أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

بـدايـات السـفـر والسـيـاحـة..

الكاتـب/ محمـد عـلـي البـدوي

 

بـدايـات السـفـر والسـيـاحـة..

 

ساهم عصر النهضة في تطور فكرة السفر بعد العصر الروماني، وحدث ذلك بصورة واضحة بعد انتقال المجتمع الأوروبي من قاعدة ريفية إلى قاعدة حضرية نتيجة حدوث تغيرات جذرية في سلوك المواطن الأوروبي.

ومع تزايد القدرات المادية وأصبح لدي المزيد من الناس المال اللازم للسفر بدأت إرهاصات قوية تشير إلى أن هناك رغبة عامة في السفر ورؤية العالم الخارجي. 

وكان الحج إلي القدس مازال يمثل أهمية كبيرة عند المتدينين في أوروبا على الرغم من إنخفاض الأعداد المسافرة الي القدس بسبب نمو مذهب البروتستانتية في أوروبا.

وكان الدافع من أجل التعلم هو أهم الأسباب الداعية الي السفر وخاصة بعد إنتشار الأعمال الأدبية والفكرية في مختلف بقاع القارة الأوروبية.

وشهدت بدايات القرن السادس عشر رغبة كبيرة في السفر والاستكشاف، كان ذلك نتيجة لتطور شكل الدولة وظهور طبقات من السفراء ورجال الدولة المحترفين.

رافق الشباب من أبناء العائلات ذات القدرة المالية السفراء في جميع أنحاء أوروبا لإكمال تعليمهم، واستمر هذا النهج في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأصبح ذلك أمرا شائعا بين الطبقات الأكثر قدرة علي توفير نفقات السفر.

كان التباهي بتعليم الأبناء في الخارج من دواعي الفخر بين العائلات التي أصبحت تعمل بكد لتوفر مصاريف التعليم.

وكان لفلسفة (جون لوك) أثراً في هذا السلوك حيث كان يؤكد أن المعرفة البشرية تأتي بالكامل من المعرفة الخارجية.

كان جون لوك يعتقد أنه بمجرد استنفاد بيئة ما أصبح من الضروري السفر الي بيئة أخرى، أصبح السفر مطلبا لمن يسعون إلى تنمية العقل والبحث عن المعرفة.

كانت أشهر الجولات التعليمية تبدأ في فرنسا حيث يتم أولاً تعلم اللغة الفرنسية، إضافة الي المبارزة وركوب الخيل والرسم والرقص، ثم يتوجه الطالب الي إيطاليا ليتعلم النحت والموسيقي ثم يزور ألمانيا وسويسرا لدراسة الهندسة.

وكان السفر بالحافلات غير مريح إلى حد ما ولكن كان علي الطلاب إثبات قدرتهم على التعلم والعودة للوطن ببعض اللوحات والمنحوتات والتي كان معظمها غير أصلي.

وتدريجيا اهتمت الطبقة الأرستقراطية الروسية بفكرة إرسال الأبناء للخارج من أجل التعلم، وشاركهم هذه الرغبة أبناء الدول الإسكندفانية ووصلت ذروة هذه الأحداث في منتصف القرن الثامن عشر ولكن هذه الرحلات إنتهت فجأة مع الثورة الفرنسية والحروب النابليونية.

لم يكن السفر مجرد رغبة في المتعة والإثارة، فالفكر الأوروبي إستطاع أن يصل إلي مشروع فكري وثقافي عن طريق تبادل الخبرات والمعرفة والتعليم وبذلك تحول السفر الي ضرورة حتمية.

ثم توالت الأحداث سريعا وحدثت عدة نقلات نوعية وتطورات فكرية وعلمية أدت إلى بروز دور السفر والتبادل التجاري بعد الثورة الصناعية الكبرى وحاجة الدول المصنعة لتصدير منتجاتها مما أسس لطبقة جديدة من التجار الذين كانوا يجوبون القارة الأوروبية لتسويق منتجاتهم. 

كل تلك المعطيات وغيرها أسهمت جدياً لتطور صناعة السفر وجعلت السفر أكثر قربا وسهولة عن ذي قبل، ولكن التطور الأكبر هو ما حدث مع بدايات القرن العشرين وهذا ما سوف نتناوله قريباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى