أصداء وآراء

بالعـزم والإيـمان سنعـبـر بعُـمان..

 

 

الكاتـب/ خميـس بن عبيـد القطـيـطي

 

 

بالعـزم والإيـمان سنعـبـر بعُـمان..

 

ربما تكون كلمات العنوان أقرب إلى مجاراة الأنشودة الوطنية التي غنَّتها الفنَّانة الذائعة الصِّيت نجاح سلام في رفع همم أبناء هذا الوطن في سبعينيات القرن الماضي، حيث ترنَّمت بقصيدة جاء في مطلعها : (بقوة الرحمن .. والعزم والإيمان .. والجهد والإصرار .. سنرفع البنيان .. لكي نرى عُمان .. قد أصبحت منار .. منااااااار) كانت هذه الكلمات البسيطة كافية لإيقاد شعلة المشاعر الوطنية في تلك المرحلة الزمنية، فكانت تمثل جزءا من الحركة الوطنية التي تجسَّدت من خلال المسيرة الظافرة بقيادة المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ وفي كل عهد ومرحلة لا بُدَّ أن يترافق هذا التدفق والعنفوان الوطني مع أي منظومة عمل وطنية مهما رافقها من هموم أو صعوبات على الصعيد الوطني، ولكن هذه النبضات الوطنية وحدها لا تكفي لإعلاء وإعلان التألق الوطني كرافعة للحركات الوطنية، بل تتطلب جهودا عملية ومنجزات تجسِّد أي تجربة وطنية، إلا أن الجهود والمنجزات تتطلب سقفا زمنيا لتقييم ما تحقق على أرض الواقع.

اليوم ومع اتِّساع دائرة الفضاءات المفتوحة ووسائل التواصل والاتصال، أصبح من الأهمية بمكان تفعيل حلقات الاتصال بين أجهزة الدولة المختلفة والمواطن، وذلك لإبراز الصورة الوطنية وتجلِّيات المشهد الوطني بكل وضوح تحت عناوين الواقعية والشفافية لبناء وتعزيز الثقة والتأكيد على اللحمة الوطنية. ولا شك أن المواطن العماني هنا يمتلك عنصر الصبر والتأنِّي، ولكن أهمية وجود تلك القنوات الإعلامية لربط الوطن والمواطن مع الصورة الوطنية مع توافر مساحة من المعلومات للحراك الوطني القائم بجميع ظروفه ومعطياته، وهو ما يشكل الأعمدة الإيجابية في التعاطي مع الأوضاع الوطنية الراهنة، أي أن الضرورات تفرض وجود حلقات إعلامية وطنية رسمية في التواصل مع المواطن، وخطة إعلامية واضحة، ليس لتقديم الوعود الوطنية المستقبلية، بل لشرح حقيقة الصورة الوطنية ومدياتها الزمنية المطلوبة، وذلك لبناء جسور الثقة بين الحكومة والمواطن. وعليه فإن وجود خطاب واضح وشفَّاف بين الطرفين يساعد على توافر قاعدة وطنية إيجابية لا يكتنفها الغموض والسلبيات.

المسار العملي الموازي للمسار الإعلامي أيضا يتطلب أن يحقق الحدود الممكنة من المنجزات على أرض الواقع بشكل متزامن مع السياق الإعلامي، وبالتالي فإن مراعاة الأساسيات الوطنية تشكِّل الرافعة الحقيقية للحركة الوطنية، ولله الحمد فإن الأسس الوطنية في السلطنة متوافرة إلى حدٍّ ما، إلا أن إشكالية توافر الفرص الوظيفية تبرز كأهم الإشكالات الوطنية، خصوصا مع وجود فئة المسرَّحين ومعاناتهم الصعبة التي ينبغي أن تأخذ أولوية متقدمة، نظرا لوجود مسؤوليات أُسرية جسيمة تُلقي بظلالها القاتمة على الأوضاع المعيشية لهؤلاء المسرَّحين أو الباحثين. وهنا نتمنَّى معالجة هذه المسألة بشكل عاجل؛ لأن وجودها بات يمثِّل هاجسا وطنيا.

وعودا على بدء، فإن التفاعل الوطني الإيجابي يمثِّل إحدى أهم ركائز الحركة الوطنية، وبناء الإيجابية الوطنية تسير عبر مسارين أحدهما إعلامي وبخطة إعلامية منهجية مبنية على الشفافية والوضوح، وتحقيق الاتصال مع أبناء الوطن عبر القنوات الرسمية مثل وزارة الإعلام وممثِّلي الشعب في مجلس الشورى والجهات الحكومية الأخرى كوزارة الداخلية، بالإضافة إلى المنافذ الإعلامية في بقية المؤسسات الحكومية المختلفة، مع بناء خطة إعلامية ناجعة تحقق الأهداف الوطنية وتعيد بناء جسور الثقة، وتبرز المشاعر الوطنية، وتعزِّز الحركة الوطنية، وبالتالي تتحقق المعادلة الوطنية، وهذا المسار الإعلامي ـ بلا شك ـ لا بُدَّ أن يترافق مع المسار العملي في معالجة الهموم والإشكالات الوطنية بالحدود الممكنة والمتاحة، مع تزامن كلا المسارين وتوازي حراكهما الوطني.

كان لا بُدَّ من تقديم وجهة نظري الشخصية في الحركة الوطنية التي تقدمت في السياق أعلاه، وهي رسالة وطنية، آمِلًا في تحقيق الأهداف الوطنية، ولإبعاد الوطن عن مخاطر السلبية الإعلامية وتبعاتها الخطرة. والآن سألج إلى الفكرة الرئيسة التي حملت عنوان المقال والتي جاءت مجاراة للأغنية الوطنية الشهيرة التي غنَّتها الفنَّانة الكبيرة نجاح سلام في بدايات النهضة المباركة بعنوان “سنرفع البنيان” وقد تحقق ذلك بالفعل وعبر مختلف مسارات العمل الوطني، ومما ساعد في تسارع النهضة هو الطبيعة العمانية المثابرة والروح الوطنية التي عزَّزت حركة البناء، إضافة إلى أوضاع الحياة البسيطة في بواكير النهضة، والتأقلم مع تلك الظروف والمراحل الصعبة التي مرَّت على الوطن سابقا. ويبقى الأهم في حركة التنمية الوطنية هو تعاضد العمانيين مع القيادة الحاكمة، والتقاط الرسالة الأبوية عبر موجات استشعار وطنية خاصة شكَّلت لاحقا مفردات تلك الملحمة الوطنية.

وما أشبه اليوم بالأمس، فالخطاب الأبوي الذي أعلنه جلالة السلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ في عام ١٩٧٠م عند تولِّي مقاليد الحكم هو ذات الخطاب الذي أعلنه جلالة السلطان هيثم ـ أعزَّه الله ـ عند تولِّي الحكم في الـ١١ من يناير ٢٠٢٠م، وإن اختلفت الظروف والزمان، لكنه رسم رؤية أبوية صادقة مكملة للنهضة ومجدِّدة لها بكل معانيها، وفي الحالتين تطلَّب منا كأبناء لهذا الوطن العزيز التعاون والاجتهاد والصبر حتى نتجاوز المرحلة الراهنة، والأهم هنا هو الإيجابية والثقة الوطنية، وإتاحة الفرصة والعامل الزمني لاستجلاء الموقف، وكذلك المشاركة في تحمُّل المسؤولية، مع الأخذ بالاعتبار صعوبات المرحلة، وكل هذه المعطيات لا بُدَّ منها حتى نعبر بعُمان إلى بر الأمان.

العمانيون كانت لهم محطات زمنية بالغة الصعوبة خلال القرن الماضي وتجاوزوها بعون الله، وقدموا تضحيات كبرى فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية للدولة والتي زاد من شدَّتها الحربان العالميتان، مما جعل خزينة الدولة في بعض الفترات الزمنية على الصفر، ومما زاد من وطأة الحياة وشدَّتها عدم وجود أية مرافق خدمية، والانقسامات التي سادت عُمان وانتهاء بالثورات المسلحة التي شهدتها البلاد وقسوة الحياة الاجتماعية التي فرضت على أبناء عُمان الهجرة للخارج. واليوم ـ ولله الحمد ـ تبدَّل الحال فأصبحنا ننعم بثمار ما تحقق من نهضة مباركة سادها الترابط والتماسك الوطني مع وجود دولة كاملة الأركان والبنيان بمختلف مرافقها الخدمية، هذا رغم تمدُّدها الجغرافي وتضاريسها الصعبة والإكراهات الراهنة التي فرضتها الظروف والأزمات الدولية العابرة كالأزمة الاقتصادية وأزمة جائحة كورونا وملفات وطنية طارئة تحتاج إلى معالجات زمنية لا بُدَّ منها، وبالتالي فإن كل ما ترتب من استحقاقات مفروضة على المواطن في الآونة الأخيرة كانت لازمة لتجاوز المرحلة الراهنة، وعلينا كأبناء لهذا الوطن التعاون، والتحلِّي بالصبر من أجل العبور بهذا الوطن إلى بر الأمان، وبث الروح الإيجابية في التعاطي مع المشهد الوطني، ونتذكر جيل الآباء الذين عانوا العوز والشدَّة وصبروا للوصول إلى غد مشرق فتحقق بفضل الله وكرمه على هذا الوطن العزيز. واليوم علينا إكمال هذه المسيرة الوطنية المتجددة بصبر وثبات وروح عالية وهي سمات متناسخة في أهل عُمان، حفظ الله عُمان وجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، ونؤكد على المُضي قدما خلف قيادته الحكيمة مؤكدين الولاء والانتماء للوطن والسلطان، وعلى بركة الله سر بنا يا مولاي فنحن ماضون خلف جلالتكم لا شقاق ولا فتن، بثقة وتفانٍ وإخلاص، مُلبِّين النداء على السمع والطاعة في المنشط والمكره، بالعزم والإيمان والجهد والإصرار سنعبر بعُمان إلى بر الأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى