أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

بداية جديدة من التدبّر والتأملات .. نقـد الذات..

المستشار/ عبدالعزيز بدر القطان

كاتب ومفكر وقانوني – الكويت

 

بداية جديدة من التدبّر والتأملات .. نقـد الذات..

 

إن مسيرة أي إنسان منذ أن يبدأ بإدراك مجتمعه الصغير والكبير، تنمو مداركه وتتوسع أفقه، يزداد خبرة في فهم ما كان خاطئاً في مرحلة سابقة، أو يصوّب ما كان يعتقده صحيحاً ليتأكد أنه كان على خطأ.

هي حالة طبيعية يعيشها أي إنسان، لكن تختلف من شخص إلى آخر، فكم تبني أشخاص آرائها بناءً على معطيات مرحلة معينة وظروف اجتماعية وسياسية خاصة، تنبهر بشخصية ما سواء تاريخية أو أدبية أو دينية أو سياسية، في أحيانٍ كثيرة تتبنها نهجها، لكن ما تلبث أن تتغير هذه الرؤى بعد توسع المدارك كما أشرت، لو نظرنا إلى تاريخ الأدباء والفقهاء، على سبيل المثال محمد بن إدريس الشافعي (150 – 204هـ) قام بتبديل آرائه، وكثيرون من العلماء والفقهاء والمفكرين غيّروا آرائهم، بعضهم من الأسوأ إلى الأفضل، وبالعكس، حيث تجد أن البعض كان من قرّاء القرآن الكريم وكان النور يشع من وجوههم، تراهم الآن انحدروا إلى الدرك الأسفل، هي حالة ضياع، هي حالة فتور، هي تأثيرات اجتماعية أو مجتمعية، حتماً هناك أسباب لذلك، لكن على حسب كل إنسان ونفسيته وتجربته في الحياة.

هذا الأمر، يحتاج إلى مراجعة للذات، وقراءة للنفس، وتأمل الشخص عما صنعه قديماً وما يصنعه حالياً، هي دراسة نفسية، أغلب الناس تقوم بها، تحاول معرفة أين اخطأت وأين أصابت، أين صابها الجمود وأين تطورت، الإنسان الطبيعي يقوم بهذا الدور، على الصعيد الشخصي، عندما أرى الظلم يستشري في بلدان وأماكن معينة، كان لي فيها محطات، تجعلني أندم على مواقف إعلامية كانت على بعض الأصعدة، كأخذي على سبيل المثال موقفاً سياسياً ما، أشعر وكأني مسؤول عن هؤلاء الناس الذي وقع عليهم الظلم، فصاحب الكلمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إنّ العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها في النار سبعين خريفاً).

الآن، شخصيات تاريخية، أسماء لامعة، فقهاء ومحدّثين، وعلماء، أخذت منهم موقف نادم عليه، بكل أمانة وصراحة، ولتبرئة الذمّة لا بدّ من الحديث حول ذلك، فإن تكلمت على البعض ونالهم شيء مني ومن كلامي، لقصور مني، وقراءة منقوصة مني، لهذه الشخصية، يجعلني أخاف ظلم أحد، وكما قال الإمام مالك بن أنس: (كل أحدٍ يُؤخذ من كلامه ويُرد)، وكل إنسان له وما عليه، وبالتالي وبعيداً عن المسببّات التي جعلتني أخطئ في حق أحد، يجب الاعتراف وتبرئة الذمة أمام الله سبحانه وتعالى، رغم أن لا مشكلة لي مع أحد، هذا الأمر كما أشرت جعلني أعيش حالة ندم كبيرة، عندما تناولت شخصيات إسلامية كبيرة، عندما عدت قراءتها وجدت أنها أكبر من أن ينقدها العبدلله الذي هو أنا، الأمر الذي جعلني أتراجع عن كثير من بعض الأقوال والمواقف السياسية والمنظمات وشخصيات إسلامية عملاقة، وحتى بعض الدول، لذلك أنا بصدد مراجعة للنفس وتقييم شامل من خلال قراءة جديدة كلياً، للتاريخ والموروث الإسلامي كاملاً، بكل تجرد للأمانة، قراءة قرآنية، وقراءة تأملات، وتدبّر، بعيداً عن كل المؤثرات السياسية والمذهبية والدينية، لذلك أتمنى لكل قارئ ومتابع لي أن يقرأ لي ويتابع نهجي في هذا العام 2021، قراءة لآرائي الجديدة التي أتبناها وبكل فخر، لأنه وبكل تجرد وصراحة، أتحفظ على كل قراءاتي القديمة، كانت تجربة لا أعتبرها معتمدة كما مسيرتي الآن.

وبمشورة فضلاء من أهل الاختصاص بعلم الحديث وعلم الرواية والدراية، ومن الفقهاء القانونيين والفقهاء الشرعيين، والسادة العلماء، أعيد قراءاتي أكاديمياً، رغم مشورة بعضهم بعد إتياني على ذكر هذا الموضوع، لكن لا بد من تبيانه لكل الناس، كما عودتهم دائماً على نقل الواقع بتجرد، ولأني لا أرى عيباً في أن يخطئ الإنسان، لكن العيب من يعرف أنه أخطأ ولا يعترف بخطئه، بالنسبة لي في بعض المواقف قد أكون غير مخطئاً فيها لكن شعرت بقسوة صدرت عني في بعضها، وبالتالي، سأكون على منهج القرآن الكريم، وما صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، متواتراً وصحيحاً وموافقاً لكتاب الله وشروط أهل العلم من أهل الاختصاص في الرواية والدراية وأهل الحديث.

هذه القراءة الجديدة، هي بداية إطلاق سلسلة مقالات تتعلق بالرد على الشبهات، لأن الهجمة على الإسلام كبيرة جداً، وموضوع التقارب بين المذاهب أو الوحدة الإسلامية، مشروع ليس بهيّن، خصوصاً وأنّ أدعيائه كُثر، والجميع ينادي لمشروعه الخاص، على حساب الوحدة الإسلامية، وهنا لا اتبع جهة معينة، بل اتبع الحق، والحق ديني، وأنا مع الدليل ومع علماء أهل الحديث والأثر الكبار، والمربين المهتمين بتراثنا الإسلامي العريق وإشرافهم، وحتى القرآن الكريم وقراءة جديدة لها كلها تدبر وتأمل.

وكل ما تقدّم الشخص بالسن، قراءاته تصبح أنضج وأعمق، وأكثر تركيزاً، والأهم بتجرد وتمييز الخطأ من الصواب، خصوصاً باستخدامه أدوات أكاديمية متوازنة، سواء كانت القراءة إسلامية أو أدبية أو تاريخية أو سياسية، حيث تصقل عصارة تجاربك في هذا الأمر بعد أن تكون ملكت وعياً فكرياً حقق لك هذا التوازن، وبالتالي تضع استراتيجية حتماً وحكماً تكون مختلفة عن كل ما سبق، مع الإشارة إلى أن السابق لأي شخص قد تدفعه العواطف، والانبهار والبروباغندا والهالة المرسومة لهذا أو ذاك، تراه يُسحب لتبّني نهج وفكر لا يشبهه، لكن لا يستطيع أن يعي الخطأ الذي وقع فيه، حتى يكتسب تجربته الخاصة، أنا شخصياً لماذا أقول ندمت؟ لأن لم تكن لدي قراءة صحيحة ومتكاملة سابقاً، فكثير من الكتّاب تجدهم في بداياتهم غير عن منتصف أعمارهم، غير عن فترة تقدّمهم بالسن، وكما يُقال في الأثر: (رحم الله امرئ أهدى إلى عيوبي)، وهذا طبيعي لأن الإنسان خطّاء، لكن الوقوف عند الخطأ هو المهم، عندما تزداد أدوات المرء، وشخصياً عندما أصبح لي أدوات في علم الحديث والأثر والرواية والدراية وأصبح هناك تواصلاً مع كثير من العلماء في الكويت ودمشق وحلب وبغداد والقاهرة والهند وباكستان وغيرهم، بالتالي قراءتي الآن مختلفة لامتلاكي الأدوات الأكاديمية وأصبح لي أحكاماً مختلفة على قضايا كثيرة، خاصة عندما يحدث نقاش مع السادة العلماء الكبار ونخرج بنقاش بنّاء.

وبالتالي، قمّة الرجولة الاعتذار عن بعض المواقف السياسية، وبخاصة التي تتعلق باضطهاد شعب تعرض للظلم على مستوى أمة، كان يجب أن ننتهج موقفاً مغايراً مع تكرار أن لا خصومة لي مع أي أحد كائناً من كان، وبالتالي خلاصة استنتاجي يجب ألا نبني قراءة مسبقة قبل أن نتبين الخيط الأسود من الأبيض ونستمع لكل الآراء ونقيّم الحالة، وعلى الرغم من أن السياسة فنّ المتغيّر، لأن لا يوجد فيها موقف ثابت، لكن الثبات في القراءة والتحليل الصحيح، وهذا ينطبق على أي قراءة أخرى، خاصة النقدية منها، بكامل التجرد، إن لم يتحقق ذلك تُبنى ثقافات التعصب، فأن نقول إننا كنا نملك قراءات مراهقة وناقصة لا ضير طالما سنصحح ذلك، الإنسانية فوق كل اعتبار، ولم أعد أقبل أو استمع إلى أي رأي مسبق لا بل أرفضه رفضاً تاماً خاصة تلك المشحونة بتعصبات مذهبية ودينية وفكرية، لنضع القرآن مقياساً لنا، قال تبارك وتعالى: (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، كلام الله هنا يربّي ويعلّم، ويجرّد من كل عصبية وأي أهواء. 

من هذا المنطلق، لست إلا ممن يحاولون توضيح رؤيتهم إلا بعد صقل التجربة والاستفادة من أخطاء الماضي في مسار مختلف كلياً لكنه مبني على قواعد علمية وأكاديمية بنّاءة تميّز الصحيح من الضعيف، ليس فقط كعلم، بل حتى في العلاقات الشخصية والعمل والإعلام والسياسات وغير ذلك، فالعقلاء هم من يغيرون أفكارهم، وأما المجانين من يبقون على رأي واحد حتى وإن ثبت الخطأ التام. ومن الجميل أن يتصالح الإنسان مع نفسه ويخطو نحو قراءات جديدة، وسيكون فكري وقلمي خدمة للإنسان وللإنسانية، ولرفعة دين الله تبارك وتعالى، وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحيحة، والله موفق الجميع لما يحب ويرضى، ونسأل الله أن يتجاوز لنا ويغفر لنا ويسامحنا إذا أخطأنا بحق أي عالم من علماء الأمة الكبار، فقولي هذا براءة ذمة لله تعالى وللتاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى