أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

المُـدلّـلـون فـي الأرض..

شـيـخـة المـحـروقـيـة

 

المُـدلّـلـون فـي الأرض..

 

“أوووووه … زوّدتوها!!”.. هكذا قلت وبكل غضب أطفأت المذياع؛ إذ كنت أستمع إلى حوار على إذاعة مونتي كارلو الفرنسية حول فيلم سينمائي مُنع من العرض في منطقة الخليج العربي.

ضيف الحوار كان أحد المثليّين وهو من أصل عربي حاصل على الجنسية الأمريكية، وأنقل عنه حديثه : “لا أدري لماذا يرفض الخليجيون بث هذا الفيلم الذي يقدّم الإنسانية في أبهى صورها ؟!! المثليّون موجودون في الخليج فلماذا لا يعترفون بهم ؟!”، أما الفيلم السينمائي الذي يتحدث عنه؛ فهو من إنتاج ديزني حول عائلة من الفضاء مكوّنة من زوجين مثليَّيْن وأطفالهما، والضيف المذكور آنفًا يمثّل دور أحد الزوجين.

قبل استماعي إلى هذا الحوار، كنت قد عرفت بأن دولاً كأمريكا وبريطانيا تنظران في منح الطفل ذي الأعوام الأربعة الحق في تحديد نوع جنسه “حسبما يشعر بداخله”، كما شاهدت خبرًا عن سوبرمان الذي اختارت ديزني أن تضيف بعض الإثارة في شخصيته فقررت أن يكون “مثليًا”، كما قام برنامج الأطفال الشهير “شارع سمسم / Sesame Street” باستضافة زوجين مثليَّيْن في “شهر مسيرات الفخر” التي تنطلق في يونيو (شهر ٦) من كل عام.

والمتابع لإنتاجات نيتفليكس و OSN وديزني سيجد المغالاة في عرض وتأييد هذه الفئة، ناهيك عن نشر ثقافة المثليِّين عبر ملابس وألعاب الأطفال المصبوغة بألوان قوس قزح، ورفع أعلام المثليِّين في الأحداث الرياضية وتحديدًا الدوريات الأوروبية الكبرى لكرة القدم، بالإضافة إلى قيام إعلاميِّين في القنوات الإخبارية المؤثرة مثل BBC و CNN بارتداء جوارب أو كرافتات بألوان شعار المثلية، ولعل أكثر ما يثير الدهشة والاستغراب حول هذا الدعم الكبير للمثليِّين هو اختيار أحد المتحولين جنسيًا ليكون المتحدث الإعلامي للبيت الأبيض.

لقد لاقى المثليّون اهتمامًا ودعمًا مبالغًا به، بخلاف العديد من الحركات التي عانت حقيقة من الرفض والظلم؛ حيث يتعرّض ذوو البشرة السوداء للعنصرية منذ عام ١٦١٩، أما كفاحهم الحقيقي ضد العنصرية بدأ عام ١٨٦٥م، ورغم الجهد العالمي لحفظ حقوقهم إلا أن واقع الحال يثبت بأن العديد منهم في أمريكا خاصة يعانون من الرفض والظلم بل والسجن والقتل والإقصاء الذي عززته خطابات الكراهية، أما النساء فقد تباين وضعهن الحقوقي باختلاف الحركات الدينية والسياسية على مرّ التاريخ حتى انطلقت حركة حقوق المرأة عام ١٨٤٨م، ورغم كل ما تحقق فإن الإحصائيات العالمية تشير إلى تعرّض امرأة من كل ثلاث نساء للقتل والعنف الأسري، ناهيك عن تعرّض آلاف النساء للتحرّش الجنسي في مواقع عملهن لتنطلق على إثر ذلك حركة Me Too عام ٢٠١٦م، بيد أن بعض النساء مؤخرًا خرجن عن المفهوم الصحيح للحركة النسوية وأخذن بالمطالبة بحق الاعتراف القانوني والمجتمعي بعلاقة الأنثى بالأنثى (المثليّات)، بل وأصبح الشغل الشاغل لهن خاصة في إسبانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية.

بدأت حركة “المثليِّين” المعروفة عالميًا بـ (LGBT) بعد الحرب العالمية الثانية أي في الفترة بين ١٩٤٥-١٩٦٩، وهي تشمل الشاذين والشاذات وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًا، عمرها اليوم أكثر بقليل من خمسين عامًا مقارنة بالحركتين السابقتين اللتين يناضلان حتى يومنا هذا منذ أكثر من ١٠٠ عام، ومع ذلك حقق المثليون تقدّمًا كبيرًا في حق الاعتراف والقبول والتفهّم بل والتقدير والاحترام وحق الكوته (الحصة) أيضًا، بينما لم تتمكن الحركات الحقوقية الأخرى من بلوغ ربع ما بلغوه، وهنا أتذكر الكوميدي الأمريكي من أصل أفريقي ديف تشابيل الذي أشار إلى حجم الحصانة والمساندة والأمان التي يتمتّع بها المثليّون، وكيف تمكنوا من تأكيد وجودهم بل والحصول على التعاطف والتأييد في كل موقف حتى وإن كانوا مخطئين، واستنكر تشابيل – حسب وصفه – أن يكون الأسود المثليّ أكثر قبولاً من الأسود السويّ جنسيًا، وقبله عبّر الكوميدي كيفين هارت عن كرهه العميق للمثليِّين، وذكرها صراحة بأنه لا يحبهم لأن حركتهم بحد ذاتها نوع من العنصرية؛ فلا يحق للشخص السويّ اتخاذ أي موقف سلبي تجاههم حتى وإن كان على حق؛ لأنه سيتّهم جزافًا بالتحيّز والعنصرية.

حيث ترعرعت عاش في حارتنا بعض من يختلفون عن الرجال في حديثهم وسلوكهم، ولا يمكنني وصفهم بالشذوذ فقد كان بعضهم متزوجًا ولديه عائلة، كما كانت تجمعهم بأمهاتنا ونساء الحارة علاقة قبول ومودة واحترام متبادل ويشاركونهن جلساتهن ومناسباتهن المختلفة، ويعود السبب في ذاك التعايش بينهم وبين المجتمع إلى “الصمت” ومعرفة كل طرف حدوده وموقعه من الإعراب الإنساني والاجتماعي دون ضررٍ أو ضرار، ولم يكن وضعهم مثار حديث أو جدل كما أنهم لم يكونوا يطالبون بالحصول على معاملة مميزة، أما اليوم فقد تغيّر الحال ولم يعد لأمثال هؤلاء وجود ظاهري بيننا، ربما هم موجودون هنا وهناك ولا أدري كيف يتفاعلون مع هذا الزخم الإعلامي والتأييد المفرط والإسفاف لإيجاد الاعتراف القانوني بالمثليِّين كفئة بشرية لها معاملاتها الخاصة في الزواج والعمل والترفيه وغيره، وكيف يتعاملون مع انقسام المجتمع بين فئة غاضبة مستشعرة التهديد على دينها وقيمها وبين فئة تفتقد الشعور بالاستفزاز وتعتبر متابعة شخصيات شاذة جنسيًا وخارجة عن الفطرة السليمة على مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا للترفيه والإلهام، ناهيك عن امتناع العديد من المؤسسات الثقافية والإعلامية عن تناول هذه القضية بحكمة، عدا النادي الثقافي الذي نظّم جلسة حوارية بعنوان (سوبرمان شاذ: صناعة أفلام أم استبداد ثقافي)، وأشار فيها د. حمد السناوي وهو أحد ضيفي الجلسة بأن الشذوذ الجنسي هو مرض نفسي وأحيانًا يحدث نتيجة تشوه خَلْقي يجب علاجه، أما الضيف الثاني وهو د. سيف الهادي يرى أن تطبيع “المثليّة” هو سعيٌ سياسي لنشر الانحلال الأخلاقي في المجتمعات مما يقود إلى هدمها وانهيارها.

ربما لو عدنا إلى التاريخ لفهمنا بعض أسباب هذا التأييد الفجّ للشذوذ الجنسي، وتقديس المثليّة باعتبارها حالة أفلاطونية مثالية يجد الغرب أنه ملزمٌ بتعميمها؛ إذ أن أفلاطون في كتاب (المأدبة – فلسفة الحب) يشير إلى أن الحب الذي يتحدث عنه سقراط وأجاثون وأرستوفانز هو حب الذكر للذكر، وهذا الصنف هو الذي يحقق غايات الإنسان السامية ويعمّر الأرض ويصنع حضارتها، أما حب الذكر للأنثى فهو نزوة جسدية خالصة غايتها إنجاب الأطفال وحفظ البشرية فقط، ولا يشعر به سوى العوام أو الجهلة!!؛ جدير بالذكر أنه في عهد الإغريق كانت المرأة تعتبر “شيئًا” لاستخدام الرجل وليست إنسانًا له أهميته واحترامه.

خلاصة القول إن هناك حراكًا واضحًا لترسيخ “الشذوذ الجنسي” وتطبيعه في العالم، ولا يبدو لي الأمر أنه مجرد تعاطف أو دعم حقوقي، بل هو سعيٌ واضح وفاضح لإخراج المجتمعات من أنظمتها الصحيحة السليمة وقيمها السَّوية، ولا أقول ذلك من منطلق ثقافتي الإسلامية المستشعرة بالتهديد والمؤامرة وحسب، بل لمنطقي وحسّي الإنساني ومسؤوليتي تجاه مجتمعي، ومحاولة حمايته من كل خطرٍ مُحدقٍ به قد يقوده إلى منزلقات خطيرة يصعب عليه النهوض من بعدها..

‫4 تعليقات

  1. مرحبا استاذة .. مقال رائع ..
    رغم اني اخبرت الاستاذ علي الحسني بأن كاتبة معه اسمها سيخة المحروقية هي مكسب كبير ، عندما قرأت لاول مرة مقال لك عن الفئران و الجبن ، الا انه اعاود القول هنا ايضا ، و اشد على قلمك للكتابة بمثل هذا الابداع .
    و المثلية .. داء قبيح انشأأه ضياع البيوت ، و تفكك الاسر ، و الاهم الحرية الشخصية المدعاة .

    بالتوفيق دائما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى