أصداءأقلام الكتاب

بـدر شاكـر السـيّاب .. حيـاتـه و شـعـره‎..

الكاتـب/ فـهـد الجـهـوري

almnsi2020@gmail.com

 

بـدر شاكـر السـيّاب .. حيـاتـه و شـعـره..

 

لم يكن شاعر العراق الكبير بدر شاكر السيّاب في حياته إلا شاعراً تقاذفته الظروف والآلام والأحزان، لتخلق من شعره لوحات من ما يخالج ما تموج به نفسه لأمته العربية وحياته الشخصية، وشخصية السياب بكل تقلباتها السياسية والعاطفية حدثنا عنها بكثير من التفصيل الكاتب عيسى بلاطة في كتابه (بدر شاكر السياب : حياته وشعره) والذي قدم لنا السياب الشاعر والسياسي والعاطفي، وقبل هذا كله رائد الشعر الحر الذي ذهب بالشعر العربي في خط جديد يواكب الحداثة التي كان ينشدها في الأمة العربية بعد سنوات الاستعمار.

ومن أهم بواعث الحزن في شخصية بدر شاكر السيّاب التي تشكلت في أشعاره لاحقاً، هو موت والدته وهو بالسادسة من عمره، حيث كان دائم السؤال عنها مع جده الذي تولى تربيته بعد زواج أبيه من امرأة أخرى، والإجابة من جده كانت غداً سوف تعود أو بعد غد، لم ينسى السياب هذا الموقف المتكرر لسؤاله و إجابة جده المتكررة كذلك، مما دعاه للكتابة عنها من ضمن قصيدته الشهيرة أنشودة المطر، التي تغنى بها الفنان الكبير محمد عبده حيث يقول السياب :

أتعلمين..

أيَ حُزنٍ يبعث المطر

وكيف يشعُرُ الوحيدُ فيه بالضَّياع

كأنَّ طِفلاً باتَ يهذي قبل أن ينام

بأن أُمَّه التي أفاقَ مُنذُ عام ..

فلم يجدها..

ثُم حين لجَّ في السؤال

قالوا له : بعدَ غدٍ تعود ..

لابدَّ أن تعود

فتستفيقُ مِلءَ روحي نشوةُ البُكاء

ورعشةٌ وحشيةٌ تُعانِقُ السَّماء

كرعشةِ الطِفلِ إذا خافَ مِن القمر

أما في الجانب السياسي، فقد عاش السيّاب بين سجين ومطارد من جانب الحكومات المتعاقبة في العراق، بسبب قصائده التي كانت تُلهب الجماهير الغفيرة في المظاهرات الدائمة، وخاصة مرحلة نوري السعيد، تلك المرحلة التي طاردت الشيوعيين العراقيين بالسجن والإعدامات، الذين كان ينتمي لهم السياب، ويشارك في أنشطتهم، وشاعرهم الأول في الميادين الغاضبة ضد سياسات حكومة نوري السعيد المتماهية مع الانجليز، قبل أن يكفر السيّاب بالنهج الشيوعي العام وأفكاره، ويقوم بكتابة حلقات أسبوعية في صحيفة الحرية آنذاك، يفضح فيها الأفكار الشيوعية وأهدافها حسب رأيه، حيث تم فيما بعد وضع كل تلك المقالات التي كتبها السيّاب عن الشيوعيين في كتاب حمل عنوان (كنت شيوعياً) ورغم العداء الصريح من جانب السيّاب للحزب الشيوعي العراقي، والشيوعية بنهجها العام، إلا إنه لم يتخلَّ عن بعض ما كانت تروّج له الشيوعية من أفكار، وفي مقدمتها مشكلة الطبقية التي تنهك العراقيين والعالم بشكل عام، بل حتى أن فكرة الطبقة البرجوازية ومشكلاتها، أسقطها على علاقاته العاطفية العديدة والتي فشل فيها بامتياز .. فحينما أحب فتاةً من تلك الطبقة البرجوازية كان يتوهم أنها تبادله المشاعر، حتى صدمته بعكس ما توقع، فلم يستطع أن يتزوج بعلاقة حب مثلما تمنى بل كان زواجه فيما بعد بالسيدة (إقبال) زواجاً تقليدياً بسيطاً، فكتب عن تلك الفتاة البرجوازية التي رفضت دفقات شعره المتواصل لها، الكلمات التالية التي تنم عن سخط داخلي عميق عن فارق الطبقية حيث قال :

بيني وبين الحب قفر بعيد

من نعمة المال وجاه الأبِ

يا آهتي كفّي .. ومت يا نشيد

شتان بين الطين والكوكبِ

ومن جانب آخر لم أقرأ عن شاعر غازل الموت وتمناه، مثلما فعل بدر شاكر السيّاب بقصائده المتوالية بعد إصابته بالشلل في الجزء السفلي من جسمه، وضمور عضلات جسمه بالكامل بشكل سريع بسبب تلف جهازه العصبي، وتأثيره المباشر على نخاعه الشوكي، ولم تسعفه محاولات العلاج في العراق ومن ثم لندن وباريس قبل أن يستقر به المقام في المستشفى الأميري بالكويت، بعد نشر صديقه الشاعر الكويتي (علي السبي) نداءً لوزير الصحة الكويتي لعلاج شاعر العراق الكبير السيّاب على حساب الحكومة الكويتية وهو ما رحب به وزير الصحة الكويتي.

ورغم العناية الفائقة التي تلقاها السياب في الكويت، إلا أن الجميع كان يعلم بما فيهم بدر شاكر السيّاب، أن أيامه معدودة والموت كان يحدق به، حيث أصبح السيّاب مشلولاً بالكامل تقريباً، حيث بدأت تنتابه نوبات إغماء إيذاناً بتلف خلايا الدماغ، ونلحظ شعوره بالإستسلام للقدر ورغبته بالموت في كلمات قصيدته التي كتبها في التاسع من يوليو من عام 1964 بعنوان : “غابة الظلام” التي ختمها حيث قال :

أليس يكفي أيها الإلهْ

أن الفناء غاية الحياة

فتصبغ الحياة بالقتامْ

تحيلني بلا ردًى، حطامْ

سفينة كسيرةً تطفو على المياه

هاتِ الردى أريد أن أنام

بين قبور أهلي المبعثرةْ

وراء ليل المقبرة

رصاصة الرحمة يا إله! 

وأخيراً في ظُهر الخميس الموافق للرابع والعشرين من ديسمبر، فاضت روح السياب من جسده المشلول المتهالك، وليخسر العالم العربي شاعراً فذاً في ريعان شبابه، ساهم في إنتاج خط جديد للشعر العربي تأثر به الكثيرون من بعده.

إن المعلومات التي إخترتها لك عزيزي القارئ قليل من كثير، أسهب في تفاصيلها المؤلف عيسى بلاطة عن شاعر باعتقادي عاش بعد موته.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق