أصداء وآراءأقلام الكتاب

بعيداً عن الهرولة المحمومة للتطبيع مع إسرائيل .. سلطنة عمان تؤكد على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني..

الكاتـب الصـحفي/ محمـود الكـنـزي

 

بعيداً عن الهرولة المحمومة للتطبيع مع إسرائيل .. سلطنة عمان تؤكد على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني..

إن الإنسان في صراعه المستمر من أجل ضمان وجوده واستقراره وتنميته .. وهذه الثلاثية هي الموجهات الأساسية للسياسة .. وإذا كنا نريد أن نكسب احدا لقضيتنا فلا بد أن نقنعه اولا بأننا اصدقائه .. فالسياسة هي في النهاية تصادم بين الأهداف والمصالح .. لذلك فإن الحياد والوسطية هي المظلة الجيدة والخيار الحكيم والأمثل للسياسة والعلاقات الخارجية بين الدول والشعوب  ..

لا شك أن لكل دولة نهجها السياسي الذي يوفر لها التوازن الداخلي والخارجي من أجل تحقيق اهدافها وغاياتها الوطنية .. لذلك كل دولة تضع إستراتيجية محددة لسياساتها الخارجية التي تخدم مصالحها وتحقق طموحات شعبها .. وتعتبر الدبلوماسية الذكية هي الوسيلة السليمة لخلق علاقات خارجية ناجحة بين الدول .. وذلك من خلال اعتماد الحوار والتفاوض في النزاعات والصراعات الاقليمية والدولية .. وهذا ما جعل سلطنة عمان تنتهج سياسة الحياد العقلاني الإيجابي في تفاعلها مع جميع المشكلات والقضايا التي تحدث بين الدول وخاصة العربية والصديقة منها .. وما يشهده العالم اليوم من صراعات أدت إلى تصدع وانهيار العديد من الدول العربية مثل ليبيا وسوريا والعراق واليمن…

أما بالنسبة إلى قضية الساعة التي تشغل العالم أجمع وخاصة ، العالم العربي وهي قضية التطبيع مع اسرائيل .. وهرولة بعض الدول العربية في اتجاه عملية التطبيع .. نجد أن هناك بعض خلط للأوراق في موقف سلطنة عمان .. فهنالك من يعتقد بأن السلطنة تؤيد هذا التطبيع ليس الآن فقط إنما منذ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978 ، عندما قاطعت كل الدول العربية مصر ما عدا سلطنة عمان والسودان .. وهنالك أيضا من يعتقد بأن السلطنة في هذه القضية تمسك العصى من النصف .. ولكن وبالدليل القاطع ومن متابعاتي الشخصية لهذا الملف ، نجد أن سلطنة عمان ومنذ اتفاقية كامب ديفيد وحتى اللحظة لم تطبع علاقاتها مع إسرائيل ، مع استمرار سعيها الدائب على العمل من أجل التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية عبر استضافة المسؤولين الفلسطينيين والإسرائيليين في مسقط بعلم الطرفين والتنسيق معهما ، للوصول إلى اتفاق في هذا الشأن ، كان آخرها إستضافة المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس في عام 2018م للرئيس الفلسطيني محمود عباس ، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ..

ولقد ظلت سلطنة عمان في كل قراراتها وتفاعلاتها مع القضايا الإقليمية والعالمية ، تؤكد بأن الحوار والتواصل ، واحترام سيادة الدول ، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ، وحسن الجوار ، والتعايش السلمي .. هو الأسلوب الحضاري الأمثل والأنجع في حلّ كافة الخلافات السياسية وصولاً إلى تحقيق السلام والإستقرار لكافة الشعوب .. وكانت السلطنة هي المثال والقدوة عندما حافظت علي علاقاتها مع مصر يوم أن قاطعتها كل الدول العربية بعد اتفاقية كامب ديفيد .. وكذلك أيضًا عندما حافظت على علاقاتها مع العراق وايران والوقوف علي مسافة واحدة منهما بالرغم من أنهما يخوضان حرباً مدمرة إستمرت عدة سنين ، قامت خلالها بجهود إصلاح ذات البين بين هاتين الدولتين المسلمتين الجارتين .. وكذلك إنتهجت أسلوب الحياد العقلاني في الخلاف بين قطر من جهة والسعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة ثانية ، وقامت بمساعٍ حميدة لحل الخلاف القائم بينها .. وبالنسبة إلي حرب اليمن نجد أن السلطنة لم ترسل قوات للمشاركة في هذه الحرب ، وعملت على جمع الفرقاء في اليمن وأعضاء التحالف العربي على طاولة التفاوض والحوار ، بل ووفرت طائرات خاصة لنقل المتفاوضين الى مؤتمر الصلح بالكويت ، كما قامت بجهود إنسانية ومساعدات للشعب اليمني والمحافظات والمدن والقرى اليمنية التي تأثرت من الحرب ، كما ساهمت في الإفراج عن مجموعة من الغربيين المحتجزين لدى طرفي الحرب .. ولقد ضربت السلطنة بكل ذلك مبدأ الحياد الإيجابي الهادف إلى ترسيخ السلم والإستقرار في المنطقة..

والسؤال المهم الذي يجب أن يطرح لكل دولة عربية تسعي الى التطبيع مع إسرائيل وتعتقد أنه هو الحل للقضية الفلسطينية .. السؤال هو : هل سيقبل أبناء مدن وقري فلسطين المحتلة منذ عام 1948 بالتخلي عن أرضهم بعد تحمل كل التنكيل والقتل والتشريد من قبل الإحتلال الصهيوني وعذابات مقاومة هذا الاحتلال طوال ما يقرب من قرن من الزمان .. لا شك أن الجواب لا وألف لا ..

إن موقف سلطنة عمان الراسخ حول القضية الفلسطينية لم تتزحزح عنه قيد أنملة منذ أن رسمه المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس (طيب الله ثراه) مع بزوغ فجر النهضة العمانية الحديثة عام 1970م ، وجاء من بعده جلالة السلطان هيثم بن طارق (حفظه الله) وأكد السير على النهج نفسه ، مؤكداً على ضرورة حل القضية الفلسطينية حلاً شاملاً وعادلاً يحترم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ؛ في إقامة دولة ذات سيادة كاملة على حدود 1967م ، وعودة فلسطينيي المهجر إلى وطنهم ، وتوفير كل الظروف الضرورية لحياة كريمة وعزيزة لهم على أرضهم، وتحقيق طموحاتهم في العدالة والأمن والتنمية . 

وفي خاتمة هذا المقال يجب أن نؤكد على أن ثوابت السياسة الخارجية العمانية تجاه كل القضايا الإقليمية والعالمية ، ترتكز على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول ، ودعم والوقوف مع الحقوق العربية والقايا العادلة للبشرية جمعاء .. لذلك جاء قرارها أيضًا بعدم التدخل في إختيارات بعض الدول للتطبيع مع إسرائيل .. ولكنها في الوقت نفسه ظلت تقف بكل الحزم مع الشعب الفلسطيني ، وتقدم له الدعم والعون اللازم .. ونعتقد يقيناً أن سلطنة عمان ستقف أمام كل الضغوط الدولية كما عهدناه بمواقف صادقة وثابتة ، وأنها لم ولن تخطو أية خطوة للتطبيع مع اسرائيل إن شاء الله دون أن تتحقق الحقوق التاريخية والشرعية والإنسانية العادلة لهذا الشعب المناضل النبيل..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى