعب كان لا يتكلم ، بل أراه في بعض الأوقات يعمل والدموع تملأ عينيه وهو ينظر الى السماء ؛ لم أكن أشعر بما يشعر به ، ولم أكن أعرف ما هي لوعة الحياة بالنسبة لسعد ، و ما هي صعوبة الحصول على لقمة العيش التي لا تأتي إلا بالمعاناة والتعب.

مرت السنين مسرعة تدوس على كل من يقف في طريقها أو لا يمشي معها .. لا تمهل أحداً ولا تنتظر متأخراً و لا توقظ نائماً ؛ فإذا بي أجد نفسي قد تجاوزت مرحلة الشباب بسنين طويلة وملامح الكهولة قد بدت واضحة ترتسم لي في مرآتي ؛ فأبتسم و أتذكر كل ما مضى من عمري في ثواني ؛ فتفصح لي المرآة عما كنت أقول أو أفعل في تلك السنين الخالية.

لقد مات صديقي سعد الجايجي في سنة ٢٠١٧ بعد معاناة مع المرض وهو كان ما زال يعمل ويوصل طلبات الزبائن.

وبعد مرور (٤٥) سنة لم يترك فيها صينية الشاي أم الجنكال ؛ رحل وكأنه لم يؤدي رسالة في حياته غير إيصال طلبات الزبائن .. هكذا فهمت في ظاهر الأمر ؛ لكنه رحل وهو يحمل صبراً لا يعلمه غير الله سبحانه و تعالى . رحل بعد ان أعطاني درساً بأن الدنيا ليست باب لهو ومتعة ودلال . رحل وعينيه تقول لي عندما سنقف يوم الحساب أمام الله فلن يكون الحكم كما كنا في الدنيا . فالمحروم والفقير والمتعب . أجره أعظم ومقامه أعلى.

رحل صديقي سعد ، ومازال هناك من يوصل طلبات الزبائن محله ويكمل مسيرته في توزيع الشاي على المحلات ؛ فولده علي سعد يونس موجود .. كلما رأيته تذكرت سعد ، وفهمت بأن الدنيا ليست إلا حلماُ زائلاً ؛ حلالها حساب وحرامها عقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى