أصداء وآراءأقلام الكتاب

الوَحْـي الإلـهـي .. الجـزء (1)..

الكاتـبـة/ زكـيـة أعـربـات

طالبـة دكـتـوراة

كلية الآداب والعلوم الانسانية القنيطرة

جامعة ابن طفيل – المغـرب

الوَحْـي الإلـهـي .. الجـزء (1)..

 

إن كل الرسالات السماوية كانت مرتبطة بوحي إلهي، كما ارتبطت بالمعجزات. وقد تعددت طرق الوحي الذي نزل على الأشخاص المصطفين من الله لتبليغ رسالته إلى كافة الناس.

وحول هذا الأمر اختلفت الكتب السماوية الحالية -المقدسة عند أصحابها- في إعطاء مفهوم للوحي وطرق نزوله.

وفي عرضنا هذا نتطرق إلى الموضوع، محاولين قدر المستطاع تقريب مفهوم الوحي وطرقه، كما سنتطرق لمفهوم الإلهام في الديانات التوحيدية الثلاث لما له من ارتباط بمفهوم الوحي.

الوحي بمفهومه اليهودي..

مفهوم الوحي في الأسفار والعقيدة اليهودية :

مفهوم الوحي في العقيدة اليهودية يختلف عن المفهوم الإسلامي للوحي، فقد عرفته موسوعة المصطلحات اليهودية بقولها : “يشير هذا التعبير في العقيدة اليهودية إلى ظهور الإله بمعجزة أو إظهار مراده عن طريق نبوءة، ويأتي الوحي لهدف محدد، أو لبشارة بما يمكن أن يحدث مستقبلا، أو لإظهار رغبة الإله، أو لإرشاد الإنسان للوصايا، ويعتبر مكان التجلي أو الوحي مكانا مقدسا، وكان الآباء يبنون عليه المذابح”.

كما نجد مصطلح آخر يعتبر مرادفا للوحي في المعتقد اليهودي وهو “الإلهام” سوف نتحدث عنه في الفصل الثاني.

  • الوحي في الأسفار اليهودية..

الوحي في الأسفار اليهودية يظهر بأشكال مختلفة كالأحلام و الرؤى و التبليغ، و أحيانا كان الأنبياء يرون الأمور المستقبلية، و أما الوحي بمعنى الإخبار عن الله تعالى بواسطة ملك نادرا ما نجده في الأسفار اليهودية، فغالب النبوات نداء مباشر من الرب للنبي؛ وإن كان في بعض المرات يكون الوحي عن طريق ملاك للأنبياء أو حتى لعامة الناس.

حيث سيظهر ملاك الرب لخادم إبراهيم عليه السلام، و هو من العبيد، ويوحي له بزوجة ابنه إسحاق عليه السلام، فقد جاء في سفر التكوين : (فقال له العبد : “رُبَّمَا لاَ تَشَاءُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَتْبَعَنِي إِلَى هذِهِ الأَرْضِ. هَلْ أَرْجعُ بِابْنِكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي خَرَجْتَ مِنْهَا”؟ فقال له إبراهيم… هُوَ يُرْسِلُ مَلاَكَهُ أَمَامَكَ، فَتَأْخُذُ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ هُنَاكَ).

من هنا يتبين أن الوحي قد يحل بغير الأنبياء، فقد يشمل الرجل والمرأة والعبد، فكلهم يكلمهم ملاك الرب.

أنواع و طرق الوحي عند اليهود :

  • الوحي بالكلام المباشر..

كان أول الوحي إلى البشر هو ما كان من كلام الله إلى آدم و تعليمه من الوصايا ما يميز به بين ما ينفعه و ما يضره، “وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ».فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ»”.

ويتواصل الحوار بين الرب وآدم حول مسألة أكله من الشجرة المحرمة. كما كلم الله موسى عليه السلام في جبل سيناء.

ويقول موسى بن ميمون : (واعلم أن كل ما ذكر من الأنبياء أنه أتاه الوحي، فإن منهم من ينسب ذلك لملك، ومنهم من ينسب ذلك لله، وإن كان ذلك على يدي ملك بلا شك..)  وساق أدلة من الأسفار المقدسة تدل على أن الله قد يكّلم الأنبياء كإبرام(إبراهيم)، أو يشوع، أو غيرهما، لكن ذلك يحمل على الاتكال على ما قد  علم من أن النبوة والوحي لا يكون إلا على أيدي ملك).

ويعود السبب في قوله هذا إلى أنه سلك مسلك نفي صفة الكلام عن الله، واعتبر كلامه مخلوقًا، كما أن التوراة مخلوقة.

  • الوحي عن طريق الرؤيا المنامية..

هي رؤيا يراها النائم في نومه، فقد يرى الله و قد يسمع صوت ملك يكلمه، وإذا استيقظ اقتنع يقينا أن ما رآه في نومه وحيا من الله واطمئن قلبه لذلك.

وهذه الطريقة من الوحي كانت مع أغلب الأنبياء كما حدث مع سيدنا إبراهيم: “بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي الرُّؤْيَا قَائِلاً: «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا». فَقَالَ أَبْرَامُ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ»”

وكذلك كان الوحي عن طريق الرؤيا لأغلب الأنبياء كرؤيا الملك سليمان : “فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَرَاءَى اللهُ لِسُلَيْمَانَ وَقَالَ لَهُ : «إسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ».(…) قَدْ أَعْطَيْتُكَ حِكْمَةً وَمَعْرِفَةً، وَأُعْطِيكَ غِنًى وَأَمْوَالاً وَكَرَامَةً لَمْ يَكُنْ مِثْلُهَا لِلْمُلُوكِ الَّذِينَ قَبْلَكَ، وَلاَ يَكُونُ مِثْلُهَا لِمَنْ بَعْدَكَ».”

  • الملائكة في صورة بشر..

وهي أيضا من أكثر وسائل الوحي شيوعا، وهي ظهور الملائكة في صور بشرية تخاطب البشر بلغاتهم و تبلغهم وحي الله، كما قال في حزقيال : “إِذَا بِرَجُل مَنْظَرُهُ كَمَنْظَرِ النُّحَاسِ، وَبِيَدِهِ خَيْطُ كَتَّانٍ وَقَصَبَةُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْبَابِ. فَقَالَ لِي الرَّجُلُ: «يَا ابْنَ آدَمَ، انْظُرْ بِعَيْنَيْكَ وَاسْمَعْ بِأُذُنَيْكَ وَاجْعَلْ قَلْبَكَ إِلَى كُلِّ مَا أُرِيكَهُ، لأَنَّهُ لأَجْلِ إِرَاءَتِكَ أُتِيَ بِكَ إِلَى هُنَا. أَخْبِرْ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ بِكُلِّ مَا تَرَى».”، و هذا ما حدث مع إبراهيم و لوط و يعقوب، فعندما جاءت الملائكة لتبشر إبراهيم عليه السلام بإسحاق كانت في صورة بشر، حتى أن زوجته سارة استمعت إلى الوحي الذي ألقاه الملائكة ودون أن يدرك كلاهما طبيعة هؤلاء الناس في أول الأمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى